الإسلام > الأيمان والمواريث > حكم من حرم على نفسه شيئا > إذا قال لزوجته: «إن خرجت بغير إذني فأنت طالق» ثم أذن لها ولم تعلم فخرجت
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 9 دقيقة قراءةإذا قالَ لزَوجتِه: «إن خَرجتِ بغيرِ إذنِي فأنتِ طالقٌ» ثم أذِنَ لها ولم تَعلم فخرَجَت:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيمن قالَ لزَوجتِه: «إنْ خرَجتِ بغيرِ إذنِي فأنتِ طالقٌ» ثم أذِنَ لها ولَم تَعلم فخرَجَت هل يَحنَثُ وتَطلُقُ أم لا؟
فذهَبَ الإمامُ أَبو حَنيفةَ ومُحمدٌ والمالِكيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه إذا قالَ لها: «إنْ خَرجتِ بغيرِ إذنِي فأنتِ طالقٌ» ثم أذِنَ لها ولَم تَعلمْ فخرَجَت فإنَّها تَطلُقُ؛ لأنَّ قَصدَه «لا تَخرُجي إلا بسببِ إذنِي» وقد صدَقَ عليها أنَّها خرَجَت بغيرِ سببِ إذنِه، ولأنَّ الإذنَ حُكمٌ مِنْ أَفعالِ أَحكامِ المُكلَّفينَ يَتعلَّقُ بقائلٍ ومَقولٍ له، فوجَبَ إذا فعَلَ عاريًا مِنْ علمٍ فأَعلَّه بثُبوتِ ذلك الحُكمِ له أنْ لا يَحكُمَ لفاعِلهِ بأنَّه فعَلَه على ذلك الوَجهِ، أَصلُه الأَمرُ والنَّهيُ، ولأنَّ مَنْ حلَفَ على امرَأتِه ألا تَخرجَ إلا بإذنِه فمَفهومُ ذلك مَنعُها مِنْ الافتِياتِ عليه وزَجرُها مِنْ اعتِقادِها أنَّها لا تَلزمُ مُراعاةَ إذنِه وقَصرُها على التَّصرفِ بينَ أَمرِه ونَهيِه فَقط، وإذا كانَ هذا هو الغَرضُ وكانَ ذلك لا يُوجدُ إلا معَ عِلمِها بالإذنِ كانَ مَضمومًا إليه ومَشروطًا معَه، فإذا وقَعَ عاريًا منه وجَبَ أنْ يَحنَثَ به، ولأنَّ الخُروجَ وُجدَ منها على الصِّفةِ التي كانَ عليها قبلَ الإذنِ مِنْ اعتِقادِ الافتِياتِ عليه فأَشبهَ أنْ تَخرجَ قبلَ إِذنِه.
ولأنَّ الإِذنَ إِعلامٌ وكذلك قيلَ في قولِه تَعالى: ﴿آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنبياء: ١٠٩] أيْ أَعلمْتُكم فاستَويا في العِلمِ، ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٣] أي إِعلامٌ، ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩] فاعلَموا به، واشتِقاقُه مِنْ الإِذنِ يَعني أَوقَعتُه في إذنِك وأَعلَمتُك به ومعَ عدمِ العِلمِ لا
يَكونُ إِعلامًا فلا يَكونُ إِذنًا، ولأنَّ إذنَ الشارِعِ في أَوامرِه ونَواهِيه لا يَثبتُ إلا بعدَ العلمِ بها كذلك إذنُ الآدميِّ وعلى هذا يُمنَعُ وُجودُ الإِذنِ مِنْ جِهتِه (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ وأَبو يُوسفَ مِنْ الحَنفيةِ ومالكٌ في رِوايةٍ والحَنابِلةُ في وَجهٍ إلى أنَّ الزَّوجَ إذا حلَفَ بطَلاقِها أنْ لا تَخرجُ إلا بإذنِه وخشِيَ أنْ تَخرجَ بغيرِ إذنِه عندَ الغَضبِ فاحتالَ وأذِنَ لها مِنْ حيثُ لا تَعلمُ فخرَجَت بعدَ ذلك لَم يَحنثْ ولا تَطلُقُ؛ لأنَّها خرَجَت بعدَ وُجودِ الإذنِ مِنْ جِهتِه فلَم يَحنَثْ كما لو علِمَت به، ولأنَّه لو عزضلَ وَكيلَه انعَزلَ وإنْ لَم يَعلمْ بالعَزلِ فكذلك تَصيرُ مَأذونًا لها وإنْ لَم تَعلمْ.
