الإسلام > الأيمان والمواريث > حكم من حرم على نفسه شيئا > من حلف على زوجته أن لا تخرج إلا بإذنه
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 19 دقيقة قراءةمَنْ حلَفَ على زَوجتِه أنْ لا تَخرجَ إلا بإِذنِه:
الزَّوجُ إذا قالَ لزَوجتِه: «إنْ خرَجتِ إلا بإِذنِي أو بغيرِ إِذنِي فأنتِ طالِقٌ» أو قالَ: «إنْ خرَجتِ إلا أنْ آذنَ لك أو حتى آذنَ لك أو إلى أنْ آذنَ لكِ» فالحُكمُ في هذه الأَلفاظِ الخَمسةِ أنَّها متى خَرجَت بغيرِ إِذنِه طلقَت وانحَلَّت يَمينُه؛ لأنَّ حَرفَ «أن» لا يَقتَضي تَكرارًا فإذا حنِثَ مرَّةً انحَلَّت كما لو قالَ: «أنتِ طالقٌ إنْ شِئتِ» وإنْ أذِنَ لها فخَرجَت لَم يَحنثْ بلا رَيبٍ؛ لعَدمِ المُخالَفةِ، وهذا مَحلُّ اتِّفاقٍ بينَ الفُقهاءِ (١).
وأما لو أذِنَ لها ثم خَرجَت بإذنِه ثم خَرجَت بعدَ ذلك بغيرِ إذنِه هل تَطلقُ أو لا؟ فهذا لا يَخلو مِنْ ثَلاثةِ أَقسامٍ:
القِسمُ الأَولُ: ما اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّها تَنعَقدُ على مَرةٍ واحِدةٍ، ولا تُوجبُ التَّكرارَ، وذلك لَفظَتا «إلى» و «حتى». فإذا قالَ لها: «أنتِ طالقٌ إنْ خرَجتِ إلى أنْ آذنَ لك، أو حتى آذنَ لك»، فتَنعقِدُ يَمينُه على خُروجِها مَرةً واحِدةً بإذنِه، فإن خَرجَت مَرةً واحِدةً بإذنِه برَّ، وانحَلَّت يَمينُه ولا يَحنَثُ، وإنْ خرَجَت بعدَ ذلك بغيرِ إذنهِ.
والقِسمُ الثانِي: ما اتَّفَقوا على أنَّها تَنعقِدُ على التَّكرارِ في البِرِّ والحِنثِ، وهي لَفظةٌ واحِدةٌ، وذلك قولُه: «كُلَّما دَخلتِ الدارَ بغيرِ إذني، فأنتِ طالقٌ».
(١) «المبسوط» (٨/ ١٧٣)، و «الحاوي الكبير» (١٥/ ٣٩١)، و «المغني» (١٠/ ٤٦)، و «الكافي» (٤/ ٤٠٧)، و «شرح الزركشي» (٣/ ٣٤٣)، و «كشاف القناع» (٥/ ٣٥٤، ٣٥٥).
فلَفظةُ «كُلَّما» مَوضوعةٌ للتَّكرارِ، فبِرُّه يَكونُ بإِذنِه لها في كلِّ مَرةٍ، وحِنثُه يَكونُ بأنْ لا يَأذنَ لها في كلِّ مَرةٍ، وإنْ خَرجَت مَرةً بغيرِ إذنِه حنِثَ، وطلُقَت واحِدةً، ولَم تَسقطْ يَمينُه، وإنْ خرَجَت ثالِثةً بغيرِ إذنِه حنِثَ، وطلُقَت ثالِثةً، وسقَطَت يَمينُه بعدَها لاستِيفاءِ ما ملَكَه مِنْ طَلاقِها.
