الوصية من كافر إلى كافر

الإسلام > الأيمان والمواريث > الإيصاء > الوصية من كافر إلى كافر

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 12 دقيقة قراءة

الوصية من كافر إلى كافر - الأقوال والأدلة

دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ [آل عمران: ١١٨]، وهذه الآيةُ كتَبَ بها عُمرُ إلى أَبي موسى رضي الله عنهما حينَ اتَّخذَ كاتِبًا نَصرانيًّا، وقالَ أَبو حَنيفةَ: الوَصيةُ إليه مَوقوفةٌ على فَسخِ الحاكِمِ، فإنْ تَصرفَ قبلَ أنْ يَفسخَها الحاكِمُ عليه كانَ تَصرُّفُه نافِذًا، وهذا فاسِدٌ؛ لأنَّه لا يَخلو أنْ تَكونَ الوَصيةُ إليه جائِزةً فلا يَجوزُ للحاكِمِ أنْ يَفسخَها عليه، أو تَكونَ باطِلةً فلا يَجوزُ فيها تَصرفُه، وإذا كانَ هكذا وجَبَ أنْ يَكونَ تَصرفُه فيما يَتعلَّقُ بعَقدٍ أو اجتِهادٍ مَردودًا، فأمَّا ما تَعيَّن من دَينٍ قَضاه أو وَصيةٍ بمُعيَّنٍ لمُعيَّنٍ دفَعَها فلا يَضمنُها؛ لوُصولِ ذلك إلى مُستحِقِّه، ولأنَّه لو أخَذَه مُستحِقُّه من غيرِ نائِبٍ أو وَسيطٍ صارَ إلى حَقِّه، وليسَ كالذي يَعقدُه من بَيعٍ أو يَجتهدُ فيه من تَفريقِ ثُلثٍ، بل ذلك كلُّه مَردودٌ، وهو لمَا دفَعَه من ذلك ضامِنٌ، فأمَّا وَصيةُ الكافِرِ إلى المُسلمِ فجائِزةٌ لظُهورِ أَمانتِه فيها (١).

الوَصيةُ من كافِرٍ إلى كافِرٍ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في الكافِرِ إذا أَوصَى لكافِرٍ عَدلٍ في دِينِه هل تَصحُّ الوَصيةُ أو لا؟

وإنْ وَصَّى كافِرٌ إلى كافِرٍ، فإنْ كانَ الكافِرُ غيرَ رَشيدٍ وغيرَ عَدلٍ في دِينِه لم تَصحَّ الوَصيةُ إليه؛ لأنَّ عَدمَ العَدالةِ في المُسلمِ تَمنعُ صِحةَ الوَصيةِ إليه، فالكافِرُ أوْلى، كما نَصَّ على ذلك الشافِعيةُ والحَنابِلةُ.

(١) «الحاوي الكبير» (٨/ ٣٣٠).

أمَّا إنْ كانَ الكافِرُ رَشيدًا عَدلًا في دِينِه فاختَلفَ الفُقهاءُ فيه.

فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في الأصَحِّ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الكافِرَ ولو حَربيًّا عندَ الشافِعيةِ والحَنابِلةِ إذا كانَ عَدلًا في دِينِه يَصحُّ أنْ يَكونَ وَصيًّا على كافِرٍ، أي: فيما يَتعلَّقُ بأَولادِه الكُفارِ؛ لأنَّه يَجوزُ أنْ يَكونَ وَليًّا للكافِرِ، فجازَ أنْ يَكونَ وَصيًّا له.

وفي مُقابلِ الأصَحِّ عندَ الشافِعيةِ والحَنابِلةِ في قَولٍ: لا تَصحُّ وَصيةُ الكافِرِ إلى الكافِرِ كما لا يَكونُ شاهِدًا له، ولأنَّه فاسِقٌ لم تَصحَّ الوَصيةُ إليه كفاسِقِ المُسلِمينَ.

وقالَ الشافِعيةُ في الصَّحيحِ عندَهم: تَصحُّ وَصيةُ النَّصرانيِّ إلى اليَهوديِّ ووَصيةُ اليَهوديِّ للنَّصرانِيِّ (١).

وأمَّا المالِكيةُ فقالَ القَرافيُّ: قالَ ابنُ يُونسَ: تَجوزُ وَصيةُ الذِّميِّ للذِّميِّ مِثلِه، قالَ مُحمدٌ: ولا يُوصي ذِميٌّ لحَربيٍّ ولو كانَ مُستأمَنًا، قالَه أشهَبُ، ولو أَوصَى الحَربيُّ للمُستأمَنِ جازَ؛ لأنَّه أفضَلُ منه، وتَجوزُ وَصيةُ الحَربيِّ والذِّميِّ للمُسلمِ (٢).

