إذا تغيرت حال الوصي

الإسلام > الأيمان والمواريث > الإيصاء > إذا تغيرت حال الوصي

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 13 دقيقة قراءة

إذا تغيرت حال الوصي - الأقوال والأدلة

تُوجدَ هذه الشُّروطُ عندَ الوَصيةِ والمَوتِ معًا، فلو كانَ عندَ الوَصيةِ فاسِقًا وعندَ المَوتِ عَدلًا لم تَصحَّ، وكذا إذا كانَ مَجنونًا عندَ الوَصيةِ وكانَ فائِقًا عندَ المَوتِ أو العَكسِ؛ لأنَّها شُروطٌ لعَقدٍ فتُعتبَرُ حالَ وُجودِه كسائِرِ العُقودِ.

وذهَبَ الشافِعيةُ في الأصَحِّ والحَنابِلةُ في قَولٍ (وهو مُقتَضى مَذهبِ الحَنفيةِ والمالِكيةِ (١) إلى أنَّه تُعتبَرُ الشُّروطُ حالَ المَوتِ فحَسْبُ كالوَصيةِ له، لا عندَ الإِيصاءِ ولا بينَهما؛ لأنَّ شُروطَ الشَّهادةِ تُعتبَرُ عندَ أَدائِها لا عندَ تَحمُّلِها كذلك ههنا، فلو كانَت الشُّروطُ كلُّها مُنتفيةً أو بعضُها حالَ العَقدِ ثم وُجدَت حالةَ المَوتِ لصَحَّت الوَصيةُ.

وفي قَولٍ ثالِثٍ للشافِعيةِ وللحَنابِلةِ أنَّه في الحالتَينِ جَميعًا عندَ الوِصايةِ وعندَ المَوتِ وفيما بينَهما (٢).

إذا تَغيَّرت حالُ الوَصيِّ:

قالَ الإِمامُ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: «فإنْ تَغيَّرت حالُه أُخرِجت الوَصيةُ من يَدِه وضُمَّ إليه إذا كانَ ضَعيفًا أَمينٌ معه، فإنْ أَوصَى إلى غيرِ ثِقةٍ فقد أخطَأَ على غيرِه فلا يَجوزُ ذلك».

(١) لم يَنصَّ الحَنفيةُ والمالِكيةُ صَراحةً على أنَّه يُشتَرطُ في هذه الصِّفاتِ أنْ تَتوافرَ عندَ الإِيصاءِ أو المَوتِ، لكنَّ تَصريحَهم ونُصوصَهم في المُوصَى له أنَّه تُعتبَرُ فيه الشُّروطُ عندَ المَوتِ كما تَقدَّمَ في شُروطِ المُوصَى له.
(٢) «روضة الطالبين» (٤/ ٥٦٤)، و «كفاية الأخيار» (٣٩٥)، و «حاشية إعانة الطالبين» (٣/ ٤٠٥)، و «المغني» (٦/ ١٤٤)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٥٧٩)، و «المبدع» (٦/ ١٠٢)، و «الإنصاف» (٧/ ٢٨٨، ٢٨٩)، و «منار السبيل» (٢/ ٣٩٠).

قالَ الماوَرديُّ: وهذا كما قالَ: إذا تغيَّرَت حالُ الوَصيِّ بعدَ استِكمالِ الشُّروطِ فيه فذلك ضَربانِ: أَحدُهما ما خرَجَ به من الوَصيةِ، والثاني ما عجَزَ به عنها، فأمَّا الذي يَخرجُ به من الوَصيةِ فالطارِئُ عليه من جُنونٍ أو فِسقٍ أو مَرضٍ يُؤثِّرُ في صِحةِ تَدبيرِه وفَضلِ نَظرِه، فهذه أُمورٌ يَخرجُ بها من الوَصيةِ.