ولو أذِنَ لها بالخُروجِ ثَلاثَ مَراتٍ مِنْ ثَلاثِ خَرجاتٍ بَرَّ، ولَم تَخلُ يَمينُه؛ لبَقاءِ الطَّلاقِ، فإنْ خرَجَت رابِعةً بغيرِ إذنِه، طلُقَت، فيُقدرُ الحِنثُ بالثَّلاثِ، ولَم يَتقَدرْ بها البِرُّ؛ لاعتِبارِ الحِنثِ بما ملَكَه مِنْ عَددِ الطَّلاقِ، فلو خرَجَت مَرةً بإذنِه، وثانِيةً بغيرِ إذنِه، وثالِثةً بإذنِه، ورابِعةً بغيرِ إذنِه بَرَّ في خَرجَتينِ الأولى والثالِثةُ، وحنِثَ في خَرجَتينِ في الثانيةِ والرابِعةِ ثم على هذه العِبرةِ.
والقِسمُ الثالِثُ: ما اختُلفَ فيه: هل تَنعقِدُ يَمينُه على مَرةٍ واحِدةٍ أو على التَّكرارِ، وذلك فيما عدا القِسمَينِ الماضِيينِ مِنْ الأَلفاظِ، وهي خَمسةُ أَلفاظٍ:
أَحدُها: «إنْ خَرجتِ مِنْ الدارِ إلا بإِذني، فأنتِ طالقٌ».
والثانِيةُ: «إنْ خَرجتِ مِنْ الدارِ إلا أنْ آذنَ لك، فأنتِ طالقٌ».
والثالِثةُ: «إنْ خَرجتِ مِنْ الدارِ بغيرِ إذنِي، فأنتِ طالقٌ».
والرابِعةُ: «أيّ وقتٍ خَرجتِ مِنْ الدارِ بغيرِ إذنِي، فأنتِ طالقٌ».
والخامِسةُ: «متى خَرجتِ مِنْ الدارِ بغيرِ إذنِي، فأنتِ طالقٌ».
فاختَلَفوا في انعِقادِ اليَمينِ بهذه الأَلفاظِ هل تُوجبُ التَّكرارَ في البِرِّ والحِنثِ على ثَلاثةِ مَذاهبَ للفُقهاءِ:
المَذهبُ الأَولُ: وهو مَذهبُ الشافِعيةِ والحَنابِلةِ في رِوايةٍ أنَّها تَنعقِدُ على مَرةٍ واحِدةٍ في البِّرِّ والحِنثِ، ولا تُوجِبُ التَّكرارَ في بِرٍّ ولا حِنثٍ. فإنْ خَرجَت مَرةً واحِدةً بإذنٍ بَرَّ وانحَلَّت اليَمينُ، ولا يَحنثُ إنْ خرَجَت بعدَ ذلك بغيرِ إذنٍ.
وإنْ خرَجَت مَرةً واحِدةً بغيرِ إذنٍ حنِثَ، وسقَطَت اليَمينُ، ولا يَعودُ الحِنثُ إنْ خرَجَت بعدَه بغيرِ إذنٍ.
لأنَّ كلَّ يَمينٍ اشتَملَت على منعٍ وتَمكينٍ وجَبَ أنْ يَكونَ البِرُّ فيها مُقابلًا للحِنثِ في وُجوبِ التَّكرارِ وسُقوطِه كالمَعقودِ بلَفظِ الغايةِ في سُقوطِ التَّكرارِ، وكالمَعقودةِ ب «كُلَّما» في وُجوبِ التَّكرارِ.
ولأنَّ البِرَّ والحِنثَ في الأَيمانِ مُعتبَرانِ بالعَقدِ، فإن أَوجبَ تَكرارَ المَنعِ والتَّمكينِ أَوجبَ تَكرارَ البِرِّ والحِنثِ، وإنْ لَم يُوجِبْ تَكرارَهما لَم يَتكرَّرِ البِرُّ والحِنثُ.
ولفظُ التَّكرارِ مَعدومٌ في قولِه: «إنْ خَرجتِ إلا بإذنِي»، فانعَقدَ على مَرةٍ، ومَوجودٌ في قولِه: «كُلَّما خَرجتِ بغيرِ إذنِي»، فانعَقدَ على كلِّ مَرةٍ. ألا تَراه لو قالَ لها: «إنْ خرَجتِ بإذنِي، فأنتِ طالقٌ»، انعَقدَت على مَرةٍ، ولو قالَ: «كُلَّما خَرجتِ بإذنِي فأنتِ طالقٌ»، انعَقدَت على مَرةٍ، ولو قالَ: «كُلَّما خَرجتِ بإذنِي» انعَقدَت على التَّكرارِ، وما انعَقدَت عليه اليَمينُ سَواءٌ في البِرِّ والحِنثِ في التَّكرارِ والانفِرادِ؛ لأنَّ عَقدَها إنْ قابَلَت مُقتَضاها كانَ حُكمُها مَقصورًا عليه (١).
