هل للوصي أن يدفع المال مضاربة؟

الإسلام > الأيمان والمواريث > الإيصاء > هل للوصي أن يدفع المال مضاربة؟

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 13 دقيقة قراءة

هل للوصي أن يدفع المال مضاربة؟ - الأقوال والأدلة

ولو ظهَرَ دَينٌ يَستغرِقُ التَّركةَ لم يَضمَنِ الوَصيُّ ما صرَفَه في الوَصيةِ، وكذا لو جهِلَه الوَصيُّ فتصَدَّق الوَصيُّ بجَميعِ الثُّلثِ هو أو حاكِمٌ ثم ثبَتَ ذلك لم يَضمَنِ الوَصيُّ ولا الحاكِمُ لرَبِّ الدَّينِ ولا للمُوصَى له بالثُّلثِ شَيئًا؛ لأنَّه مَعذورٌ بعَدمِ العِلمِ.

ومَن عليه دَينٌ لمَيتٍ وعلى المَيتِ دَينٌ فله أنْ يَقضيَ دَينَ المَيتِ إنْ لم يَخَفْ أنْ يَطلُبَه الوَرثةُ بما عليه، وأنكَروا الدَّينَ الذي على مَوروثِهم فلا يَقضيَه؛ لأنَّه لا يأمَنُ رُجوعَهم عليه، وإنْ لم يَخَفْ ذلك قضَى دَينَ المَيتِ الذي عليه بدَينِ المَيتِ الذي له؛ لمَا فيه من تَبرئةِ ذِمتِه وذِمةِ المَيتِ، ويَسقطُ عن ذِمتِه بقَدرِ ما يَقضي عن المَيتِ، كما لو دفَعَه إلى الوَصيِّ بقَضاءِ الدَّينِ فدفَعَه في دَينِ المَيتِ؛ إذْ لا فَرقَ بينَهما سِوى تَوسُّطِ الوَصيِّ بينَهما (١).

هل للوَصيِّ أنْ يَدفعَ المالَ مُضاربةً؟

نَصَّ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ على أنَّه يَجوزُ للوَصيِّ أنْ يَدفعَ مالَ الصَّغيرِ وكذا المَجنونُ والسَّفيهُ مُضارَبةً وشَركةً وبِضاعةً؛ لأنَّه قائِمٌ مَقامَ الأبِ، وللأبِ هذه التَّصرفاتُ، ولأنَّه مَأذونٌ له في تَنميةِ المالِ، وقد رُويَ: «اتَّجِروا في أَموالِ اليَتامى حتى لا تَأكُلَها الزَّكاةُ»، إلا أنَّ هذا ليسَ بواجِبٍ.

(١) «المغني» (٦/ ١٤٨، ١٤٩)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٥٩٣، ٥٩٤)، و «الفروع» (٤/ ٥٣٩، ٥٤٠)، و «الإنصاف» (٧/ ٢٩٦، ٢٩٧)، و «كشاف القناع» (٤/ ٤٨٥)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٥٢٤، ٥٢٥).

قالَ الإِمامُ الطَّحاويُّ: رُويَ عن عُمرَ «أنَّه دفَعَ مالَ يَتيمٍ مُضارَبةً»، وقالَ نافِعٌ: «كانَ ابنُ عُمرَ يَكونُ عندَه مالُ اليَتيمِ فربَّما أنفَقَ بعضَه وربَّما أعطَى منه مُضاربةً».

وقالَ القاسِمُ بنُ مُحمدٍ: «كانَت أَموالُنا عندَ عائِشةَ وكانَت تُبضِعُها في البَحرِ» ولا يُروى عن غيرِهم من الصَّحابةِ خِلافُهم، ولم يَختلِفوا على أنَّ للأَبِ أنْ يَتَّجرَ في مالِ الصَّغيرِ وكذلك وَصيُّه (١).

وقالَ الإِمامُ القُرطُبيُّ: تَواتَرت الآثارُ في دَفعِ مالِ اليَتيمِ مُضاربةً والتِّجارةِ فيه، وفي جَوازِ خَلطِ مالِه بمالِه دِلالةً على جَوازِ التَّصرفِ في مالِه بالبَيعِ والشِّراءِ إذا وافَقَ الصَّلاحَ، وعلى جَوازِ دَفعِه مُضاربةً إلى غيرِ ذلك (٢).

إلا أنَّهم اختلَفوا هل للوَصيِّ أنْ يأخُذَ المالَ يُضارِبُ به لنَفسِه على جُزءٍ من الرِّبحِ أو لا؟

فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ (٣) -وهو وَجهٌ للحَنابلةِ- إلى أنَّه يَجوزُ له أنْ يَعملَ لنَفسِه.