ولأنَّ الإِذنَ يَختَصُّ بالآذانِ، والعِلمُ به مُختَصٌّ بالمَأذونِ لها، وشَرطُ يَمينِه إنَّما كانَ مَعقودًا على ما يَختَصُّ به مِنْ الإِذنِ دونَ ما يَختَصُّ بها مِنْ العِلمِ. ألا تَرى أنَّ اسمَ الإِذنِ يَنطَلقُ على إذنِه دونَ عِلمِها، فوجَبَ أنْ يَكونَ تَفرُّدُه بالإذنِ مُوجبًا لوُجودِ الشَّرطِ، فلا يَقعُ به الحِنثُ، كما لو قالَ: «إنْ قُمتِ، فأنتِ طالقٌ»، طلُقَت بقِيامِه، وإنْ لَم تَعلمْ.
ولأنَّه لو كانَ العِلمُ شَرطًا في الإِذنِ لكانَ وُجودُه مِنْ الحالِفِ شَرطًا فيه، كما كانَ وُجودُ الإِذنِ منه شَرطًا فيه، فلمَّا ثبَتَ أنَّها لو علِمَت به مِنْ غيرِه
(١) «التجريد» القدروي (١٢/ ٦٤٨٥، ٦٤٨٦)، و «الاختيار» (٤/ ٦٧)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٤/ ٢٩٨)، رقم (١٦٤٢)، و «التاج والإكليل» (٢/ ٣٢٥)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ٧٨)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٢/ ٤٣٣)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٣٩٨)، و «المغني» (١٠/ ١٠/ ٤٧)، و «المبدع» (٧/ ٣٥٩)، و «كشاف القناع» (٥/ ٣٥٥)، و «الروض المربع» (٤٠٠).
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الأيمان
باب من حلف على امرأته لا تخرج إلا بإذنه
بَابُ مَنْ حَلَفَ عَلَى امْرَأَتِهِ لَا تَخْرُجُ إلا بإذنه
(مسألة:)
قال الشافعي: " مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طالقٌ إِنْ خَرَجْتِ إِلَّا بِإِذْنِي أَوْ حَتَّى آذَنَ لَكِ فَهَذَا عَلَى مرةٍ واحدةٍ وَإِذَا خَرَجَتْ بِإِذْنِهِ فَقَدَ بَرَّ وَلَا يَحْنَثُ ثَانِيَةً إِلَّا أَنْ يَقُولَ كُلَّمَا خَرَجْتِ إِلَّا بِإِذْنِي فَهَذَا عَلَى كُلِّ مرةٍ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ أَلْفَاظَ يَمِينِهِ إِذَا حَلَفَ عَلَى زَوْجَتِهِ أَنْ لَا تَخْرُجَ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: مَا اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهَا تَنْعَقِدُ عَلَى مَرَّةٍ واحدة، ولا توجب التكرار، وذلك لفظتنا " إِلَى " وَ " حَتَّى " .
فَإِذَا قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ خَرَجْتِ إِلَى أَنْ آذَنَ لَكِ، أَوْ حَتَّى آذَنَ لَكِ، فَتَنْعَقِدُ يَمِينُهُ عَلَى خُرُوجِهَا مَرَّةً وَاحِدَةً بِإِذْنِهِ، فَإِنْ خَرَجَتْ مَرَّةً وَاحِدَةً بِإِذْنِهِ بَرَّ، وَانْحَلَّتْ يَمِينُهُ وَلَا يَحْنَثُ، وَإِنْ خَرَجَتْ بَعْدَ ذَلِكَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْعِلَّةِ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ فِي الْحُكْمِ. فَعَلَّلَ أصحاب أبي حنيفة بأنهما لفظتان غاية ارتفع حكمها بانقضائها.
وَعَلَّلَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ بِأَنَّهُمَا لَمَّا لَمْ يَتَكَرَّرَا فِي الْحِنْثِ لَمْ يَتَكَرَّرَا فِي الْبِرِّ.
وَتَأْثِيرُ هَذَا الِاخْتِلَافِ فِي التَّعْلِيلِ يَتَبَيَّنُ فِي الْقِسْمِ الثَّالِثِ، فَهَذَا حُكْمُ الْقِسْم الْأَوَّل.
ارجع إلى حكم من حرم على نفسه شيئا للاطلاع على جميع المسائل.