(١) «الحاوي الكبير» (١٥/ ٣٩١، ٣٩٤)، و «البيان» (١٠/ ٣٠٣، ٣٠٤)، و «شرح الزركشي» (٣/ ٣٤٣).
والمَذهبُ الثانِي: وهو مَذهبُ المالِكيةِ في المَشهورِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ أنَّها تَنعقدُ على التَّكرارِ في البِرِّ والحِنثِ، وإنْ خَرجَت مَرةً بإذنٍ بَرَّ، ولَم يَنحلَّ اليَمينُ، وإن خَرجَت مَرةً بغيرِ إذنٍ حنِثَ، ولَم تَسقطِ اليَمينُ؛ لأنَّه علَّقَ الطَّلاقَ على شرطٍ وقد وُجدَ فيَقعُ الطَّلاقُ كما لو لَم تَخرجْ بإذنِه (١).
قالَ الحَنابِلةُ: إذا قالَ لزَوجتِه: «إنْ خَرجتِ بغيرِ إذنِي فأنتِ طالقٌ» أو «إنْ خَرجتِ إلا بإذنِي فأنتِ طالقٌ» أو «إنْ خَرجتِ حتى آذنَ لكِ فأنتِ طالقٌ» ثم أذِنَ لها فخَرجَت ثم خَرجَت بغيرِ إِذنِه طلُقَت؛ لأنَّ «خرَجَت» نَكرةٌ في سِياقِ الشَّرطِ، وهي تَقتَضي العُمومَ فقد صدَقَ أنَّها خرَجَت بغيرِ إذنِه إلا أنْ يَنويَ الإذنَ مَرةً ويَأذنَ لها فيه ثم تَخرجُ بعدُ فلا حِنثَ، أو يَقولَ الإذنَ مَرةً بلفظِه بأنْ يَقولَ: «إنْ خَرجتِ إلا بإذنِي مَرةً فأنتِ طالقٌ» فإذا أذِنَ فيه مَرةً لَم يَحنَثْ بخُروجِها بعدُ بغيرِ إذنِه، وأما إنْ قالَ: «إنْ خَرجتِ مَرةً بغيرِ إذنِي فأنتِ طالقٌ» ثم أذِنَ لها في الخُروجِ ثم خرَجَت بغيرِ إذنِه حنِثَ؛ لأنَّ الخُروجَ الثانِي خُروجٌ غيرُ مَأذونٍ فيه وهو مَحلوفٌ عليه أَشبهَ ما لو خرَجَت ابتِداءً بغيرِ إذنِه.
فإنْ أذِنَ لها في الخُروجِ كُلَّما شاءَت بأنْ قالَ لها: «اخرُجي كُلَّما شِئتِ» لَم تَطلُقْ بخُروجِها للإِذنِ العامِّ فلَم تَخرجْ إلا بإذنِه (٢).
والمَذهبُ الثالِثُ: وهو مَذهبُ الحَنفيةِ، قالوا: إذا حلَفَ على امرَأتِه
(١) «التاج والإكليل» (٢/ ٣٢٥، ٣٤١)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ٧٨)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٣٩٨، ٤١٧)، و «منح الجليل» (٣/ ٣٥).
(٢) «المغني» (١٠/ ٤٦)، و «الكافي» (٤/ ٤٠٧)، و «شرح الزركشي» (٣/ ٣٤٣)، و «كشاف القناع» (٥/ ٣٥٤، ٣٥٥).
