الركن الثاني: الموصي

الإسلام > الأيمان والمواريث > الإيصاء > الركن الثاني: الموصي

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 17 دقيقة قراءة

الركن الثاني: الموصي - الأقوال والأدلة

الرُّكنُ الثاني: المُوصي:

المُوصي هو: مَنْ يَصدُرُ منه أمرٌ لغيرِه بالتَّصرفِ في أُمورِه أو أُمورِ أَولادِه بعدَ مَوتِه.

وقد اشتَرطَ الفُقهاءُ لصِحةِ وِصايتِه شُروطًا.

الشَّرطُ الأولُ: أنْ يَكونَ مُكلَّفًا: (أي: عاقِلاً بالِغًا):

لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّه يُشتَرطُ في المُوصي أنْ يَكونَ عاقِلًا، فلا تَصحُّ الوِصايةُ من المَجنونِ؛ لأنَّه مَحجورٌ ومُولًّى عليه، فلا يَصحُّ أنْ يُولِّي على غيرِه، ولأنَّه لا عِبرةَ بكَلامِه.

وأمَّا الصَّبيُّ غيرُ المُميِّزِ فلا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ أيضًا على أنَّه لا يَصحُّ إِيصاؤُه؛ إذْ لا عِبرةَ له، ولأنَّه مُولًّى عليه، فلا يَصحُّ أنْ يُولِّي على غيرِه.

وكذا لا تَصحُّ من الصَّبيِّ المُميِّزِ عندَ عامةِ الفُقهاءِ؛ لأنَّه مُولًّى عليه، فلا يُولِّي على غيرِه، وقد تقدَّمَ كلُّ ذلك مُفصَّلًا فلا أُطيلُ في ذِكرِه.

الشَّرطُ الثاني: الرُّشدُ:

نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ في الصَّحيحِ عندَهم على صِحةِ وَصيةِ السَّفيهِ إذا أَوصَى بمالٍ بعدَ مَوتِه كما تقدَّمَ.

إلا أنَّهم اختلَفوا فيما لو كانَت الوَصيةُ مُتعلِّقةً بنَفاذِ شَيءٍ بعدَ مَوتِه أو في أُمورِ أَولادِه الصِّغارِ أو المَجانينِ أو المَحجورِ عليهم بسَفهٍ، هل يُشتَرطُ في الأبِ أنْ يَكونَ رَشيدًا أو يَصحُّ الإِيصاءُ من السَّفيهِ؟

فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابِلةُ على خِلافٍ في النَّقلِ عندَهم إلى أنَّ الوَصيةَ إذا كانَت مُتعلِّقةً بأُمورِ الأَطفالِ والمَجانينِ وكذا بالسُّفهاءِ الذين بلَغوا كذلك فيُشتَرطُ في المُوصي -الأَبِ أو غيرِه على الاختِلافِ فيه- أنْ يَكونَ رَشيدًا، فلا تَصحُّ وَصيةُ السَّفيهِ.

قالَ المالِكيةُ: إنَّما يُوصي على المَحجورِ عليه -وهو الصَّغيرُ والسَّفيهُ- أَبٌ، لكنْ بشَرطِ أنْ يَكونَ هذا الأَبُ رَشيدًا، أمَّا الأَبُ المَحجورُ عليه فإنَّه لا يُوصي عليه؛ إذْ لا نظَرَ له عليه، وكذا لو بلَغَ الصَّبيُّ رَشيدًا ثم حصَلَ له السَّفهُ، فليس للأَبِ الإِيصاءُ عليه، وإنَّما الناظِرُ له هو الحاكِمُ (١).

وأمَّا الحَنابِلةُ فقالَ البَعليُّ: وتَصحُّ الوَصيةُ من السَّفيهِ في أصَحِّ الوَجهَينِ، تَصحُّ وَصيةُ السَّفيهِ بالمالِ فأمَّا على الأَولادِ فلا تَصحُّ قَولًا واحِدًا؛ لأنَّه لا يَملكُ التَّصرفَ بنَفسِه فوَصيتُه أحَقُّ وأوْلى (٢).

قالَ المِرداويُّ: أمَّا وَصيتُه على أَولادِه فلا تَصحُّ قَولًا واحِدًا؛ لأنَّه لا يَملكُ التَّصرفَ بنَفسِه فوَصيتُه أحَقُّ وأوْلى، قالَه في «المطلع».

قُلتُ: ظاهِرُ كَلامِ كَثيرٍ من الأَصحابِ في بابِ المُوصَى إليه صِحةُ وَصيتِه بذلك، وهو أَولى بالصِّحةِ من الوَصيةِ بالمالِ.

(١) «مواهب الجليل» (٨/ ٣٩٦، ٣٩٧)، و «شرح مختصر خليل» (٨/ ١٩٢)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٥٣٢)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (١١/ ٤٠).
(٢) «المطلع» ص (٢٩٤).

