الإسلام > الأيمان والمواريث > الاستثناء في اليمين > الشرط الرابع: أن يكون مسموعا
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 12 دقيقة قراءةولَم أرَ عن أَحدٍ مِنْ الأَئمةِ قطُّ اشتِراطَ النِّيةِ معَ الشُّروعِ ولا قبلَ الفَراغِ، وإنَّما هذا مِنْ تَصرُّفِ الأَتباعِ (١).
وقالَ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: هل تَنفعُ النِّيةُ الحادِثةُ في الاستِثناءِ بعدَ انقِضاءِ اليَمينِ؟ فقيل أيضًا في المَذهبِ إنَّها تَنفعُ إذا حدَثَت مُتصِلةً باليَمينِ، وقيلَ: بل إذا حدَثَت قبلَ أنْ يَتمَّ النُّطقُ باليَمينِ، وقيلَ بلْ استِثناءٌ على ضَربينِ؛ استِثناءٌ مِنْ عددٍ، واستِثناءٌ مِنْ عُمومٍ بتَخصيصٍ أو مِنْ مُطلقٍ بتَقييدٍ فالاستِثناءُ مِنْ العددِ لا يَنفعُ فيه إلا حُدوثُ النِّيةِ قبلَ النُّطقِ باليَمينِ، والاستِثناءِ مِنْ العُمومِ يَنفعُ فيه حُدوثُ النِّيةِ بعدَ اليَمينِ إذا وصَلَ الاستِثناءُ نطقًا باليَمينِ.
وسببُ اختِلافِهم هل الاستِثناءُ مانعٌ للعَقدِ أو حالٌّ له؟ فإنْ قُلنا إنَّه مانعٌ فلا بدَّ مِنْ اشتِراطِ حُدوثِ النِّيةِ في أولِ اليَمينِ، وإنْ قُلنا إنَّه حالٌّ لَم يَلزمْ ذلك، وقد أَنكرَ عبدُ الوَهابِ أنْ يُشتَرطَ حُدوثُ النِّيةِ في أَولِ اليَمينِ للاتِّفاقِ، وزعَمَ على أنَّ الاستِثناءَ حالٌّ لليَمينِ كالكَفارةِ سَواءٌ (٢).
الشَّرطُ الرَّابعُ: أنْ يَكون مَسموعًا:
اختَلفَ الفُقهاءُ هَلْ يُشترطُ في اللَّفظِ أنْ يَكونَ مَسموعًا أم يَكفِي تَحريكُ اللِّسانِ بالاستِثناءِ؟
للحَنفيةِ قَولانِ في المَسألةِ:
أَحدُهما: أنَّه شَرطٌ أنْ يَكونَ مَسموعًا، فلَو حرَّكَ لِسانَه به دونَ سَماعٍ لَم يَصحَّ، وهذا عندَ الهِندوانِيِّ، ورجَّحَه الكاسانِيُّ وصاحبُ «الدُّرّ».
(١) «إعلام الموقعين» (٤/ ٧٩، ٨٠).
(٢) «بداية المجتهد» (١/ ٣٠٢).
والثَّاني -وهوَ اختيارُ الكَرخيِّ-: لا يُشترطُ، وهوَ الصَّحيحُ، فلَو حرَّكَ لسانَه بالاستِثناءِ صحَّ وإنْ لَم يَكنْ مَسموعًا.
قالَ الإمامُ عَلاءُ الدِّينِ السَّمرقَنديُّ رحمة الله عليه: ولَو حرَّكَ لِسانَه بالاستِثناءِ وأتَى بحُروفِه على الوَجهِ لكنَّه لَم يَسمعْ يَكونُ استِثناءً؛ لأنَّ هذا كَلامٌ وليسَ الشَّرطُ هو السَّماعُ، ألَا تَرى أنَّ الأَصمَّ يَصحُّ استِثناؤُه وإنْ لَم يَسمعْ هو (١).