وقالَ أَبو حَنيفةَ: طُروءُ الفِسقِ لا يُخرجُه من الوَصيةِ، كما أنَّ فِسقَ من حُكمَ بشَهادتِه لا يُوجبُ نَقضَ الحُكمِ بها، ولكنْ يُضمُّ إليه بعدَ فِسقِه عَدلٌ، وهذا القَولُ لا وَجهَ له؛ لأنَّه لمَّا كانَ الفِسقُ مانِعًا من ابتِداءِ الوَصيةِ كانَ مانِعًا من استِدامَتِها كالكُفرِ، وإذا كانَ كذا صارَ طُروءُ الفِسقِ كغيرِه من الأَسبابِ المانِعةِ، فيَلزمُ الحاكِمَ معها إِخراجُها عن يَدِه واختيارُ مَنْ يَقومُ بها من أُمنائِه، فإنْ تصرَّفَ الوَصيُّ في المالِ بعدَ خُروجِه منها بأحدِ هذه الأَسبابِ نُظرَ فإنْ كانَ عَقدًا أو ما يَفتقِرُ إلى اجتِهادٍ رُدَّ وكانَ له ضامِنًا إنْ ماتَ، وإنْ كانَ مُعيَّنًا من وَصيةٍ أو دَينٍ لا يَفتقِرُ إلى اجتِهادٍ أمضَى ولم يَضمَنْه.

وأمَّا العَجزُ عنها فالضَّعفُ الذي يُقدَرُ معه على القيامِ بها فهذا مُقَرٌّ على حالِه، لكنْ على الحاكِمِ أنْ يَضمَّ إليه مِنْ أُمنائِه مَنْ يُعينُه على إِنفاذِ الوَصايا والوِلايةِ على الأَطفالِ، فلو تفرَّدَ هذا الوَصيُّ قبلَ أنْ يَضمَّ الحاكِمُ إليه أَمينًا فتصرَّفَ في الوَصيةِ أمضى ولم يَضمَنْه؛ لأنَّه ما انفرَدَ به إلا وهو قادِرٌ عليه، وهكذا لو ابتُدئَ بالوَصيةِ إلى غيرِ أَمينٍ أخرَجَها الحاكِمُ من يَدِه.

ولو أَوصَى إلى ضَعيفٍ ضُمَّ إليه غيرُه من أَبنائِه، فإنْ قيلَ: فهل يَلزمُ الحاكِمَ أنْ يَستكشِفَ عن الأَوصياءِ ووُلاةِ الأَيتامِ أو لا؟ قُلنا: هذا على

ضَربَينِ: أَحدُهما يَكونُ فيمَن يَلي بنَفسِه من أَبٍ أو جَدٍّ فليس للحاكِمِ أنْ يَستكشِفَ عن حالِه، وعليه إِقرارُه على وِلايتِه ونَظرِه حتى يَثبُتَ عندَه ما يُوجبُ زَوالَ نَظرِه من فِسقٍ أو خيانةٍ، فيَعزلَه حينَئذٍ ويُولِّيَ غيرَه؛ لأنَّ الواليَ بنَفسِه أَقوى نَظرًا من الحاكِمِ.

والضَّربُ الثاني: أنْ تَكونَ وِلايتُه بغيرِه، فهذا على ضَربَينِ: أَحدُهما أنْ يَكونَ أَمينَ حاكِمٍ، والثاني أنْ يَكونَ وَصيَّ أَبٍ، فإنْ كانَ أَمينَ الحاكِمِ لم يَجِبْ أنْ يَستكشِفَ عن حالِه إلا أنْ يَثبُتَ عندَه خِيانَتُه أو فِسقُه؛ لأنَّ ما وَلَّاه الحاكِمُ قد اعتُبِرَ من حالِه ما صَحَّت به وِلايتُه، وإنْ كانَ وَصيَّ أَبٍ ففيه وَجهانِ: أَحدُهما -وهو قَولُ أَبي إِسحاقَ المَروَزيِّ-: لا يَجوزُ استِكشافُ حالِه إلا بعدَ ثُبوتِ فِسقِه كالأَبِ وأَمينِ الحاكِمِ، والوَجهُ الثاني: وهو الأصَحُّ عِندي أنَّ على الحاكِمِ استِكشافَ حالِه؛ لأنَّه لم يَنفُذْ بوِلايتِه حُكمٌ ولا هو ممَّا تَنتَفي عنه التُّهمةُ كالأَبِ، وقد يَجوزُ أنْ يَكونَ بوَصفِ مَنْ لا يَستحِقُّ النَّظرَ فافتَقرَ إلى الكَشفِ (١).

وقالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ: وإذا تغيَّرَت حالُ الوَصيِّ بجُنونٍ أو كُفرٍ أو سَفهٍ زالَت وِلايتُه وصارَ كأنَّه لم يُوصَ إليه، ويَرجعُ الأمرُ إلى الحاكِمِ، فيُقيمُ أَمينًا ناظِرًا للمَيتِ في أمرِه وأمرِ أَولادِه من بعدِه، كما لو لم يُخلِّفْ

(١) «الحاوي الكبير» (٨/ ٣٣٤، ٣٣٥)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٥٦٤، ٥٦٥)، و «كنز الراغبين» (٣/ ٤٣٨)، و «النجم الوهاج» (٦/ ٣٢٩)، و «مغني المحتاج» (٤/ ١٢٤)، و «تحفة المحتاج» (٨/ ٢٧٨)، و «الديباج» (٣/ ١٠٠).

وَصيًّا، وإنْ تغيَّرَت حالُه بعدَ الوَصيةِ وقبلَ المَوتِ ثم عادَ فكانَ عندَ المَوتِ جامِعًا لشُروطِ الوَصيةِ صَحَّت الوَصيةُ إليه؛ لأنَّ الشُّروطَ مَوجودةٌ حالَ العَقدِ والمَوتِ، فصَحَّت الوَصيةُ كما لو لم تَتغيَّرْ حالُه.

ويَحتملُ أنْ تَبطُلَ؛ لأنَّ كلَّ حالةٍ منها حالةٌ للقَبولِ والرَّدِّ، فاعتُبِرت الشُّروطُ فيها، فأمَّا إنْ زالَت بعدَ المَوتِ وانعزَلَ ثم عادَ فأكمَلَ الشُّروطَ لم تُعدَّ وَصيتُه؛ لأنَّها زالَت فلا تَعودُ إلا بعَقدٍ جَديدٍ (١).

وقالَ الإِمامُ المَوصليُّ الحَنفيُّ: اعلَمْ أنَّ الأَوصياءَ ثَلاثةٌ:

أَمينٌ قادِرٌ على القيامِ بما أُوصيَ إليه؛ فإنَّه يُقرَّرُ وليسَ للقاضي عَزلُه؛ لأنَّ مَقصودَ المُوصي القيامُ بأُمورِه وما أَوصَى إليه به، فإذا حصَلَ فتَغييرُه إِبطالٌ لقَصدِه فلا يَجوزُ.

وأَمينٌ عاجِزٌ فللقاضي أنْ يَضمَّ إليه مَنْ يُعينُه؛ لأنَّ الوَصيةَ إليه صَحيحةٌ لا يَجوزُ إِبطالُها، إلا أنَّ في انفِرادِه نَوعَ خَللٍ ببعضِ المَقصودِ لعَجزِه فيُضمُّ إليه آخَرُ تَكميلًا للمَقصودِ.

