إطلاق لفظ الوصية هل يشمل جميع الأنواع أو لا بد من تحديد ما يوصى به

الإسلام > الأيمان والمواريث > الإيصاء > إطلاق لفظ الوصية هل يشمل جميع الأنواع أو لا بد من تحديد ما يوصى به

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 16 دقيقة قراءة

إطلاق لفظ الوصية هل يشمل جميع الأنواع أو لا بد من تحديد ما يوصى به - الأقوال والأدلة

إِطلاقُ لَفظِ الوَصيةِ هل يَشملُ جَميعَ الأَنواعِ أو لا بُدَّ من تَحديدِ ما يُوصَى به:

نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ على أنَّ المُوصيَ إذا قالَ للوَصيِّ: «أنت وَصيِّي في أمرِ كذا، كقَضاءِ دَيني مَثلًا، أو في أمرِ أَطفالي بعدَ مَوتي فقط»، ولم يَزِدْ على هذا، فلا يَجوزُ له الإِقدامُ على غيرِ ما أَوصَى له به.

وقالَ الحَنفيةُ: ولو أَوصَى إلى رَجلٍ في مالِه كانَ وَصيًّا فيه وفي وَلدِه، وإذا أَوصَى إليه في أَنواعٍ وسكَتَ عن نَوعٍ فالوَصيُّ في نَوعٍ يَكونُ وَصيًّا في الأَنواِع كلِّها؛ لأنَّه لو لم تَعمَّ وِصايتُه تَقعُ الحاجةُ إلى نَصبِ وَصيٍّ آخَرَ، فجَعْلُ مَنْ اختارَه المَيتُ وَصيًّا ببعضِ أُمورِه وَصيًّا في كلِّها أَولى من جَعلِ غيرِه وَصيًّا؛ لأنَّ المُوصيَ لم يَرضَ بتَصرفِ غيرِه في شَيءٍ من الأُمورِ ورَضيَ بتَصرفِ هذا في بعضِ الأُمورِ؛ لأنَّه استَصلَحَه واستَصوَبه في الوِصايةِ، فكَونُ هذا وَصيًّا على العُمومِ أوْلى (١).

وكذلك اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّه إذا عمَّمَ الوَصيةَ بأنْ قالَ: «أنت وَصيِّي في كلِّ شَيءٍ بعدَ مَوتي» فهو وَصيٌّ في كلِّ شَيءٍ، فله أنْ يَليَ أمرَ أَطفالِه وأنْ يُزوِّجَ بَناتِه إلى غيرِ ذلك من الأُمورِ.

(١) «البحر الرائق» (٨/ ٥٢١)، و «مجمع الضمانات» (٢/ ٨٤٩)، و «ابن عابدين» (٦/ ٧٠٠).

إلا أنَّهم اختلَفوا فيما لو قالَ له: «أنت وَصيِّي» فقط، ولم يَذكُرْ شَيئًا آخَرَ، أو لم يُبيِّنْ ما يُوصي فيه، هل يَصحُّ الإِيصاءُ أو يَصحُّ في أُمورٍ مُحدَّدةٍ أو هو عامٌّ فيَشملُ جَميعَ الأُمورِ؟

قالَ الحَنفيةُ: إذا نصَّبَ القاضي وَصيًّا لليَتيمِ الذي لا أَبَ له كانَ وَصيُّ القاضي بمَنزلةِ وَصيِّ الأَبِ إذا جعَلَه القاضي وَصيًّا عامًّا في الأَنواعِ كلِّها، فإنْ جعَلَه وَصيًّا في نَوعٍ واحِدٍ كانَ وَصيًّا في ذلك النَّوعِ خاصَّةً، بخِلافِ وَصيِّ الأَبِ؛ فإنَّه لا يَقبلُ التَّخصيصَ، إذا أَوصَى إلى رَجلٍ في نَوعٍ وسكَتَ عن نَوعٍ فالوَصيُّ في نَوعٍ يَكونُ وَصيًّا في الأَنواعِ كلِّها؛ لأنَّه لو لم تَعمَّ وِصايتُه تَقعُ الحاجةُ إلى نَصبِ وَصيٍّ آخَرَ، فجَعْلُ مَنْ اختارَه المَيتُ وَصيًّا ببعضِ أُمورِه وَصيًّا في كلِّها أَولى من جَعلِ غيرِه وَصيًّا؛ لأنَّ المُوصيَ لم يَرضَ بتَصرفِ غيرِه في شَيءٍ من الأُمورِ، ورَضيَ بتَصرفِ هذا في بعضِ الأُمورِ؛ لأنَّه استَصلَحَه واستَصوَبَه في الوِصايةِ، فكَونُ هذا وَصيًّا على العُمومِ أَوْلى (١).