وقالَ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: فأمَّا السَّماعُ فليسَ بشَرطٍ؛ لكَونِه كَلامًا، فإنَّ الأصمَّ يَصحُّ استِثناؤُه وإنْ كانَ لا يَسمعُ، والصَّحيحُ ما ذكَرَه الفَقيهُ أَبو جَعفرٍ؛ لأنَّ الحُروفَ المَنظومَةَ -وإنْ كانَت كَلامًا عندَ الكَرخيِّ وعندَنا- هي دَلالةٌ عَلى الكَلامِ وعِبارةُ عنه، لا نَفسَ الكَلامِ في الغائِبِ والشَّاهِدِ جَميعًا، فلَم تُوجَدِ الحُروفُ المَنظومَةُ ههُنا؛ لأنَّ الحُروفَ لا تَتحقَّقُ بدونِ الصَّوتِ، فالحُروفُ المَنظومَةُ لا تَتحقَّقُ بدونِ الأَصواتِ المُتقطِّعةِ بتَقطيعٍ خاصٍّ، فإذا لَم يُوجدِ الصَّوتُ لَم تُوجَدِ الحُروفِ، فلَم يُوجَدِ الكَلامُ عندَه ولا دَلالةُ الكَلامِ عندَنا، فلَم يَكنْ استِثناءً، واللهُ المُوفِّقُ (٢).
وقالَ في «الدُّرّ المُختَار»: (مَسموعًا) بحَيثُ لَو قرَّبَ شَخصٌ أُذنَه إلى فيه يَسمعُ، فصحَّ استِثناءُ الأصَمِّ.
قالَ ابنُ عابدِينَ رحمة الله عليه: (قولُه: مَسموعًا) هَذا عندَ الهِندوانِيِّ، وهوَ الصَّحيحُ كمَا في «البَدائِع»، وعندَ الكَرخيِّ ليسَ بشَرطٍ، (قولُه: بحَيثُ إلَخ)
(١) «تحفة الفقهاء» (٢/ ١٩٣).
(٢) «بدائع الصنائع» (٣/ ١٥٥)، و «المحيط البرهاني» (٣/ ٥٣٦).
أَشارَ به إلى أنَّ المُرادَ بالمَسموعِ ما شَأنُه أنْ يُسمَعَ وإنْ لَم يَسمَعْه المُنشِئُ لكَثرةِ أَصواتٍ مَثلًا (١).
وقالَ المالِكيةُ: يُشتَرطُ النُّطقُ بالاستِثناءِ بحَركةِ اللِّسانِ، ولَا يُشتَرطُ سَماعُ نَفسِه، بَلْ يَكفِي سِرًّا بحَركةِ لِسانٍ، بأنْ يُحرِّكَ شَفتَيه وإنْ لَم يُسمِعْ نَفسَه، ولا يُشتَرطُ الجَهرُ به، أمَّا إنْ أَجراهُ على قَلبِه بلا نُطقٍ فلا يُفيدُه (٢).
وقالَ الشافِعيةُ: يُشتَرطُ أنْ يَتلفَّظَ بالاستِثناءِ بحَيثُ يُسمِعُ نَفسَه إنِ اعتَدلَ سَمعُه ولا عارِضَ، وإلا فلا يُقبَلُ.
قالَ ابنُ حَجرٍ الهَيثميُّ رحمة الله عليه: ويُشتَرطُ أنْ يَتلفَّظَ به بحَيثُ يُسمِعُ نَفسَه إنِ اعتَدلَ سَمعُه ولا عارِضَ، وإلا لَم يُقبَلْ.
وقالَ الشَّروانِيُّ: قولُه: (وأنْ يَتلفَّظَ به إلخ) قالَ في «الأَنوار»: الخَامسُ مِنْ شُروطِ الاستِثناءِ: أنْ يُسمِعَ غيرَه (٣).
