الركن الرابع: الصيغة

الإسلام > الأيمان والمواريث > الإيصاء > الركن الرابع: الصيغة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 8 دقيقة قراءة

الركن الرابع: الصيغة - الأقوال والأدلة

الرُّكنُ الرابِعُ: الصِّيغةُ:

الصِّيغةُ هي الرُّكنُ الرابِعُ من أَركانِ الإِيصاءِ، وهي الإِيجابُ والقَبولُ، والفُقهاءُ مُتَّفِقون في الجُملةِ على أنَّ الإِيصاءَ لا يَصحُّ إلا بالإِيجابِ والقَبولِ.

أولاً: الإِيجابُ:

نَصَّ عامَّةُ الفُقهاءِ على أنَّ الإِيجابَ يَحصُلُ بكلِّ لَفظٍ يَدلُّ على مَعناه، ك «أَوصَيت له بكذا، أو هو وَصيِّي» أو ما يَقومُ مَقامَ ذلك في الدِّلالةِ على تَفويضِه الأمرَ إليه بعدَ مَوتِه.

قالَ الحَنفيةُ: الصِّيغةُ أنْ يَقولَ: «أَوصَيتُ بكذا لفُلانٍ»، وما يَجري مَجراه من الأَلفاظِ المُستَعمَلةِ فيها (١).

قالَ الحَنفيةُ: الإِيصاءُ يَحصُلُ بكلِّ لَفظٍ يَدلُّ عليه، فإذا قالَ: «أنتَ وَصيِّي، أو أنتَ وَصيِّي في مالِي، أو سلَّمتُ إليكَ الأَولادَ بعدَ مَوتي، أو تَعهَّدْ أَولادي بعدَ مَوتي، أو قُمْ بلَوازِمِهم بعدَ مَوتي» أو ما جَرى مَجرى هذه الأَلفاظِ، يَكونُ وَصيًّا، وكذا إذا قالَ: «أنتَ وَكيلي بعدَ مَوتي» يَكونُ وَصيًّا، و «أنت وَصيِّي في حَياتي» يَكونُ وَكيلًا؛ لأنَّ كلًّا منهما إِقامةٌ للغيرِ مَقامَ نَفسِه فيَنعقِدُ كلٌّ منهما بعِبارةِ الآخَرِ.

وكذا إذا قالَ: «افعَلوا كذا بعدَ مَوتي» فالكلُّ أَوصياءُ، ولو سَكَتوا حتى ماتَ فقبِلَ منهم اثنان أو أكثَرُ فهُم أَوصياءُ، ولو قبِلَ واحِدٌ لم يَتصرَّفْ حتى

(١) «العناية» (١٦/ ٥٥)، و «الدر المختار» (٦/ ٦٥٠)، و «الهندية» (٦/ ٩٠).

يُقيمَ القاضي معه غيرَه أو يُطلِقَ له التَّصرفَ؛ لأنَّه صارَ كأنَّه أَوصَى إلى رَجلَينِ فلا يَنفرِدُ أَحدُهما (١).

وقالَ المالِكيةُ: الصِّيغةُ: وهي أنْ يَقولَ: «أَوصَيتُ إليكَ»، أو ما يَقومُ مَقامَ ذلك في الدِّلالةِ على تَفويضِه الأمرَ إليه بعدَ مَوتِه، كقَولِه: «فَوَّضتُ إليكَ أمرَ أَموالي وأَولادِي، وأسنَدتُ أمرَهم إليكَ وأقَمتُك فيهم مَقامي»، أو ما يُشبهُ ذلك ممَّا يَدلُّ على التَّفويضِ إليه (٢).