وقالَ المالِكيةُ: إذا أطلَقَ لَفظَ الوَصيةِ بأنْ قالَ: «اشهَدوا على أنَّ فُلانًا وَصيِّي» فقط ولم يُقيِّدْه بشَيءٍ، ولم يَزِدْ على هذا؛ فإنَّه يَعمُّ كلَّ شَيءٍ، ويَعُمُّ تَزويجَ بَناتِه البالِغاتِ بإِذنِهن، أي: ويُقدَّمُ على العاصِبِ كالأَخِ والعَمِّ، وكذا تَزويجُ الثَّيبِ بأمرِها، وكذا تَزويجُ الصَّغيرةِ بشُروطِها بأنْ يَخافَ عليها

(١) «البحر الرائق» (٨/ ٥٢١)، و «مجمع الضمانات» (٢/ ٨٤٩)، و «ابن عابدين» (٦/ ٧٠٠)، و «الفتاوى الهندية» (٦/ ١٤٦).

الفَسادَ في مالِها أو حالِها ولا جَبْرَ له؛ لأنَّ التَّعميمَ لا يَقتَضيه، وإنَّما يُجبِرُ إنْ أمَرَه بالإِجبارِ أو عيَّنَ له الزَّوجَ، فله حينَئذٍ جَبْرُهن سَواءٌ كُنَّ صِغارًا أو كِبارًا.

وإلا بأنْ لم يَأمُرْه الأَبُ بالإِجبارِ ولا عيَّنَ له الزَّوجَ ففيه خِلافٌ، والراجِحُ الجَبْرُ إنْ ذكَرَ البُضعَ أو النِّكاحِ أو التَّزويجِ، بأنْ قالَ له الأَبُ: «أنت وَصيِّي على بُضعِ بَناتي أو على نِكاحِهن أو على تَزويجِهن أو على بِنتي، تَزوَّجْها أو زَوِّجْها مَنْ أحَبَّت»، وإنْ لم يَذكُرْ شَيئًا من الثَّلاثةِ فالراجِحُ عَدمُ الجَبْرِ، كما إذا قالَ: «أنتَ وَصيِّي على بَناتي أو على بعضِ بَناتي أو على بِنتي فُلانةَ»، وأمَّا إنْ قالَ: «أنتَ وَصيِّي» فقط، أو «على مالي»، أو «على بَيعِ تَركَتي» أو على قَبضِ دُيونِي فلا جَبْرَ له اتِّفاقًا.

وأمَّا إنْ قيَّدَ بأنْ قالَ: «أنتَ وَصيِّي على كذا» لشَيءٍ عيَّنَه؛ فإنَّه يَختَصُّ به ولا يَتعدَّاه، فإنْ تَعدَّاه لم يَنفُذْ، ك «وَصيِّي حتى يَقدمَ فُلانٌ»؛ فإنَّه يَكونُ وَصيًّا في جَميعِ الأَشياءِ حتى يَقدَمَ فُلانٌ، فإنْ قدِمَ انعزَلَ بمُجردِ قُدومِه ولو لم يَقبَلْ فُلانٌ الوَصيةَ، إلا لقَرينةٍ دالَّةٍ على اعتِبارِ القَبولِ في العَزلِ، وأنَّ المُرادَ: أنت وَصيِّي حتى يَقدمَ زَيدٌ ويَقبَلَ الوَصيةَ، فإنْ وُجدَت فلا يَنعزِلُ إلا إذا قدِمَ وقبِلَها.

وكذا لو قالَ: «فُلانٌ وَصيِّي إلا أنْ يَتزوَّجَ زَوجَتي فلا حَقَّ له» عُملَ بذلك، وكذا لو قال: «زَوجَتي وَصيَّتي إلى أنْ تَتزوَّجَ»؛ فإنَّه يُعملُ به فهي ما دامَت عَزباءَ وَصيةٌ، وإذا تزَوَّجت سقَطَ حَقُّها (١).

(١) «عقد الجواهر الثمينة» (٣/ ١٢٣٥)، و «الذخيرة» (٧/ ١٦٣)، و «التاج والإكليل» (٥/ ٤٦٩)، و «مواهب الجليل» (٨/ ٣٨٤)، و «شرح مختصر خليل» (٨/ ١٩١)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٥٣٠، ٥٣١)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٥٧٩).

وقالَ الشافِعيةُ: يُشتَرطُ بَيانُ ما يُوصي فيه وكَونُه تَصرُّفًا ماليًّا مُباحًا، كقَولِه: «فُلانٌ وَصيٌّ في قَضاءِ دَيني وتَنفيذِ وَصيَّتي والتَّصرفِ في مالِ أَطفالي أو في وَدائِعي»، ومتى خصَّصَ وِصايتَه بحِفظٍ ونَحوِه لم يَتجاوَزْه أو عمَّمَ اتُّبعَ.

ولو اقتصَرَ على قَولِه: «أَوصَيتُ إليك أو أقَمتُك مَقامي في أمرِ أَطفالي» ولم يَذكُرِ التَّصرفَ كانَ له التَّصرفُ في المالِ وحِفظِه؛ اعتِمادًا على العُرفِ على الصَّحيحِ من المَذهبِ.

والثاني: ليسَ له إلا الحِفظُ تَنزيلًا على الأقَلِّ.

والثالِثُ: لا تَصحُّ الوِصايةُ حتى يُبيِّنَ ما فوَّضَه إليه.

فإنِ اقتصَرَ على «أَوصَيت إليك»، ولم يُبيِّنِ المُوصَى فيه أُلغِيَ هذا الإِيصاءُ، كما لو قالَ: «وَكَّلتُك»، ولم يُبيِّنْ ما وَكَّل فيه، ولأنَّه لا عُرفَ يُحمَلُ عليه، ونازَعَ في ذلك السُّبكيُّ بأنَّ العُرفَ يَقتَضي أنَّه يَثبُت له جَميعُ التَّصرُّفاتِ، والمَذهبُ الأولُ (١).

(١) «روضة الطالبين» (٤/ ٥٦٨)، و «النجم الوهاج» (٦/ ٣٣٣)، و «كنز الراغبين مع حاشية قليوبي وعميرة» (٣/ ٤٤١)، و «مغني المحتاج» (٤/ ١٢٧)، و «تحفة المحتاج» (٨/ ٢٨٤)، و «الديباج» (٣/ ١٠٣)، و «المغني» (٦/ ١٤٤، ١٤٥)، و «كشاف القناع» (٤/ ٤٨٠).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الوصايا
باب ما يكون رجوعا في الوصية

باب ما يكون رجوعا في الوصية

مسألة:

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَإِذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِعَبْدٍ بِعَيْنِهِ ثُمَّ أَوْصَى بِهِ لِآخَرَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ لِلْمُوصِي الرُّجُوعَ فِي وَصِيَّتِهِ لِأَنَّهَا عَطِيَّةٌ لَمْ يَزُلْ عَنْهَا مِلْكُ مُعْطِيهَا فَأَشْبَهَتِ الْهِبَاتِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَإِنَّمَا لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ فِي عَطَايَا مَرَضِهِ لِزَوَالِ مِلْكِهِ.

