الإسلام > الأيمان والمواريث > الإيصاء > إذا أوصى إلى رجل بتفريق ثلث ماله هل له أن يأخذ منه؟
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 10 دقيقة قراءةوقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وإنِ اختَلَفا في دَفعِ المالِ إليه بعدَ بُلوغِه فالقَولُ قَولُ الوَصيِّ؛ لأنَّه أَمينٌ في ذلك فقُبلَ قَولُه فيه كالنَّفقةِ وكالمُودَعِ (١).
وقالَ الإِمامُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: واختلَفوا فيما إذا ادَّعى الوَصيُّ دَفعَ المالِ إلى اليَتيمِ بعدَ بُلوغِه؟
فقالَ أَبو حَنيفةَ وأَحمدُ: القَولُ قَولُ الوَصيِّ مع يَمينِه، وكذلك الحُكمُ في الأَبِ والحاكِمِ والشَّريكِ والمُضارِبِ.
وقالَ مالِكٌ والشافِعيُّ: لا يُقبلُ قَولُ الوَصيِّ إلا ببَيِّنةٍ، واستَثنَى الشافِعيُّ الشَّريكَ والمُضارِبَ، فذكَرَ فيهما قولَينِ (٢).
إذا أَوصَى إلى رَجلٍ بتَفريقِ ثُلثِ مالِه هل له أنْ يأخُذَ منه؟
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو أَوصَى إلى رَجلٍ بثُلثِ مالِه فقالَ: «ضَعْه حيثُ شِئتَ»، هل له أنْ يَصرفَه لنَفسِه أو لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَجوزُ له أنْ يَصرفَه لنَفسِه.
وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ له أنْ يَدفعَه إلى نَفسِه، وأنْ يُعطيَه بعضَ أَولادِه (٣).
(١) «الكافي» (٢/ ٥٢٣).
(٢) «الإفصاح» (٢/ ٧٨).
(٣) «البحر الرائق» (٣/ ١٤٦)، و «الفتاوى الهندية» (٦/ ٤١٠) الإفصاح» (٢/ ٧٨)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٥/ ١٧٠، ١٧١)، رقم (١٩٢٣)، و «الفتاوى الفقهية الكبرى» (٣/ ٢٣٢)، و «حاشية الرملي على أسنى المطالب» (٣/ ٧٤)، و «المغني» (٦/ ١٤٨)، و «كشاف القناع» (٤/ ٤٨٦).
قالَ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: واختلَفوا فيما إذا أَوصَى إلى رَجلٍ بثُلثِ مالِه فقال له: «ضَعْه حيثُ شِئتَ»، فقالَ أَبو حَنيفةَ: له أنْ يَدفعَه إلى نَفسِه وأنْ يُعطيَه بعضَ أَولادِه.
وقالَ مالِكٌ وأَحمدُ والشافِعيُّ: ليسَ له ذلك، واستَثنَى مالِكٌ ألَّا يَكونَ لذلك أَهلًا (١).
وقالَ القاضي عبدُ الوَهابِ رحمة الله عليه: إذا قالَ: «ضَعْ ثُلثي حيثُ شِئتَ، أو اجعَلْه حيثُ أحبَبتَ، أو أعطِه مَنْ أحبَبتَ»، فذلك كلُّه سَواءٌ لا يَأخذُ لنَفسِه شَيئًا ولا لوَلدِه، إلا أنْ يَكونَ لذلك وَجهٌ.
وقالَ أَبو حَنيفةَ: إذا قالَ: «اجعَلْه حيثُ شِئتَ، أو ضَعْه حيثُ أحبَبتَ»، فله أنْ يأخُذَه لنَفسِه أو بعضِ وَلدِه، ولو قالَ: «أَعطِه مَنْ أحبَبتَ»، لم يَكنْ له أنْ يَأخُذَه لنَفسِه، فالكَلامُ في مَوضعَينِ: أَحدُهما: أنَّه ليسَ له أنْ يأخُذَ لنَفسِه شَيئًا إلا أنْ يَكونَ لذلك وَجهٌ، والآخَرُ: أنَّه لا فَرقَ بينَ اللَّفظَينِ.
فدَليلُنا على الأولِ مَفهومُ هذه الأَلفاظِ في الشَّرعِ أنَّها عِبارةٌ عن الاجتِهادِ بقَدرِ فِعلِ الإِمامِ فيه ما رأى، وقد وضَعَه حيثُ أَراه اللهُ ﷾، مَفهومُه أنَّه قد وكَّلَ ذلك إلى رأيِه، وجعَلَه إلى اجتِهادِه، وقد عُلمَ أنَّ المُوصيَ بالثُّلثِ غَرضُه وَضعُه في وُجوهِ القُربِ، وأنَّه إنَّما وكَلَه إلى
(١) «الإفصاح» (٢/ ٧٨).
المُوصَى له ليَنظرَ أنفَعَ الوُجوهِ له فيَجعلَه فيه، فلو أَرادَ أنْ يأخُذَ هو منه لقالَ له: «أو لك منه كذا»، وما أشبَهَ ذلك من أَلفاظِ التَّمليكِ، وقياسًا على قَولِه: «أعطِه مَنْ شِئتَ».
ودَليلُنا على الثاني قَولُه: «ضَعْه»، بمَنزلةِ قَولِه: «أَعطِه مَنْ شِئتَ»؛ لأنَّ مَفهومَ اللَّفظَينِ واحِدٌ، ولأنَّه جعَلَ صَرفَها مَوكولًا إلى مَشيئتِه، كما لو قالَ: «أَعطِه مَنْ شِئتَ» (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وإذا أَوصَى إليه بتَفريقِ مالٍ لم يَكنْ له أخذُ شَيءٍ منه، نَصَّ عليه أَحمدُ، فقالَ: إذا كانَ في يَدِه مالٌ للمَساكينِ وأَبوابِ البِرِّ وهو يَحتاجُ إليه فلا يَأكُلْ منه شَيئًا، إنَّما أُمرَ بتَنفيذِه، وبهذا قالَ مالِكٌ والشافِعيُّ.