بالطَّلاقِ أنْ لا تَخرجَ حتى يَأذنَ لها فأذِنَ لها مَرةً سقَطَت اليَمينُ؛ لأنَّ «حتى» للغايةِ، قالَ الله تَعالى: ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)﴾ [القدر: ٥] واليَمينُ يَتوقتُ بالتَّوقيتِ، ومَن حُكمِ الغايةِ أنْ يَكونَ ما بعدَها بخِلافِ ما قبلَها فإذا انتَهَت اليَمينُ بالإِذنِ مَرةً لَم يَحنَثْ بعدَ ذلك، وإنْ خرَجَت بغيرِ إذنِه إلا أنْ يَنويَ الإذنَ في كلِّ مَرةٍ فحينَئذٍ يَكونُ مُشدِّدًا الأمرَ على نَفسهِ بلفظٍ يَحتَملُه.
ولو قالَ: «لا تَخرُجي إلا بإذنِي» فلا بدَّ مِنْ الإذنِ لكلِّ مَرةٍ حتى إذا خرَجَت مَرةً بغيرِ إذنِه حنِثَ؛ لأنَّه استَثنَى خُروجًا بصِفةٍ وهو أنْ يَكونَ بإذنِه، فإنَّ الباءَ للإِلصاقِ فكلُّ خُروجٍ لا يَكونُ بتلكَ الصِّفةِ كانَ شرطَ الحِنثِ، ومَعنى كَلامِه إلا مُستَأذِنَة، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم: ٦٤] أي: مَأموِرينَ بذلك، ونَظيرُه «إنْ خَرجتِ إلا بقِناعٍ أو إلا بملاءَةٍ» فإذا خرَجَت مَرةً بغيرِ قِناعٍ أو بغيرِ ملاءَةٍ حنِثَ ولا يَحنثُ بخُروجِها بوُقوعِ غرقٍ أو حرقٍ غالِبٍ فيها.
إلا أنَّه إنْ نَوى الإذنَ مَرةً صُدقَ دِيانةً؛ لأنَّه مُحتَملٌ كَلامُه لا قَضاءَ؛ لأنَّه خِلافُ الظاهِرِ وهو قولُ أَبي يُوسفَ وعليه الفَتوى والحِيلةُ في ذلك أنْ يَقولَ لها: «كُلَّما أَردتِ الخُروجَ فقد أَذنتُ لك».
فأما إذا قالَ: «إلا أنْ آذنَ لها» فهذا بمَنزلتِه «حتى» إذا وُجدَ الإِذنُ مَرةً لا يَبقى اليَمينُ فيه؛ لأنَّ «إلا أنْ» بمَعنى «حتى» فيما يتوَقتُ، قالَ الله تَعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦] أي أنْ يُحاطَ بكم (١).
(١) «المبسوط» (٨/ ١٧٣)، و «مجمع الأنهر» (٢/ ٢٨٦)، و «تنقيح الفتاوى الحامدية» (١/ ٣٢٤).
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الأيمان
باب من حلف على امرأته لا تخرج إلا بإذنه
بَابُ مَنْ حَلَفَ عَلَى امْرَأَتِهِ لَا تَخْرُجُ إلا بإذنه
(مسألة:)
قال الشافعي: " مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طالقٌ إِنْ خَرَجْتِ إِلَّا بِإِذْنِي أَوْ حَتَّى آذَنَ لَكِ فَهَذَا عَلَى مرةٍ واحدةٍ وَإِذَا خَرَجَتْ بِإِذْنِهِ فَقَدَ بَرَّ وَلَا يَحْنَثُ ثَانِيَةً إِلَّا أَنْ يَقُولَ كُلَّمَا خَرَجْتِ إِلَّا بِإِذْنِي فَهَذَا عَلَى كُلِّ مرةٍ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ أَلْفَاظَ يَمِينِهِ إِذَا حَلَفَ عَلَى زَوْجَتِهِ أَنْ لَا تَخْرُجَ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: مَا اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهَا تَنْعَقِدُ عَلَى مَرَّةٍ واحدة، ولا توجب التكرار، وذلك لفظتنا " إِلَى " وَ " حَتَّى " .