ثُمَّ الرُّجُوعُ فِي الْوَصِيَّةِ يَكُونُ بِقَوْلٍ أَوْ دَلَالَةٍ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ.

وَإِذَا كَانَ حُكْمُ الْوَصِيَّةِ جَارِيًا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فَصُورَةُ مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ فِي رَجُلٍ أَوْصَى بِعَبْدِهِ لِزَيْدٍ ثُمَّ أَوْصَى بِهِ لعمرو فقد اختلف الناس في حكم ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ مَذَاهِبَ:

أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ دَاوُدَ أنه يكون وَصِيَّةً لِلْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ.

وَالثَّانِي: وهو مذهب الحسن وعطاء وطاوس أَنَّهُ يَكُونُ وَصِيَّةً لِلثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ بِالرُّجُوعِ أَشْبَهُ.

وَالثَّالِثُ: وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَن الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِهَا بَاطِلَةٌ لَا تصح لواحد منها لِإِشْكَالِ حَالِهِمَا.

وَالرَّابِعُ: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وأبى حنيفة.

أَنَّهَا تَكُونُ وَصِيَّةً لَهُمَا فَتُجْعَلُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.

وَهَكَذَا لَوْ أَوْصَى بِهِ لِثَالِثٍ، جَعَلْنَاهُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا. وَلَوْ أَوْصَى بِهِ لِرَابِعٍ جَعَلْنَاهُ بَيْنَهُمْ أَرْبَاعًا.

وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ: ثَلَاثَةُ معاني:

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوصايا
فصل في ركن الوصية

عَنْ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ قَالَ: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ»

وَالْكِتَابُ الْعَزِيزُ قَدْ يُنْسَخُ بِالسُّنَّةِ فَإِنْ قِيلَ إنَّمَا يُنْسَخُ الْكِتَابَ عِنْدَكُمْ بِالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ، وَهَذَا مِنْ الْآحَادِ، فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُتَوَاتِرٌ غَيْرَ أَنَّ التَّوَاتُرَ ضَرْبَانِ: تَوَاتُرٌ مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةِ، وَهُوَ أَنْ يَرْوِيَهُ جَمَاعَةٌ لَا يُتَصَوَّرُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ، وَتَوَاتُرٌ مِنْ حَيْثُ ظُهُورِ الْعَمَلِ بِهِ قَرْنًا فَقَرْنًا مِنْ غَيْرِ ظُهُورِ الْمَنْعِ وَالنَّكِيرُ عَلَيْهِمْ فِي الْعَمَلِ بِهِ إلَّا أَنَّهُمْ مَا رَوَوْهُ عَلَى التَّوَاتُرِ؛ لِأَنَّ ظُهُورَ الْعَمَلِ بِهِ أَغْنَاهُمْ عَنْ رِوَايَتِهِ، وَقَدْ ظَهَرَ الْعَمَلُ بِهَذَا مَعَ ظُهُورِ الْقَوْلِ أَيْضًا مِنْ الْأَئِمَّةِ بِالْفَتْوَى بِهِ بِلَا تَنَازُعٍ مِنْهُمْ، وَمِثْلُهُ يُوجِبُ الْعَمَلَ قَطْعًا، فَيَجُوزُ نَسْخُ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ بِهِ كَمَا يَجُوزُ بِالْمُتَوَاتِرِ فِي الرِّوَايَةِ إلَّا أَنَّهُمَا يَفْتَرِقَانِ مِنْ وَجْهٍ، وَهُوَ أَنَّ جَاحِدَ الْمُتَوَاتِرِ فِي الرِّوَايَةِ يُكَفَّرُ وَجَاحِدَ الْمُتَوَاتِرِ فِي ظُهُورِ الْعَمَلِ لَا يُكَفَّرُ لِمَعْنَى عُرِفَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 438 - 441

ارجع إلى الإيصاء للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
اللهم صل على محمد