وقالَ أَبو ثَورٍ وأَصحابُ الرأيِ: إذا قالَ المُوصي: «جعَلتُ لك أنْ تَضعَ ثُلثي حيثُ شِئتَ، أو حيثُ رَأيتَ»، فله أخذُه لنَفسِه ووَلدِه.
ويَحتمِلُ أنْ يَجوزَ ذلك عندَنا؛ لأنَّه يَتناوَلُه لَفظُ المُوصي، ويَحتمِلُ أنْ يَنظُرَ إلى قَرائنِ الأَحوالِ، فإنْ دلَّت على أنَّه أَرادَ أخذَه منه مِثلَ أنْ يَكونَ من جُملةِ المُستحِقِّينَ الذين يُصرفُ إليهم ذلك أو تَكونَ عادَتُه الأخذَ من مِثلِه فله الأخذُ منه، وإلا فلا، ويَحتملُ أنَّ له إِعطاءَ وَلدِه وسائِرِ أَقاربِه إذا كانوا مُستحِقِّينَ دونَ نَفسِه؛ لأنَّه مَأمورٌ بالتَّفريقِ، وقد فرَّقَ فيمَن يَستحِقُّ فأشبَهَ ما لو دُفِعَ إلى أجنَبيٍّ.
(١) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٥/ ١٧٠، ١٧١)، رقم (١٩٢٣).
ولنا: أنَّه تَمليكٌ ملَكَه بالإِذنِ فلا يَجوزُ أنْ يَكونَ قابِلًا، كما لو وكَّلَه في بَيعِ سِلعةٍ لم يَجُزْ له بَيعُها من نَفسِه (١).
وقالَ الإِمامُ المِرداويُّ: قَولُه: (وإذا قالَ: «ضَعْ ثُلثِي حيثُ شِئتَ أو أَعطِه مَنْ شِئتَ» لم يَجُزْ له أخذُه ولا دَفعُه إلى وَلدِه)، هذا المَذهبُ، وعليه أكثَرُ الأَصحابِ ونَصَّ عليه وجزَمَ به في «الوَجيز» وغيرِه، وقدَّمه في «المُغني» و «الشَّرح» و «النظم» و «الرِّعايتَين» و «الحاوي الصغير» و «الفُروع» و «الفائِق»، وقالَ: اختارَه الأكثَرونَ في الوَلدِ.
ويَحتمِلُ جَوازَ ذلك لتَناولِ اللَّفظِ له، ويَحتملُ جَوازَ ذلك مع القَرينةِ فقط.
واختارَ المُصنفُ والمَجدُ جَوازَ دَفعِه إلى وَلدِه، قالَ الحارِثيُّ: وهو المَذهبُ.
(١) «المغني» (٦/ ١٤٨)، ويُنظَر: «الفتاوى الفقهية الكبرى» (٣/ ٢٣٢)، و «حاشية الرملي على أسنى المطالب» (٣/ ٧٤).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الوصايا
٩٧٥ - مسألة؛ قال: (ومن أوصى لعبده بثلث ماله، فإن كان العبد يخرج من الثلث عتق، وما فضل من ا
أنَّه لا يَنْقُصُ ذا الفَرْضِ شَيْئًا من فَرْضِه. أو خَلَّفَ امْرَأةً، وقال: أوْصَيْتُ لك بما فَضَلَ من المالِ عن فَرْضِها. صَحَّ في المَسْألةِ الأُولَى؛ لأنَّ ذا الفَرْضِ يَرِثُ المالَ كُلَّه، لولا الوَصِيَّةُ، فلا فَرْقَ في الوَصِيَّةِ بين أن يَجْعَلَها من رَأْسِ المالِ أو من الزَّائِدِ على الفَرْضِ. وأما المَسْألةُ الثانِيةُ، فتَنْبَنِى على الوَصِيّةِ بجَمِيعِ المالِ، فإن قُلْنا: تَصِحُّ ثَمَّ. صَحَّتْ ههُنا؛ لأنَّ الباقِىَ عن فَرْضِ الزَّوْجةِ مالٌ لا وارِثَ له، فصَحَّتِ الوَصِيّةُ به، كما لو لم تكُنْ زَوْجةً. وإن قُلْنا: لا تَصِحُّ ثَمَّ. فهَهُنا مِثْلُه؛ لأنَّ بَيْتَ المالِ جُعِلَ كالوارِثِ ، فصارَ كأنَّه ذو وَرَثةٍ يَسْتَغْرِقُونَ المالَ إذا عَيَّنَ الوَصِيّةَ من نَصِيبِ العَصَبةِ منهم، فعلى هذا يُعْطَى المُوصَى له الثُّلُثَ من رَأْسِ المالِ، ويَسْقُطُ تَخْصِيصُه.
٩٧٥ - مسألة؛ قال: (ومَنْ أوْصَى لِعَبْدِه بثُلُثِ مَالِهِ، فَإنْ كَانَ الْعَبْدُ يَخْرُجُ مِنَ الثُّلُثِ عَتَقَ، ومَا فَضَلَ مِنَ الثُّلُثِ بَعْدَ عِتْقِهِ، فَهُوَ لَهُ، وإنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الثُّلُثِ، عَتَقَ مِنْهُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ، إلَّا أنْ يُجِيزَ الْوَرَثةُ)
ارجع إلى الإيصاء للاطلاع على جميع المسائل.