الإسلام > الأيمان والمواريث > الإيصاء > إيصاء وصي الموصي لغيره
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 13 دقيقة قراءةالأولُ: أنْ يَكونَ المالُ المُوصَى فيه قَليلًا عُرفًا، وقيلَ: كسِتِّينَ دِينارًا، فلا وَصيةَ لها في نِكاحٍ ولا في كَثيرٍ.
الثاني: ألَّا يَكونَ للصَّغيرِ وَليٌّ من أَبٍ أو وَصيٍّ أو مُقدِّمٍ قاضٍ؛ إذْ لا وَصيةَ لها عندَ وُجودِ واحِدٍ منهم.
الثالِثُ: أنْ يَكونَ المالُ مَوروثًا عن الأُمِّ لا عن غيرِها، بأنْ كانَ المالُ لها وماتَتَ عنه، أمَّا لو كانَ المالُ للوَلدِ من غيرِها كأَبيه أو مِنْ هِبةٍ فليس لها الإِيصاءُ، بل تُرفعُ للحاكِمِ.
فإنْ فقَدَت بعضَها وأَوصَت وتَصرفَ وَصيُّها فتَصرفُه غيرُ نافِذٍ، وللصَّبيِّ إذا رشَدَ أو الحاكِمُ رَدُّه ما لم يُنفِقْه عليه في الأُمورِ الضَّروريةِ بالمَعروفِ.
وأمَّا لو وهَبَت مالًا لأَولادِها الصِّغارِ أو تصَدَّقت به عليهم فلها أنْ تَجعلَ ناظِرًا على ذلك مَنْ شاءَت، سَواءٌ كانَ المالُ قَليلًا أو كَثيرًا، ولو كانَ للأَولادِ أبٌ أو وَصيٌّ (١).
إِيصاءُ وَصيِّ المُوصي لغَيرِه:
ذهَبَ أكثَرُ أهلِ العِلمِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في الأظهَرِ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الوَصيَّ إذا أَوصَى إلى رَجلٍ وأذِنَ له في الإِيصاءِ لمَن شاءَ نَحوَ أنْ يَقولَ: «أذِنتُ لكَ إلى أنْ تُوصيَ إلى مَنْ شِئتَ»، أو: «كلُّ مَنْ
(١) «التاج والإكليل» (٥/ ٤٧١)، و «شرح مختصر خليل» (٨/ ١٩٢)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٥٣٢)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٥٨٠)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (١١/ ٤١، ٤٢).
أَوصَيتَ أنت إليه فقد أَوصَيت أنا إليه»، أو «كلُّ مَنْ أَوصَيتَ أنتَ إليه فهو وَصيِّي»، صَحَّ، وبه قالَ أكثَرُ أهلِ العِلمِ؛ لأنَّه مَأذونٌ له في الإِذنِ في التَّصرفِ، فجازَ له أنْ يَأذنَ لغيرِه كالوَكيلِ إذا أمرَ بالتَّوكيلِ، ولأنَّ المُوصيَ رَضيَ رأيَه ورأيَ مَنْ يَراه، ولأنَّه تَصرفٌ مَأذونٌ فيه فكانَ كغيرِه من التَّصرفاتِ.
وذهَبَ الشافِعيةُ في مُقابلِ الأظهَرِ إلى أنَّه لا يَجوزُ له أنْ يُوصيَ لبُطلانِ إِذنِه بالمَوتِ، ولأنَّه يَلي بتَولِّيه، فلا يَصحُّ أنْ يُوصيَ كالوَكيلِ.
وإذا نَهاه عن الإِيصاءِ إلى غيرِه لا يَصحُّ أنْ يُوصيَ قَولًا واحِدًا.
إلا أنَّ العُلماءَ اختلَفوا فيما لو وَصَّى إليه وأطلَقَ فلم يَأذَنْ له ولم يَنهَه، هل يَجوزُ له أنْ يُوصيَ إلى غيرِه أو لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّه يَجوزُ للوَصيِّ أنْ يُوصيَ إلى غيرِه إذا لم يَمنَعْه المُوصي من ذلك، وليسَ للوَرثةِ في ذلك مَقالٌ، ويَقومُ وَصيُّه مَقامَه في كلِّ ما كانَ إليه من وَصيةٍ أو غيرِها إذا أَوصَى بذلك؛ لأنَّ الأبَ أَقامَه مَقامَ نَفسِه فكانَ له الوَصيةُ كالأَبِ، ويَكونُ الوَصيُّ الثاني وَصيًّا للمَيتِ الأولِ ولوَصيِّه؛ لأنَّ الوَصيَّ يَستحِقُّ التَّصرفَ في المالِ بنَفسِ الوَصيةِ وإنْ لم يُشتَرطْ ذلك له في عَقدِ الوَصيةِ، وحينئِذٍ لا يُشتَرطُ جَوازُ أمرِه فصارَ لَفظُ الوَصيةِ مُقتَضيًا لجَوازِ أمرِه فيه كالوَكالةِ إذا شُرطَ فيها ذلك، فيَجوزُ للوَصيِّ أنْ يُقيمَ وَصيًّا مَكانَه وإنْ لم يَشرُطْ له، كما يَتصرفُ بسائِرِ وُجوهِ التَّصرفِ وإنْ لم يُشرَطْ له، وكما يُوكَّلُ الوَكيلُ إذا شُرطَ له جَوازُ أمرِه.
