الإسلام > الأيمان والمواريث > حكم البر والحنث في اليمين > خامسا: إذا حلف على فعل مباح أو تركه
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 9 دقيقة قراءةفائتِ الذي هو خَيرٌ، وكفِّرْ عن يَمينِك» (١)؛ لِما يَترتبُ عليه مِنْ الثَّوابِ وتَركِ المَكروهِ امتِثالًا وفِعلِ المَندوبِ، ويُكرَهُ بَرُّه لما يَلزمُ عليه من فِعلِ المَكروهِ وتَركِ المَندوبِ (٢).
خامسًا: إذا حلَفَ على فِعلِ مُباحٍ أو تَركِه:
لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّ الإِنسانَ إذا حلَفَ على أنَّ يَفعلَ فعلًا مُباحًا كأنْ يَدخلَ دارًا مثلًا أو على تَركِ مُباحٍ كأنْ لا يَلبسَ هذا الثَّوبَ مثلًا فإنَّه مُخيرٌ بينَ الفِعلِ والتَّركِ فإنْ فعَلَ ما حلَفَ عليه فلا إثمَ ولا كَفارةَ، وإنْ ترَكَ ما حلَفَ على تَركِه فلا إثمَ ولا كَفارةَ، وإنْ فعَلَ ما حلَفَ على تَركِه فعليه الكَفارةُ، وإنْ ترَكَ ما حلَفَ على فِعلِه فعليه الكَفارةُ.
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: فإنْ قيلَ: وكيفَ يَكون حلُّها مُباحًا وقد قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١] قُلنا: هذا في الأَيمانِ في العُهودِ والمَواثيقِ بدَليل قولِه تَعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١] إلى قولِه: ﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ [النحل: ٩٢]، والعَهدُ يَجبُ الوَفاءُ به بغيرِ يَمينٍ، فمع اليَمينِ أَولى؛ فإنَّ اللهَ تَعالى قالَ: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١]، وقالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، ولهذا نُهيَ عن نَقضِ اليَمينِ، والنَّهيُ يَقتضِي التَّحريمَ، وذمَّهم
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: وقد تقدم.
(٢) «المغني» (٩/ ٣٩٠)، و «المبدع» (٩/ ٢٥٤)، و «كشاف القناع» (٦/ ٢٩٢).
عليه وضرَبَ لهم مثلَ التي نقَضَت غَزلَها مِنْ بعدِ قُوةٍ أَنكاثًا، ولا خِلافَ في أنَّ الحلَّ المُختلَفَ فيه لا يَدخلُه شيءٌ مِنْ هذا (١).
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختلَفُوا أيُّهما أَفضلُ: هل الأَفضلُ أنْ يُحنِّثَ نفسَه ويُكفِّرَ أم الأَفضلُ الوَفاءُ باليَمينِ ولا يُكفِّرُ؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في الصَّحيحِ والحَنابِلةُ إلى أنَّ البِرَّ والوَفاءَ باليَمينِ أَفضلُ؛ لِما فيه مِنْ تَعظيمِ اللهِ تَعالى، وقد قالَ تَعالى: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١] وقولُه تَعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] أيْ: عن الحِنثِ (٢).
وذهَبَ الشافِعيةُ في قولٍ إلى أنَّ الأَفضلَ له الحِنثُ ليَنتفعَ الفُقراءُ بالكَفارةِ.
وقيلَ: يُخيَّرُ بينَهما.
ومَحلُّ الخِلافِ عندَ الشافِعيةِ ما إذا لَم يَكنْ في ذلك أذًى للغيرِ، فإنْ كانَ بأنْ حلَفَ لا يَدخلُ دارَ أحدِ أبوَيه أو أَقاربِه أو صَديقٍ يَكرُه ذلك فالأَفضلُ الحِنثُ قَطعًا، وعَقدُ اليَمينِ على ذلك مَكروهٌ بلا شكٍّ (٣).
(١) «المغني» (٩/ ٣٩٠).
(٢) «بدائع الصنائع» (٣/ ١٨)، و «الاختيار» (٤/ ٥٧)، و «الفواكه الدواني» (١/ ٤١٤)، و «كشاف القناع» (٦/ ٢٩٢)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ٣٧٧)، و «مطالب أولي النهى» (٦/ ٣٦٦).
(٣) «روضة الطالبين» (٧/ ١٤٣)، و «النجم الوهاج» (١٠/ ٢٧)، و «مغني المحتاج» (٦/ ٢٠٩)، و «طرح التثريب» (٧/ ١٥٤).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الأيمان
فصل في الحلف على الكلام
بَطَلَ الْيَمِينُ فَلَا يَحْتَمِلُ الْعَوْدَ، وَعَلَى هَذَا قَالُوا فِي عَامِلٍ اسْتَحْلَفَ رَجُلًا أَنْ يَرْفَعَ إلَيْهِ كُلُّ مَنْ عَلِمَ بِهِ مِنْ فَاسِقٍ أَوْ دَاعِرٍ أَوْ سَارِقٍ فِي مَحَلَّتِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى عُزِلَ الْعَامِلُ عَنْ عَمَلِهِ ثُمَّ عَلِمَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَرْفَعَهُ وَقَدْ خَرَجَ عَنْ يَمِينِهِ، وَبَطَلَتْ عَنْهُ لِأَنَّهَا تَقَيَّدَتْ بِحَالِ عَمَلِهِ بِدَلَالَةِ الْغَرَضِ؛ لِأَنَّ غَرَضَ الْعَامِلِ أَنْ يَرْفَعَ إلَيْهِ مَادَامَ وَالِيًا فَإِذَا زَالَتْ وِلَايَتُهُ ارْتَفَعَتْ الْيَمِينُ فَإِنْ عَادَ الْعَامِلُ عَامِلًا بَعْدَ عَزْلِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنْ يَرْفَعَ ذَلِكَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ قَدْ بَطَلَتْ فَلَا تَعُودُ سَوَاءٌ عَادَ عَامِلًا بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَعُدْ، وَلَوْ كَانَ الْحَالِفُ عَلِمَ بِبَعْضِ مَا اُسْتُحْلِفَ عَلَيْهِ فَأَخَّرَ رَفْعَ ذَلِكَ حَتَّى عُزِلَ الْعَامِلُ حَنِثَ فِي يَمِينِهِ، وَلَمْ يَنْفَعْهُ رَفْعُ ذَلِكَ إلَيْهِ بَعْدَ عَزْلِهِ؛ لِأَنَّ الرَّفْعَ تَقَيَّدَ بِحَالِ قِيَامِ الْوِلَايَةِ، فَإِذَا زَالَتْ الْوِلَايَةُ فَقَدْ فَاتَ شَرْطُ الْبِرِّ.
قَالَ مُحَمَّدٌ فِي الزِّيَادَاتِ: إلَّا أَنْ يَعْنِيَ أَنْ يَرْفَعَ إلَيْهِمْ عَلَى كُلِّ حَالٍ فِي السُّلْطَانِ وَغَيْرِهِ، وَأَدِينُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ ﷿ وَفِي الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ نَوَى ظَاهِرَ كَلَامِهِ وَهُوَ الْعُمُومُ فَيُصَدَّقُ دِيَانَةً وَقَضَاءً.
ارجع إلى حكم البر والحنث في اليمين للاطلاع على جميع المسائل.