(١) «البيان» (٨/ ٣٠٣، ٣٠٤)، و «الحاوي الكبير» (٨/ ٣٣٠)، و «كنز الراغبين» (٣/ ٤٧٣)، و «النجم الوهاج» (٦/ ٣٢٦، ٣٢٧)، و «مغني المحتاج» (٤/ ١٢٣)، و «تحفة المحتاج» (٨/ ٢٧٥)، و «الديباج» (٣/ ١٠٠)، و «المغني» (٦/ ١٤٤)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٥٩٦)، و «كشاف القناع» (٤/ ٤٧٩)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٥٢٠)، و «منار السبيل» (٢/ ٣٨٩).
(٢) «الذخيرة» (٧/ ١٥٨، ١٥٩).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوصايا
فصل في شرائط ركن الوصية

حَيَاةِ الْمُوصِي، ثُمَّ أَرَادَ الْوَرَثَةُ أَنْ يُعْطُوهُ مِنْ الْأَوْلَادِ لَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ تَعَلَّقَتْ بِعَيْنٍ مُشَارٍ إلَيْهَا، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ الْمِلْكُ فِيهَا يَنْزِلُ فِي غَيْرِهَا، فَإِنْ دَفَعَ الْوَرَثَةُ إلَيْهِ جَارِيَةً مِنْ الْجَوَارِي لَمْ يَسْتَحِقَّ مَا وَلَدَتْ قَبْلَ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لَمْ تَكُنْ، وَجَبَتْ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِي الْوَصِيَّةِ إنَّمَا يُنْقَلُ بِالْمَوْتِ فَمَا حَدَثَ قَبْلَ الْمَوْتِ يَحْدُثُ عَلَى مِلْكِ الْمَيِّتِ، فَيَكُونُ لِلْوَرَثَةِ، وَمَا وَلَدَتْ بَعْدَ الْمَوْتِ فَهُوَ لِلْمُوصَى لَهُ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهَا بِالْمَوْتِ فَحَدَثَ الْوَلَدُ عَلَى مِلْكِهِ قَالَ: فَإِنْ مَاتَتْ الْأُمَّهَاتُ كُلُّهَا إلَّا وَاحِدَةً تَعَيَّنَتْ الْوَصِيَّةُ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مَنْ يُزَاحِمُهَا فِي تَعَلُّقِ الْوَصِيَّةِ فَتَعَيَّنَتْ ضَرُورَةُ انْتِفَاءِ الْمُزَاحِمِ، فَإِنْ مَاتَتْ الْأُمَّهَاتُ كُلُّهَا، وَقَدْ بَقِيَ لَهَا أَوْلَادٌ حَدَثَتْ بَعْدَ الْمَوْتِ، أَوْ أُحْرِقَ النَّخْلُ، وَبَقِيَ لَهَا ثَمَرٌ حَدَثَ بَعْدَ الْمَوْتِ فَعَلَى الْوَرَثَةِ أَنْ يَدْفَعُوا إلَيْهِ وَلَدَ جَارِيَةٍ، وَثَمَرَةَ نَخْلَةٍ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ كَانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِهَا فَيَظْهَرُ الِاسْتِحْقَاقُ فِي الْوَلَدِ الْحَادِثِ بَعْدَهُ، فَإِذَا هَلَكَتْ الْأُمُّ بَقِيَ الْحَقُّ فِي الْوَلَدِ عَلَى حَالِهِ، وَلَا يَظْهَرُ فِيمَا حَدَثَ قَبْلَ الْمَوْتِ، وَاَللَّهُ ﷾ ﷿ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ فِي شَرَائِطُ رُكْن الْوَصِيَّةِ

(فَصْلٌ) :

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الوصايا
باب ما يكون رجوعا في الوصية

باب ما يكون رجوعا في الوصية

مسألة:

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَإِذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِعَبْدٍ بِعَيْنِهِ ثُمَّ أَوْصَى بِهِ لِآخَرَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ لِلْمُوصِي الرُّجُوعَ فِي وَصِيَّتِهِ لِأَنَّهَا عَطِيَّةٌ لَمْ يَزُلْ عَنْهَا مِلْكُ مُعْطِيهَا فَأَشْبَهَتِ الْهِبَاتِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَإِنَّمَا لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ فِي عَطَايَا مَرَضِهِ لِزَوَالِ مِلْكِهِ.

ثُمَّ الرُّجُوعُ فِي الْوَصِيَّةِ يَكُونُ بِقَوْلٍ أَوْ دَلَالَةٍ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ.

وَإِذَا كَانَ حُكْمُ الْوَصِيَّةِ جَارِيًا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فَصُورَةُ مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ فِي رَجُلٍ أَوْصَى بِعَبْدِهِ لِزَيْدٍ ثُمَّ أَوْصَى بِهِ لعمرو فقد اختلف الناس في حكم ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ مَذَاهِبَ:

أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ دَاوُدَ أنه يكون وَصِيَّةً لِلْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ.

وَالثَّانِي: وهو مذهب الحسن وعطاء وطاوس أَنَّهُ يَكُونُ وَصِيَّةً لِلثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ بِالرُّجُوعِ أَشْبَهُ.

وَالثَّالِثُ: وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَن الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِهَا بَاطِلَةٌ لَا تصح لواحد منها لِإِشْكَالِ حَالِهِمَا.

وَالرَّابِعُ: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وأبى حنيفة.

أَنَّهَا تَكُونُ وَصِيَّةً لَهُمَا فَتُجْعَلُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.

وَهَكَذَا لَوْ أَوْصَى بِهِ لِثَالِثٍ، جَعَلْنَاهُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا. وَلَوْ أَوْصَى بِهِ لِرَابِعٍ جَعَلْنَاهُ بَيْنَهُمْ أَرْبَاعًا.

وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ: ثَلَاثَةُ معاني:

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 366 - 367

ارجع إلى الإيصاء للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
لا إله إلا الله