ولأنَّه فُوِّض إليه مُطلَقًا، ولأنَّه ههنا مَيتٌ عَديمُ النَّظرِ، فلو لم يَثبُتْ نَظرُ المُوصَى من قِبَلِه لضاعَت المَصالحُ، وله أنْ يُقدَّمَ في مَصالحِه عُمومًا، فتَكونَ له النِّيابةُ كالإِمامِ، بل ههنا أوْلى؛ لأنَّه مُوصًى من جِهةِ المُوصي.
ولأنَّ الوَصيَّ قد ملَكَ من النَّظرِ بالوَصيةِ مِثلَما ملَكَ الجَدُّ من النَّظرِ بنَفسِه، فلمَّا جازَ للجَدِّ أنْ يُوصيَ بما إليه من النَّظرِ جازَ للوَصيِّ أنْ يُوصيَ إليه بما إليه من النَّظرِ.
ولأنَّ وِلايةَ الوَصيِّ عامةٌ في حَقِّ المُوصي، كما أنَّ وِلايةَ الإِمامِ عامَّةٌ في حُقوقِ الأُمةِ، فلمَّا كانَ للإِمامِ أنْ يَستخلِفَ بعدَه مَنْ يَقومُ مَقامَه جازَ للوَصيِّ أنْ يَستخلِفَ بعدَه مَنْ يَقومُ مَقامَه (١).
قالَ ابنُ رُشدٍ: للوَصيِّ أنْ يُوصيَ بما أُوصِيَ به إليه في حَياتِه وبعدَ وَفاتِه، لا خِلافَ أحفَظُه في ذلك. انتَهى (٢).
قالَ الحَطابُ: وفي ابنِ سَلمونٍ ناقِلًا عن مَسائلِ ابنِ الحاجِّ قالَ: إذا أَرادَ الوَصيُّ أنْ يَتبرَّأَ من الإِيصاءِ إلى رَجلٍ آخَرَ بعدَ أنْ ألزَمَه فليس له ذلك إلا لعُذرٍ بيِّنٍ، وله فِعلُ ذلك عندَ حُضورِ مَوتِه؛ لأنَّه من أبيَنِ العُذرِ.
(١) «مختصر اختلاف العُلماء» (٥/ ٧٤، ٧٥)، و «الكافي لابن عبد البر» ص (٥٤٨)، و «البيان والتحصيل» (٨/ ٢١١)، و «الذخيرة» (٧/ ١٦٧)، و «مواهب الجليل» (٨/ ٣٩٤)، و «شرح مختصر خليل» (٨/ ١٩٢)، و «حاشية العدوي» (٢/ ٤٧٩)، و «البهجة في شرح التحفة» (١/ ٣٢٩).
(٢) «البيان والتحصيل» (٨/ ٢١١).
قالَ في مُختصَرِ «المُتَيطية» وللوَصيِّ أنْ يُوصيَ عندَ المَوتِ بما جُعلَ إليه إلى مَنْ شاءَ إنْ كانَ مُنفرِدًا بالنَّظرِ، ويَكونُ وَصيُّ الوَصيِّ كالوَصيِّ.
وإنْ أَرادَ الوَصيُّ في حَياتِه أنْ يَجعلَ ما بيَدِه إلى غيرِه لم يَكنْ له ذلك، وإنَّما له أنْ يُوكِّلَ مَنْ يَنظرُ بأمرِه، قالَه ابنُ العَطارِ وغيرُه.
وقالَ ابنُ زَربٍ: له ذلك، قيلَ: فإنْ أَرادَ أنْ يَعودَ في نَظرِه؟ قالَ: ليسَ له ذلك؛ لأنَّه قد تَخلَّى عنه. اه.
وفي مَسائلِ الوَصايا مِنْ البُرزُليِّ: وسألَ ابنُ دَحونٍ ابنَ زَربٍ عن الوَصيِّ يَتخلَّى عن النَّظرِ إلى رَجلٍ آخَرَ، قالَ: ذلك جائِزٌ، ويَتنزَّلُ مَنزلتَه.
قيل له: فلو أَرادَ العَودَ في نَظرِه؟ قالَ: ليسَ له ذلك، وقد تَخلَّى منه إلى الذي وَكَّلَ. انتَهى (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه ليسَ لوَصيِّ الأَبِ أنْ يُوصيَ، بل له أنْ يَتصرَّفَ ما عاشَ وليسَ له أنْ يُوصيَ إلى غيرِه؛ لأنَّه تَصرفٌ بتَوليةٍ فلم يَكنْ له ذلك التَّفويضُ كالوَكيلِ، ويُخالِفُ الأَبَ؛ لأنَّه يَلي بغيرِ تَوليةٍ.