فَإِذَا قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ خَرَجْتِ إِلَى أَنْ آذَنَ لَكِ، أَوْ حَتَّى آذَنَ لَكِ، فَتَنْعَقِدُ يَمِينُهُ عَلَى خُرُوجِهَا مَرَّةً وَاحِدَةً بِإِذْنِهِ، فَإِنْ خَرَجَتْ مَرَّةً وَاحِدَةً بِإِذْنِهِ بَرَّ، وَانْحَلَّتْ يَمِينُهُ وَلَا يَحْنَثُ، وَإِنْ خَرَجَتْ بَعْدَ ذَلِكَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْعِلَّةِ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ فِي الْحُكْمِ. فَعَلَّلَ أصحاب أبي حنيفة بأنهما لفظتان غاية ارتفع حكمها بانقضائها.
وَعَلَّلَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ بِأَنَّهُمَا لَمَّا لَمْ يَتَكَرَّرَا فِي الْحِنْثِ لَمْ يَتَكَرَّرَا فِي الْبِرِّ.
وَتَأْثِيرُ هَذَا الِاخْتِلَافِ فِي التَّعْلِيلِ يَتَبَيَّنُ فِي الْقِسْمِ الثَّالِثِ، فَهَذَا حُكْمُ الْقِسْم الْأَوَّل.
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الأيمان
فصل في الحلف على الكلام
بَطَلَ الْيَمِينُ فَلَا يَحْتَمِلُ الْعَوْدَ، وَعَلَى هَذَا قَالُوا فِي عَامِلٍ اسْتَحْلَفَ رَجُلًا أَنْ يَرْفَعَ إلَيْهِ كُلُّ مَنْ عَلِمَ بِهِ مِنْ فَاسِقٍ أَوْ دَاعِرٍ أَوْ سَارِقٍ فِي مَحَلَّتِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى عُزِلَ الْعَامِلُ عَنْ عَمَلِهِ ثُمَّ عَلِمَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَرْفَعَهُ وَقَدْ خَرَجَ عَنْ يَمِينِهِ، وَبَطَلَتْ عَنْهُ لِأَنَّهَا تَقَيَّدَتْ بِحَالِ عَمَلِهِ بِدَلَالَةِ الْغَرَضِ؛ لِأَنَّ غَرَضَ الْعَامِلِ أَنْ يَرْفَعَ إلَيْهِ مَادَامَ وَالِيًا فَإِذَا زَالَتْ وِلَايَتُهُ ارْتَفَعَتْ الْيَمِينُ فَإِنْ عَادَ الْعَامِلُ عَامِلًا بَعْدَ عَزْلِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنْ يَرْفَعَ ذَلِكَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ قَدْ بَطَلَتْ فَلَا تَعُودُ سَوَاءٌ عَادَ عَامِلًا بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَعُدْ، وَلَوْ كَانَ الْحَالِفُ عَلِمَ بِبَعْضِ مَا اُسْتُحْلِفَ عَلَيْهِ فَأَخَّرَ رَفْعَ ذَلِكَ حَتَّى عُزِلَ الْعَامِلُ حَنِثَ فِي يَمِينِهِ، وَلَمْ يَنْفَعْهُ رَفْعُ ذَلِكَ إلَيْهِ بَعْدَ عَزْلِهِ؛ لِأَنَّ الرَّفْعَ تَقَيَّدَ بِحَالِ قِيَامِ الْوِلَايَةِ، فَإِذَا زَالَتْ الْوِلَايَةُ فَقَدْ فَاتَ شَرْطُ الْبِرِّ.
قَالَ مُحَمَّدٌ فِي الزِّيَادَاتِ: إلَّا أَنْ يَعْنِيَ أَنْ يَرْفَعَ إلَيْهِمْ عَلَى كُلِّ حَالٍ فِي السُّلْطَانِ وَغَيْرِهِ، وَأَدِينُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ ﷿ وَفِي الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ نَوَى ظَاهِرَ كَلَامِهِ وَهُوَ الْعُمُومُ فَيُصَدَّقُ دِيَانَةً وَقَضَاءً.
ارجع إلى حكم من حرم على نفسه شيئا للاطلاع على جميع المسائل.