قالَ الحَنفيةُ: للوَصيِّ أنْ يَأخذَ مالَ الصَّغيرِ مُضاربةً؛ لأنَّها تِجارةٌ، لكنْ بشَرطِ الشَّهادةِ على ذلك نَفيًا للتُّهمةِ؛ إذْ ليسَ فيها تَملُّكُ مالِه، وعن مُحمدٍ:

(١) «مختصر اختلاف العُلماء» (٥/ ٧٣).
(٢) «تفسير القرطبي» (٣/ ٧٣)، ويُنظَر: «روضة الطالبين» (٤/ ٥٧٣)، و «القواعد» لابن رجب ص (١٤٥).
(٣) «مختصر اختلاف العُلماء» (٥/ ٧٢).

إذا لم يُشهِدْ فما عمِلَه للوَرثةِ؛ لأنَّه هو الظاهِرُ، فلا يُتركُ إلا بدَليلٍ، وهو الإِشهادُ، وليسَ له أنْ يُؤاجِرَ نَفسَه من اليَتيمِ؛ لأنَّ القيامَ بمَصالحِ اليَتيمِ واجِبٌ على الوَصيِّ فلا حاجةَ إلى استِئجارِه (١).

وقالَ ابنُ مُفلحٍ: وفيه وَجهٌ: يَجوزُ أنْ يأخُذَ مُضاربةً لنَفسِه؛ لأنَّه جازَ له أنْ يَدفعَه بذلك فجازَ له أخْذُه (٢).

وذهَبَ المالِكيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَجوزُ له أنْ يُضاربَ به بنَفسِه.

قالَ المالِكيةُ: ليسَ للوَصيِّ أنْ يَعملَ هو بنَفسِه في مالِ الصَّغيرِ بجُزءٍ من الرِّبحِ ولو كانَ ذلك الجُزءُ يُشبهُ قِراضَ مِثلِه لغيرِه؛ لأنَّه يَصيرُ كمُؤاجِرِ نَفسِه منه، وهو لا يَجوزُ له ذلك، والنَّهيُ للكَراهةِ، وقيلَ: إنْ عمِلَ فيه على جُزءٍ يُشبهُ قِراضَ غيرِه مَضى كشِرائِه شَيئًا لليَتيمِ.

فإنْ عمِلَ الوَصيُّ به مَجانًا قِراضًا أو بِضاعةً فلا نَهيَ، بل هو من المَعروفِ الذي يُقصدُ به وَجهُ اللهِ تَعالى، وحينَئذٍ فلا ضَمانَ عليه إذا تلِفَ (٣).

(١) «مختصر اختلاف العُلماء» (٥/ ٧٢)، و «المبشوط» (٢١/ ٩٩)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ٤٣٢)، و «الاختيار» (٥/ ٨٥)، و «البحر الرائق» (٨/ ٥٣٤)، و «مجمع الأنهر» (٤/ ٤٦٢، ٤٦٣).
(٢) «المبدع» (٤/ ٣٣٨).
(٣) «المدونة الكبرى» (١٤/ ٣١٤)، و «مواهب الجليل» (٨/ ٤١٠، ٤١١)، و «التاج والإكليل» (٥/ ٤٧٦)، و «شرح مختصر خليل» (٨/ ١٤٩)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٥٣٧)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٥٨٧).

وقالَ ابنُ قُدامةَ: لوَليِّ اليَتيمِ أنْ يُضاربَ بمالِه وأنْ يَدفعَه إلى مَنْ يُضارِبُ له به ويَجعلَ له نَصيبًا من الرِّبحِ أَبًا كانَ أو وَصيًّا أو حاكِمًا أو أَمينَ حاكِمٍ، وهو أَولى مِنْ تَركِه، وممَّن رأى ذلك ابنُ عُمرَ والنَّخعيُّ والحَسنُ بنُ صالِحٍ ومالِكٌ والشافِعيُّ وأَبو ثَورٍ وأَصحابُ الرأيِ، ويُروَى إِباحةُ التِّجارةِ به عن عُمرَ وعائِشةَ والضَّحاكِ، ولا نَعلمُ أحدًا كرِهَه إلا ما رُويَ عن الحَسنِ، ولعلَّه أَرادَ اجتِنابَ المُخاطرةِ به، ولأنَّ خزنَه أحفَظُ له، والذي عليه الجُمهورُ أوْلى؛ لمَا رَوى عبدُ اللهِ بنُ عَمرِو بنِ العاصِ أنَّ النَّبيَّ قالَ: «مَنْ وَليَ يَتيمًا له مالٌ فليتَّجِرْ له، ولا يَتْرُكْه حتى تَأكلَه الصَّدقةُ» ورُويَ ذلك عن عُمرَ بنِ الخَطابِ رضي الله عنه وهو أصَحُّ من المَرفوعِ.