وقالَ ابنُ القَيمِ رحمة الله عليه: وهَل يُشتَرطُ أنْ يُسمِعَ نَفسَه؟ أو يَكفِي تَحرُّكُ لِسانِه بالاستِثناءِ وإنْ كانَ بحَيثُ لا يَسمَعُه؟ فاشتَرطَ أَصحابُ أَحمدَ
(١) «الدر المختار مع حاشية ابن عابدين» (٣/ ٣٦٨)، و «الاختيار» (٣/ ١٧٦)، و «الفتاوى الهندية» (١/ ٤٦٠).
(٢) «التاج والإكليل» (٢/ ٢٢، ٢٨٣)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ٥٥، ٥٦)، و «شرح الزرقاني» (٣/ ٩٦)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٢/ ٤٠٤)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٣٦٤)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٤/ ١٧٨).
(٣) «تحفة المحتاج مع حاشية الشرواني» (٩/ ٤٣٦)، و «نهاية المحتاج» (٦/ ٥٣٨)، و «الديباج» (٣/ ٤٣٣).
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الأيمان
بإباحته، جرى على المال المبتدئ حكم الإباحة اعتبارا بالمبيح، ولم يجر عليه الحظر اعتبارا بال
بِإِبَاحَتِهِ، جَرَى عَلَى الْمَالِ الْمُبْتَدِئِ حُكْمُ الْإِبَاحَةِ اعْتِبَارًا بِالْمُبِيحِ، وَلَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ الْحَظْرُ اعْتِبَارًا بالمستبيح.
كذلك حكم هذه الْخُرُوجِ.
وَتَحْرِيرُهُ: إنَّهَا اسْتِبَاحَةٌ بَعْدَ إِبَاحَةٍ، فَلَمْ يَكُنْ فَقْدُ الْعِلْمِ بِهَا مُؤَثِّرًا فِي حُكْمِهَا كَالْمَالِ.
وَالرَّابِعُ: إنَّهَا لَا تَعْلَمُ بِإِذْنِهِ، لِبُعْدِهَا تَارَةً، وَلِنَوْمِهَا أُخْرَى، وَقَدْ وَافَقُوا أَنَّهُ لَوْ أَذِنَ لَهَا، وَهِيَ نَائِمَةٌ، فَخَرَجَتْ غَيْرَ عَالِمَةٍ بِإِذْنِهِ لَمْ يَحْنَثْ، كَذَلِكَ إِذَا أَذِنَ لَهَا، وَهِيَ بَعِيدَةٌ، فَلَمْ تَعْلَمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى خَرَجَتْ وَجَبَ أَنْ لَا يَحْنَثَ.
وَتَحْرِيرُهُ: إنَّهَا يَمِينٌ تَعَلَّقَ الْبِرُّ فِيهَا بِالْإِذْنِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ عَدَمُ الْعِلْمِ بِهِ مُوجِبًا لِلْحِنْثِ، كَالنَّائِمَةِ وَالنَّاسِيَةِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمُ الْأَوَّلِ، بِأَنَّ الْإِذْنَ يَتَضَمَّنُ الْإِعْلَامَ اسْتِشْهَادًا بِمَا ذَكَرُوهُ، فَمِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إنَّ الْإِعْلَامَ هُوَ الْإِيذَانُ دُونَ الْإِذْنِ، وَفَرْقٌ بَيْنَ الْإِذْنِ وَالْإِيذَانِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْإِذْنَ لَوِ اقْتَضَى الْإِعْلَامَ، لَاخْتَصَّ بِهِ الْإِذْنُ دُونَ غَيْرِهِ، وَهُوَ لَا يَخْتَصُّ بِهِ، فَلَمْ يَكُنْ مِنْ شَرْطِ إِذْنِهِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمُ الثَّانِي فِي النَّسْخِ، فَهُوَ إنَّ فِي اعْتِبَارِ الْعِلْمِ بِهِ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إنَّ النَّسْخَ يَلْزَمُ مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ بِهِ كَالْإِذْنِ، فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلِيلٌ.
ارجع إلى الاستثناء في اليمين للاطلاع على جميع المسائل.