والظاهِرُ أنَّ الذي حَداه إلى ذلك تَعليلُ الأَصحابِ بكَونِه مَحجورًا عليه في تَصرفاتِه، أو لكَونِه مُحتاجًا إلى الثَّوابِ، وتَصرفُه في هذه مَحضُ مَصلحةٍ من غيرِ ضَررٍ؛ لأنَّه إنْ عاشَ لم يَذهبْ من مالِه شَيءٌ، ولا يَلزمُ من ذلك أنَّ الوَصيةَ على أَولادِه لا تَصحُّ، اللَّهمَّ إلا أنْ يَكونَ في المَسألةِ نَقلٌ خاصٌّ (١).

وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في الصَّحيحِ من المَذهبِ إلى أنَّه لا يُشتَرطُ الرُّشدُ في المُوصي، فتَصحُّ الوَصيةُ من الأَبِ السَّفيهِ أو غيرِه ممَّن له وِلايةٌ على أَولادِه، ويَتعيَّنُ من عيَّنَه السَّفيهُ.

قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ: وكَلامُه -أي: النَّوويِّ تَبَعًا للرافِعيِّ- يُفهِمُ أنَّ السَّفيهَ إذا صَحَّحنا وَصيتَه بالمالِ -وهو الأصَحُّ- أنَّ له تَعيينَ شَخصٍ لتَنفيذِها.

قالَ السُّبكيُّ: ولم أرَ فيه إلا ما اقتَضاه هذا الكَلامُ، وهو مُحتمَلٌ، ومَنعُه أيضًا مُحتمَلٌ، فيليه الحاكِمُ أو وَليُّه. اه.

ويُقوِّي الاحتِمالَ الثانِيَ قَولُ ابنِ الرِّفعةِ: يَنبَغي إِضافةُ الرُّشدِ إلى الشَّرطَينِ المَذكورَينِ (٢).

وقالَ الدَّميريُّ: قالَ الشَّيخُ: الأَبُ السَّفيهُ ليسَ له أنْ يُوصيَ؛ لأنَّه لا وِلايةَ له على وَلدِه، وهذا لا شَكَّ فيه، وليسَ خاصًّا بالطِّفلِ، بل المَجنونُ كذلك، وكذلك السَّفيهُ حيثُ كانَت الوِلايةُ عليه للأبِ (٣).

(١) «الإنصاف» (٧/ ١٨٥).
(٢) «مغني المحتاج» (٤/ ١٢٥).
(٣) «النجم الوهاج» (٦/ ٣٣٠)، و «تحفة المحتاج مع حواشي الشرواني» (٨/ ٢٧٩)، و «نهاية المحتاج» (٦/ ١١٩)، ويُنظَر: «الحجر على السفيه في كتاب الحجر من كتابنا هذا، ويُنظَر: «المبسوط» (٢٤/ ١٦١، ١٦٢)، و «بدائع الصنائع» (٧/ ١٧١)، و «الاختيار» (٢/ ١١٥، ١١٦)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٢٤٤، ٢٤٦)، و «اللباب» (١/ ٤٤٤، ٤٤٥)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ٤١٠)، و «الهداية» (٣/ ٢٨٢)، و «تبيين الحقائق» (٥/ ١٩٥)، و «البحر الرائق» (٨/ ٩١)، و «مجمع الضمانات» (٢/ ٨٩٩).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوصايا
فصل في ركن الوصية

عَنْ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ قَالَ: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ»

وَالْكِتَابُ الْعَزِيزُ قَدْ يُنْسَخُ بِالسُّنَّةِ فَإِنْ قِيلَ إنَّمَا يُنْسَخُ الْكِتَابَ عِنْدَكُمْ بِالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ، وَهَذَا مِنْ الْآحَادِ، فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُتَوَاتِرٌ غَيْرَ أَنَّ التَّوَاتُرَ ضَرْبَانِ: تَوَاتُرٌ مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةِ، وَهُوَ أَنْ يَرْوِيَهُ جَمَاعَةٌ لَا يُتَصَوَّرُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ، وَتَوَاتُرٌ مِنْ حَيْثُ ظُهُورِ الْعَمَلِ بِهِ قَرْنًا فَقَرْنًا مِنْ غَيْرِ ظُهُورِ الْمَنْعِ وَالنَّكِيرُ عَلَيْهِمْ فِي الْعَمَلِ بِهِ إلَّا أَنَّهُمْ مَا رَوَوْهُ عَلَى التَّوَاتُرِ؛ لِأَنَّ ظُهُورَ الْعَمَلِ بِهِ أَغْنَاهُمْ عَنْ رِوَايَتِهِ، وَقَدْ ظَهَرَ الْعَمَلُ بِهَذَا مَعَ ظُهُورِ الْقَوْلِ أَيْضًا مِنْ الْأَئِمَّةِ بِالْفَتْوَى بِهِ بِلَا تَنَازُعٍ مِنْهُمْ، وَمِثْلُهُ يُوجِبُ الْعَمَلَ قَطْعًا، فَيَجُوزُ نَسْخُ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ بِهِ كَمَا يَجُوزُ بِالْمُتَوَاتِرِ فِي الرِّوَايَةِ إلَّا أَنَّهُمَا يَفْتَرِقَانِ مِنْ وَجْهٍ، وَهُوَ أَنَّ جَاحِدَ الْمُتَوَاتِرِ فِي الرِّوَايَةِ يُكَفَّرُ وَجَاحِدَ الْمُتَوَاتِرِ فِي ظُهُورِ الْعَمَلِ لَا يُكَفَّرُ لِمَعْنَى عُرِفَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ.