ولأنَّ ذلك أحَظُّ للمُولَّى عليه لتَكونَ نَفقتُه من فاضِلِه ورِبحِه كما يَفعلُه البالِغونَ في أَموالِهم وأَموالِ مَنْ يَعزُّ عليهم من أَولادِهم، إلا أنَّه لا يَتَّجرُ إلا في المَواضعِ الآمِنةِ، ولا يَدفعُه إلا لأَمينٍ ولا يُغرِّرُ بمالِه.

وقد رُويَ عن عائِشةَ رضي الله عنها أنَّها أبضَعَت مالَ مُحمدِ بنِ أَبي بَكرٍ في البَحرِ، فيُحتمَلُ أنَّه كانَ في مَوضعٍ مَأمونٍ قَريبٍ من الساحِلِ ويُحتمَلُ أنَّها جعَلَته من ضَمانِه عليها إنْ هلَكَ غرِمَته.

فمَتى اتَّجرَ في المالِ بنَفسِه فالرِّبحُ كله لليَتيمِ، وأَجازَ الحَسنُ بنُ صالِحٍ وإِسحاقُ أنْ يَأخُذَه الوَصيُّ مُضاربةً لنَفسِه؛ لأنَّه جازَ أنْ يَدفعَه بذلك إلى غيرِه فجازَ أنْ يأخُذَ ذلك لنَفسِه.

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الوصايا
باب ما يجوز للوصي أن يصنعه في أموال اليتامى

بَابُ مَا يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَصْنَعَهُ فِي أموال اليتامى

مسألة:

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَيُخْرِجُ الْوَصِيُّ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ كُلَّ مَا لَزِمَهُ مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ وَجِنَايَتِهِ وَمَا لَا غناء به عَنْهُ مِنْ نَفَقَتِهِ وَكِسْوَتِهِ بِالْمَعْرُوفِ " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ وَلِيَّ الْيَتِيمِ مَنْدُوبٌ إِلَى الْقِيَامِ بمصالحه، قال تَعَالَى: {وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} الأنعام: ١٥٢ .

وَالَّذِي يَلْزَمُهُ فِي حَقِّ الْيَتِيمِ، أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ:

أَحَدُهَا: حِفْظُ أُصُولِ أَمْوَالِهِ.

والثاني: تمييز فُرُوعِهَا.

وَالثَّالِثُ: الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ.

وَالرَّابِعُ: إِخْرَاجُ مَا تَعَلَّقَ بِمَالِهِ مِنَ الْحُقُوقِ.

فَأَمَّا حِفْظُ الْأُصُولِ: فَيَكُونُ مِنْ وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: حِفْظُ الرِّقَابِ عَنْ أَنْ تَمْتَدَّ إِلَيْهَا يَدٌ، فَإِنْ فَرَّطَ، كَانَ لِمَا تَلِفَ مِنْهَا ضَامِنًا.

وَالثَّانِي: استيفاء الْعِمَارَةِ لِئَلَّا يُسْرِعَ إِلَيْهَا خَرَابٌ، فَإِنْ أَهْمَلَ عِمَارَتَهَا حَتَّى عَطِلَ ضِيَاعُهُ، وَتَهَدَّمَ عَقَارُهُ، نُظِرَ: فإن كان لإعوان مَا يُنْفِقُ عَلَيْهَا، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مَعَ وُجُودِ النَّفَقَةِ، فَقَدْ أَثِمَ وَفِي الضَّمَانِ وَجْهَانِ:

أَحَدُهُمَا: يَضْمَنُ وَيَصِيرُ بِهَذَا الْعُدْوَانِ كَالْغَاصِبِ.

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ خَرَابَهَا، لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِهِ، فَيَضْمَنُ بِهِ، وَلَا يَدُهُ غَاصِبَةٌ فَيَجِبُ بِهَا عَلَيْهِ ضَمَانٌ.

فصل:

وأما تمييز فُرُوعِهِ، فَلِأَنَّ النَّمَاءَ مَالٌ مَقْصُودٌ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُفَوِّتَهُ عَلَى الْيَتِيمِ كَالْأُصُولِ، وَهُوَ نَوْعَانِ:

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 417 - 420

ارجع إلى الإيصاء للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 35%
البدر بعد 9 يوم
أستغفر الله