وقالَ الشافِعيةُ: ولَفظُه -أي: الإِيجابِ- في الإِيصاءِ من ناطِقٍ: «أَوصَيتُ إليكَ أو فَوَّضتُ إليكَ أو أقَمتُك مَقامي أو أنزَلتُك مَنزِلتِي في أمرِ أَولادِي بعدَ مَوتي أو في قَضاءِ دَيني» أو نَحوُه، أو «جعَلتُك وَصيًّا أو وَلَّيتُك أو أنَبتُك»، ولا بُدَّ من لَفظِ (بَعدَ مَوتي) فيما عَدا (أَوصَيتُ) ليَكونَ من الصَّرائحِ، فإنْ لم يَذكُرْه فهو كِناياتٌ، وتَكفي إِشارةُ الأَخرسِ المُفهِمةُ وكِتابَتُه، وكذا الناطِقُ إذا قُرئَ عليه كِتابُ الوَصيةِ فسكَتَ وأَشارَ برأسِه: أي: نَعَمْ، ولا يَكفي من غيرِ قِراءةٍ.

وهل تَنعقِدُ الوِصايةُ بلَفظِ الوِلايةِ ك «وَلَّيتُك بعدَ مَوتي»، كما تَنعقِدُ ب «أَوصَيتُ إليكَ»؟ وَجهانِ عندَ الشافِعيةِ، أَحدُهما: أنَّها تَنعقِدُ بهما، والثاني:

(١) «حاشية ابن عابدين» (٦/ ٧٠٠).
(٢) «عقد الجواهر الثمينة» (٣/ ١٢٣٥)، و «التاج والإكليل» (٥/ ٤٦٩)، و «مواهب الجليل» (٨/ ٣٨٤)، و «شرح مختصر خليل» (٨/ ١٩١)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٥٣٠، ٥٣١)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٥٧٩).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوصايا
فصل في ركن الوصية

عَنْ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ قَالَ: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ»

وَالْكِتَابُ الْعَزِيزُ قَدْ يُنْسَخُ بِالسُّنَّةِ فَإِنْ قِيلَ إنَّمَا يُنْسَخُ الْكِتَابَ عِنْدَكُمْ بِالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ، وَهَذَا مِنْ الْآحَادِ، فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُتَوَاتِرٌ غَيْرَ أَنَّ التَّوَاتُرَ ضَرْبَانِ: تَوَاتُرٌ مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةِ، وَهُوَ أَنْ يَرْوِيَهُ جَمَاعَةٌ لَا يُتَصَوَّرُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ، وَتَوَاتُرٌ مِنْ حَيْثُ ظُهُورِ الْعَمَلِ بِهِ قَرْنًا فَقَرْنًا مِنْ غَيْرِ ظُهُورِ الْمَنْعِ وَالنَّكِيرُ عَلَيْهِمْ فِي الْعَمَلِ بِهِ إلَّا أَنَّهُمْ مَا رَوَوْهُ عَلَى التَّوَاتُرِ؛ لِأَنَّ ظُهُورَ الْعَمَلِ بِهِ أَغْنَاهُمْ عَنْ رِوَايَتِهِ، وَقَدْ ظَهَرَ الْعَمَلُ بِهَذَا مَعَ ظُهُورِ الْقَوْلِ أَيْضًا مِنْ الْأَئِمَّةِ بِالْفَتْوَى بِهِ بِلَا تَنَازُعٍ مِنْهُمْ، وَمِثْلُهُ يُوجِبُ الْعَمَلَ قَطْعًا، فَيَجُوزُ نَسْخُ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ بِهِ كَمَا يَجُوزُ بِالْمُتَوَاتِرِ فِي الرِّوَايَةِ إلَّا أَنَّهُمَا يَفْتَرِقَانِ مِنْ وَجْهٍ، وَهُوَ أَنَّ جَاحِدَ الْمُتَوَاتِرِ فِي الرِّوَايَةِ يُكَفَّرُ وَجَاحِدَ الْمُتَوَاتِرِ فِي ظُهُورِ الْعَمَلِ لَا يُكَفَّرُ لِمَعْنَى عُرِفَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 434 - 435

ارجع إلى الإيصاء للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله