الإسلام > الأيمان والمواريث > حكم البر والحنث في اليمين > رابعا: أن يحلف على ترك مندوب أو فعل مكروه
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 8 دقيقة قراءةيَترتبُ على بِرِّه مِنْ الثَّوابِ الحاصلِ بفِعلِ المَندوبِ وتَركِه، فإنْ حنَثَ فعليه بالحِنثِ كَفارةٌ (١).
رابعًا: أنْ يَحلِفَ على تَركِ مَندوبٍ أو فِعلِ مَكروهٍ:
نصَّ فُقهاءُ المَذاهبِ الأَربعةِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ على أنَّ الإِنسانَ إذا حلَفَ على تَركِ مَندوبٍ أو فِعلِ مَكروهٍ فإنَّه يُستَحبُّ أنْ يُحنِّثَ نفسَه ويَفعَلَ المَندوبَ ويَتركَ المَكروهَ.
قالَ الحَنفيةُ: وإنْ كانَ حلَفَ على تَركِ المَندوبِ بأنْ قالَ: «واللهِ لا أُصلِّي نافِلةً ولا أَصومُ تَطوعًا ولا أَعودُ مَريضًا ولا أُشيعُ جِنازةً» ونحوَ ذلك فالأَفضلُ له أنْ يَفعلَ ويُكفِّرَ عن يَمينِه، وقالَ النَّبيُّ ﷺ: «مَنْ حلَفَ على يَمينٍ فرَأى غيرَها خَيرًا منها فلْيَأتِ الذي هو خَيرٌ، وليُكفِّرْ عن يَمينِه» (٢) (٣).
وقالَ المالِكيةُ: إذا حلَفَ على تَركِ مَندوبٍ كصَلاةِ الضُّحى أو زِيارةِ صالحٍ، فيُستَحبُّ له تَحنيثُ نَفسِه (٤).
وقالَ الشافِعيةُ: إن حلَفَ على تَركِ مَندوبٍ كسُنةِ الضُّحى أو على فِعلِ مَكروهٍ كالتِفاتِه بوَجهِه في الصَّلاةِ فيَمينُه مَكروهٌ والإِقامةُ عليها مَكروهةٌ،
(١) «مغني المحتاج» (٦/ ٢٠٩)، و «المغني» (٩/ ٣٩٠)، و «المبدع» (٩/ ٢٥٤)، و «كشاف القناع» (٦/ ٢٩٢)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ٣٧٧)، و «مطالب أولي النهى» (٦/ ٣٦٦) «بدائع الصنائع» (٣/ ١٧)، و «الفواكه الدواني» (١/ ٤١٤).
(٢) أخرجه مسلم (١٦٥٠).
(٣) «بدائع الصنائع» (٣/ ١٨).
(٤) «الفواكه الدواني» (١/ ٤١٤).
ويُسنُّ حِنثُه وعليه الكَفارةُ؛ لأنَّ اليَمينَ والإِقامةَ عليها مَكروهانِ؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ [النور: ٢٢] الآية.
نزَلَت في الصِّديقِ رضي الله عنه وقد حلَفَ أنْ لا يَبَرَّ مِسطحًا فقالَ: بلى ورَبِّي وبَرَّه (١).
وَأُجيبَ عن حَديثِ الأَعرابيِّ الذي قالَ: «واللهِ لا أَزيدُ على هذا ولا أُنقِصُ» (٢) وأنَّ النَّبيَّ ﷺ لَم يُنكِرْ عليه بأنَّ يَمينَه تَضمَّنَ طاعةً وهو امتِثالُ الأمرِ، ويَحتَملُ أنَّه سَبقُ لِسانِه إلى قولِه: «لا أَزيدُ» فكانَ من لَغوِ اليَمينِ.
واختُلفَ فيما لو حلَفَ لا يَأكلُ طَيبًا ولا يَلبَسُ ناعِمًا، فقيلَ: مَكروهٌ؛ لقولِه تَعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٣٢] الآية.
وقيلَ: طاعةٌ لِما عُرفَ مِنْ اختِيارِ السَّلفِ خُشونةَ العَيشِ.
وقيلَ: يَختلِفُ ذلك باختِلافِ أَحوالِ الناسِ وقُصودِهم وفَراغِهم للعِبادةِ واشتِغالِهم بالضِّيقِ والسَّعةِ، وهذا كما قالَ الرافِعيُّ الصَّوابُ (٣).
وقالَ الحَنابِلةُ: إن كانَت اليَمينُ على فِعلِ مَكروهٍ أو تَركِ مَندوبٍ فحلُّها مَندوبٌ؛ لحَديثِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ سَمرةَ مَرفوعًا: «إذا حلَفتَ على يَمينٍ فرَأيتَ غيرَها خَيرًا منها، فكفِّرْ عن يَمينِك، وائتِ الذي هو خَيرٌ -وفي لفظٍ-
(١) أخرجه البخاري (٤٧٥٠)، ومسلم (٢٧٧٠).
(٢) أخرجه البخاري (٤٦)، ومسلم (١١).
(٣) «روضة الطالبين» (٧/ ١٤٣)، و «النجم الوهاج» (١٠/ ٢٦)، و «مغني المحتاج» (٦/ ٢٠٨)، و «طرح التثريب» (٧/ ١٥٤).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الأيمان
١٧٧٨ - مسألة؛ قال: (ومن حلف أن يفعل شيئا، فلم يفعله، أو لا يفعل شيئا، ففعله، فعليه الكفارة
تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} إلى قولِه: {تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ} . والعَهْدُ يجِبُ الوَفاءُ به بغيرِ يَمِينٍ، فمع اليَمِينِ أولَى؛ فإنَّ اللَّه تعالى قال: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ} وقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} . ولهذا نَهَى عن نَقْض اليَمِينِ، والنَّهْىُ يقْتَضِى التَّحْريمَ، وذمَّهم عليه، وضَربَ لهم مثلَ التى نقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوةٍ أَنْكاثًا، ولا خِلافَ فى أَنَّ الحَلَّ المُخْتلَفَ فيه لا يدْخُلُه شىءٌ من هذا. وإِنْ كانت على فعْلِ مَكْروهٍ، أو تَرْكِ مَنْدوبٍ، فحَلُّها مَنْدوبٌ إليه، فإنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَأْتِ الَّذِى هُوَ خَيْرٌ، وكَفِّرْ عَنْ يَمِينكَ" . وقال النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنِّى وَاللَّهِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ، لَا أحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأرَى غَيْرَها خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِى هُوَ خَيْرٌ، وتَحَلَّلْتُهَا" . وإِنْ كانت اليَمِينُ على فِعْلِ مُحرَّمٍ، أو تَرْكِ واجبٍ، فحَلُّها واجِبٌ؛ لأنَّ حَلَّها بفِعْلِ الواجبِ، فعلُ الواجِبِ واجِبٌ.
١٧٧٨ - مسألة؛ قال: (ومَنْ حَلَفَ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا، فلَمْ يَفْعَلْه، أَوْ لَا يَفْعَلَ شَيْئًا، فَفَعَلَه، فعَلَيْه الْكفَّارَةُ)
ارجع إلى حكم البر والحنث في اليمين للاطلاع على جميع المسائل.