ولأنَّ مَنْ كانَت نيابَتُه عن عَقدٍ بطَلَ بالمَوتِ كالوَكيلِ، ولأنَّ استِنابَتَه حَيًّا أَقوى من استِنابَتِه مَيتًا، فلمَّا لم يَصحَّ منه إِبدالُ نَفسِه بغيرِه في الحَياةِ، فأوْلى ألَّا يَصحَّ منه إِبدالُ نَفسِه بغيرِه بعدَ الوَفاةِ (٢).
(١) «مواهب الجليل» (٨/ ٤١٦).
(٢) «الحاوي الكبير» (٨/ ٣٣٩، ٣٤٠)، و «المهذب» (١/ ٤٦٤)، و «البيان» (٨/ ٣١٠، ٣١١)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٥٦٦)، و «مغني المحتاج» (٤/ ١٢٥، ١٢٦)، و «المغني» (٦/ ١٤٦)، و «الإنصاف» (٧/ ٢٩٤)، و «المبدع» (٦/ ١٠٥)، و «كشاف القناع» (٤/ ٤٨٢، ٤٨٣)، و «منار السبيل» (٢/ ٣٩١).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الوصايا
٩٨٦ - مسألة؛ قال: (وإذا كان الوصى خائنا، جعل معه أمين)
أوْصَيْتُ إليك، فإذا كَبِرَ ابنى كان وَصِيِّى. صحَّ؛ لذلك ، فإذا كبرَ ابنُه صارَ وَصِيَّه. وعلى هذا لو قالَ: وَصَّيْتُ لك ، فإن تابَ ابنى عن فِسْقِه، أو قَدِمَ من غَيْبَتِه، أو صَحَّ مِن مَرَضِه، أو اشْتَغلَ بالعِلْمِ، أو صالَح أُمَّه، أو رَشدَ، فهو وَصيِّى. صحَّتِ الوَصيَّةُ إليه، ويَصِيرُ وَصِيًّا عندَ وُجودِ هذه الشُّروطِ.
٩٨٦ - مسألة؛ قال: (وإذَا كَانَ الوَصِىُّ خائِنًا، جُعِلَ مَعَهُ أَمِينٌ)
ظاهرُ هذا صحةُ الوَصِيَّةِ إلى الفاسقِ، ويُضمُّ إليه أمينٌ. وكذلك إن كان عَدْلًا فتغيَّرت حالُه إلى الْخِيانةِ لم يَخْرُجْ منها، ويُضَمُّ إليه أمِينٌ. ونقلَ ابنُ منصورٍ عن أحمدَ نحوَ ذلك. قال: إذا كانَ الوَصِيُّ متهمًا، لم يَخْرُجْ من يَدِه. ونقلَ المَرُّوذِىُّ، عن أحمدَ، في مَن أوْصَى لرَجُلَيْن، ليس أحدُهما بمَوضِعٍ للوَصيَّةِ ، فقال للآخَرِ : أعْطِنى. لا يُعْطِيه شيئًا، ليس هذا بمَوْضِعٍ للوَصِيَّةِ. فقيلَ له: أليس المريضُ قد رَضىَ به؟ فقالَ: وإن رَضِىَ به. فظاهرُ هذا إبطالُ الوَصِيَّةِ إليه. وحمَلَ القاضي كلامَ الخِرَقِىِّ وكلامَ أحمدَ في إبْقائِه في الوَصِيَّةِ، على أنَّ خِيَانتَه طَرَأَتْ بعدَ الموتِ، فأمَّا إن كانتْ خِيانتُه مَوْجودةً حالَ الوَصِيَّةِ إليه، لم تَصِحَّ؛ لأنَّه لا يجوزُ تَوْلِيَةُ الخائِنِ على يَتِيمٍ في حياتِه، فكذلك بعد مَوْتِه، ولأنَّ الوَصيَّةَ ولايةٌ وأمانةٌ، والفاسِقُ ليس من أهلِهما. فعلى هذا، إذا كانَ الوَصِىُّ فاسِقًا، فحُكْمُه حُكْمُ مَن لا وَصِىَّ له، ويَنْظُرُ في مالِه الحاكمُ. وإن طرأَ فِسْقُه بعدَ الوَصِيَّةِ، زالتْ وِلايتُه، وأقامَ الحاكمُ مُقامَه أمِينًا. هذا اختيارُ القاضي. وهو قولُ الثوريِّ، والشافعىِّ، وإسحاقَ. وعلى قولِ الْخِرَقِىِّ:
ارجع إلى الإيصاء للاطلاع على جميع المسائل.