وفاسِقٌ أو كافِرٌ أو عبدٌ فيَجبُ عَزلُه وإِقامةُ غيرِه؛ لأنَّه لا تَصحُّ نيابَتُه؛ لأنَّ المَيتَ إنَّما أَوصَى إليه مُعتمِدًا على رأيِه وأَمانتِه وكِفايتِه في تَصرفاتِه، وهؤلاء ليسوا كذلك، أمَّا الفاسِقُ فلاتِّهامِه بالخِيانةِ، وأمَّا الكافِرُ فللعَداوةِ الدِّينيةِ الباعِثةِ له على تَركِ النَّظرِ للمُسلمِ، وأمَّا العَبدُ فلتَوقُّفِ تَصرُّفِه على

(١) «المغني» (٦/ ١٤٦)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٥٨٦).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الوصايا
٩٨٦ - مسألة؛ قال: (وإذا كان الوصى خائنا، جعل معه أمين)

أوْصَيْتُ إليك، فإذا كَبِرَ ابنى كان وَصِيِّى. صحَّ؛ لذلك ، فإذا كبرَ ابنُه صارَ وَصِيَّه. وعلى هذا لو قالَ: وَصَّيْتُ لك ، فإن تابَ ابنى عن فِسْقِه، أو قَدِمَ من غَيْبَتِه، أو صَحَّ مِن مَرَضِه، أو اشْتَغلَ بالعِلْمِ، أو صالَح أُمَّه، أو رَشدَ، فهو وَصيِّى. صحَّتِ الوَصيَّةُ إليه، ويَصِيرُ وَصِيًّا عندَ وُجودِ هذه الشُّروطِ.

٩٨٦ - مسألة؛ قال: (وإذَا كَانَ الوَصِىُّ خائِنًا، جُعِلَ مَعَهُ أَمِينٌ)

ظاهرُ هذا صحةُ الوَصِيَّةِ إلى الفاسقِ، ويُضمُّ إليه أمينٌ. وكذلك إن كان عَدْلًا فتغيَّرت حالُه إلى الْخِيانةِ لم يَخْرُجْ منها، ويُضَمُّ إليه أمِينٌ. ونقلَ ابنُ منصورٍ عن أحمدَ نحوَ ذلك. قال: إذا كانَ الوَصِيُّ متهمًا، لم يَخْرُجْ من يَدِه. ونقلَ المَرُّوذِىُّ، عن أحمدَ، في مَن أوْصَى لرَجُلَيْن، ليس أحدُهما بمَوضِعٍ للوَصيَّةِ ، فقال للآخَرِ : أعْطِنى. لا يُعْطِيه شيئًا، ليس هذا بمَوْضِعٍ للوَصِيَّةِ. فقيلَ له: أليس المريضُ قد رَضىَ به؟ فقالَ: وإن رَضِىَ به. فظاهرُ هذا إبطالُ الوَصِيَّةِ إليه. وحمَلَ القاضي كلامَ الخِرَقِىِّ وكلامَ أحمدَ في إبْقائِه في الوَصِيَّةِ، على أنَّ خِيَانتَه طَرَأَتْ بعدَ الموتِ، فأمَّا إن كانتْ خِيانتُه مَوْجودةً حالَ الوَصِيَّةِ إليه، لم تَصِحَّ؛ لأنَّه لا يجوزُ تَوْلِيَةُ الخائِنِ على يَتِيمٍ في حياتِه، فكذلك بعد مَوْتِه، ولأنَّ الوَصيَّةَ ولايةٌ وأمانةٌ، والفاسِقُ ليس من أهلِهما. فعلى هذا، إذا كانَ الوَصِىُّ فاسِقًا، فحُكْمُه حُكْمُ مَن لا وَصِىَّ له، ويَنْظُرُ في مالِه الحاكمُ. وإن طرأَ فِسْقُه بعدَ الوَصِيَّةِ، زالتْ وِلايتُه، وأقامَ الحاكمُ مُقامَه أمِينًا. هذا اختيارُ القاضي. وهو قولُ الثوريِّ، والشافعىِّ، وإسحاقَ. وعلى قولِ الْخِرَقِىِّ:

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 384 - 387

ارجع إلى الإيصاء للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 5.7 / 29.5
الإضاءة 33%
البدر بعد 9 يوم
لا إله إلا الله