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الوصايا
القسم الثاني القول في أحكام الوصايا

عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ.

وَثَبَتَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ غَضَّ النَّاسُ فِي الْوَصِيَّةِ مِنَ الثُّلُثِ إِلَى الرُّبْعِ لَكَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ» .

وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي جَوَازِ الْوَصِيَّةِ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ لِمَنْ لَا وَارِثَ لَهُ، فَإِنَّ مَالِكًا لَا يُجِيزُ ذَلِكَ وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ أَحْمَدَ، وَأَجَازَ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَإِسْحَاقُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ.

وَسَبَبُ الْخِلَافِ هَلْ هَذَا الْحُكْمُ خَاصٌّ بِالْعِلَّةِ الَّتِي عَلَّلَهُ بِهَا الشَّارِعُ أَمْ لَيْسَ بِخَاصٍّ، وَهُوَ أَنْ لَا يَتْرُكَ وَرَثَتَهُ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، كَمَا قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ» فَمَنْ جَعَلَ هَذَا السَّبَبَ خَاصًّا وَجَبَ أَنْ يَرْتَفِعَ الْحُكْمُ بِارْتِفَاعِ هَذِهِ الْعِلَّةِ، وَمَنْ جَعَلَ الْحُكْمَ عِبَادَةً وَإِنْ كَانَ قَدْ عَلَّلَ بِعِلَّةٍ، أَوْ جَعَلَ جَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ فِي هَذَا الْمَعْنَى بِمَنْزِلَةِ الْوَرَثَةِ، قَالَ: لَا تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ بِإِطْلَاقٍ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ.

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الأيمان
باب جامع الأيمان الثاني

باب جامع الأيمان الثاني

(مسألة:)

قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَإِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الرُّؤُوسَ فَأَكَلَ رُؤُوسَ الْحِيتَانِ أَوْ رُؤُوسَ الطَّيْرِ أَوْ رُؤُوسَ شيءٍ يُخَالِفُ رُؤُوسَ الْغَنَمِ وَالِإِبِلِ وَالْبَقَرِ لَمْ يَحْنَثْ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الَّذِي يَعْرِفُ النَّاسُ إِذَا خُوطِبُوا بِأَكْلِ الرُّؤُوسِ إِنَّمَا هِيَ مَا وَصَفْنَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ بلادٌ لَهَا صيدٌ يَكْثُرُ كَمَا يَكْثُرُ لَحْمُ الأنعام في السوق وتميز رُؤُوسُهَا فَيَحْنَثُ فِي رُؤُوسِهَا " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَخْلُو حَالُ إِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الرُّؤُوسَ. مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:

أَحَدُهَا: أَنْ يُرِيدَ عُمُومَ الرُّؤُوسِ كُلِّهَا مِمَّا انْطَلَقَ اسْمُ الرَّأْسِ عَلَيْهِ فَيَحْنَثُ بِأَكْلِ كُلِّ مَا سُمِّيَ رَأْسًا مِمَّا يُفْصَلُ مِنْ أَبْدَانِهَا، كَرُؤُوسِ الْغَنَمِ أَوْ لَا يُفْصَلُ كَرُؤُوسِ الطَّيْرِ، وَالْحِيتَانِ، اعْتِبَارًا بِمُرَادِهِ فِيمَا انْطَلَقَ عَلَيْهِ حَقِيقَةُ الِاسْمِ.

وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يُرِيدَ تَخْصِيصَ نَوْعٍ مِنَ الرُّؤُوسِ بِعَيْنِهَا دُونَ مَا عَدَاهَا، فَيَحْنَثُ بِأَكْلِهَا وَحْدَهَا، سَوَاءٌ انْفَصَلَ فِي الْعُرْفِ أَوْ لَمْ يَنْفَصِلْ. وَلَا يَحْنَثْ بِأَكْلِ مَا عَدَاهَا، اعْتِبَارًا بِمُرَادِهِ فِي التَّخْصِيصِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 392 - 394

ارجع إلى الإيصاء للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
اللهم صل على محمد