إخراج القيمة في كفارة اليمين

الإسلام > الأيمان والمواريث > كفارة اليمين > إخراج القيمة في كفارة اليمين

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 13 دقيقة قراءة

إخراج القيمة في كفارة اليمين - الأقوال والأدلة

وذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه يَجوزُ أنْ يُطعِمَ المُكلَّفُ بَعضًا مِنْ العَشَرةِ ويَكسوَ بَعضًا منهم؛ لأنَّ اللَّهَ تَعالى خيَّرَ مَنْ وجَبَت عليه الكَفارةُ بينَ الإِطعامِ والكِسوةِ فكانَ مَرجِعُهما إلى اختِيارِه في العَشرةِ وفي بَعضِهم (١).

إِخراجُ القيمةِ في كَفارةِ اليَمينِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ جَوازِ إِخراجِ القيمةِ في كَفارةِ اليَمينِ هل يَجوزُ أو لا؟

فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّه تَجوزُ القيمةُ في الكِسوةِ والطَّعامِ؛ لأنَّ المَقصودَ فيه حُصولُ النَّفعِ للمَساكينِ بهذا القَدْرِ مِنْ المالِ ويَحصُلُ لهم مِنْ النَّفعِ بالقيمةِ مِثلُ حُصولِه بالطَّعامِ والكِسوةِ، ولمَّا صحَّ إِعطاءُ القيمةِ في الزِّكواتِ مِنْ جِهةِ الآثارِ والنَّظرِ وجَبَ مِثلُه في الكَفارةِ؛ لأنَّ أحَدًا لم يُفرِّقْ بَينَهما، ومع ذلك فليسَ يَمتنِعُ إِطلاقُ الاسمِ على مَنْ أَعطى غَيرَه دَراهمَ يَشتَري بها ما يَأكلُه ويَلبَسُه بأنْ يُقالَ: قد أطعَمَه وكَساه، وإذا كانَ إِطلاقُ ذلك سائِغًا انتَظمَه لَفظُ الآيةِ، ألَا تَرى أنَّ حَقيقةَ الإِطعامِ أنْ يُطعِمَه إِياه بأنْ يُبيحَه له فيَأكُلَه، ومعَ

(١) «مختصر اختلاف العلماء» (٣/ ٢٤٧)، و «التجريد» للقدوري (١٠/ ٥١٤٩)، و «بدائع الصنائع» (٥/ ١٠٦)، و «البحر الرائق» (٤/ ١١٧)، و «الإفصاح» (٢/ ٣٨٨)، و «المغني» (١٠/ ٢٠)، و «شرح الزركشي» (٣/ ٣٣١)، و «المبدع» (٩/ ٢٧٧)، و «الإنصاف» (١١/ ٣٩، ٤٠)، و «كشاف القناع» (٦/ ٣٠٨).

ذلك فلو ملَّكَه إِياه ولم يَأكُلْه المِسكينُ وباعَه أجَزأَه وإنْ لم يَتَناوَلْه حَقيقةُ اللَّفظِ بحُصولِ المَقصِدِ في وُصولِ هذا القَدْرِ مِنْ المالِ إليه، وإنْ لم يُطعِمْه ولم يَنتفِعْ به مِنْ جِهةِ الأكلِ، وكذلك لو أَعطاه كِسوةً فلم يَكتَسِ بها وباعَها، وإنْ لم يَكنْ له كاسيًا بإِعطائِه إذ كانَ مُوصِّلًا إليه هذا القَدرَ مِنْ المالِ بإِعطائِه إياه؟ ثبَتَ بذلك أنَّه ليسَ المَقصِدُ حُصولَ المَطعَمِ والاكتِساءِ وأنَّ المَقصِدَ وُصولُه إلى هذا القَدْرِ مِنْ المالِ، فلا يَختلِفُ حينَئِذٍ حُكمُ الدَّراهِمِ والثِّيابِ والطَّعامِ، ألَا تَرى أنَّ النَّبيَّ قدَّرَ في صَدقةِ الفِطرِ نِصفَ صاعٍ مِنْ بُرٍّ أو صاعًا مِنْ تَمرٍ أو شَعيرٍ ثم قالَ: «أغنوهم عن المَسألةِ في هذا اليَومِ»، فأخبَرَ أنَّ المَقصودَ حُصولُ الغِنى لهم عن المَسألةِ، لا مِقدارُ الطَّعامِ بعَينِه؛ إذ كانَ الغِنى عن المَسألةِ يَحصُلُ بالقيمةِ كحُصولِه بالطَّعامِ (١).

وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يُجزِئُ في الكَفارةِ إِخراجُ قيمةِ الطَّعامِ ولا الكِسوةِ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] هذا ظاهِرٌ في عَينِ الطَّعامِ والكِسوةِ فلا يَحصُلُ التَّكفيرُ بغَيرِه؛ لأنَّه لم يُؤَدِّ الواجِبَ إذا لم يُؤَدِّ ما أمَرَه اللَّهُ بأدائِه، ولأنَّ اللَّهَ تَعالى خَيَّرَ بينَ ثَلاثةِ أشياءَ، ولو جازَت القيمةُ لم يَنحَصِرِ التَّخييرُ في الثَّلاثةِ، ولأنَّه لو أُريدَت القيمةُ لم يَكُنْ للتَّخييرِ مَعنًى؛ لأنَّ قيمةَ الطَّعامِ إنْ ساوَت قيمةَ الكِسوةِ فهُما شَيءٌ واحِدٌ، فكَيفَ يُخيِّرُ بينَهما؟ وإنْ زادَت قيمةُ أحَدِهما على الآخَرِ فكَيفَ يُخيِّرُ بينَ

(١) «أحكام القرآن» (٤/ ١١٩، ١٢٠)، و «مختصر اختلاف العلماء» (٣/ ٢٤٨)، و «بدائع الصنائع» (٥/ ١٠٥، ١٠٦)، و «الجوهرة النيرة» (٦/ ٢٥، ٢٦).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الأيمان
باب الإطعام في الكفارة في البلدان كلها ومن له أن يطعم وغيره

بَابُ الْإِطْعَامِ فِي الْكَفَّارَةِ فِي الْبُلْدَانِ كُلِّهَا ومن له أن يطعم وغيره

(مسألة:)

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَيُجْزِئُ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينُ مُدٌّ بمدِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَإِنَّمَا قُلْنَا يُجْزِئُ هَذَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أُتي بِعَرَقٍ فِيهِ تمرٌ فَدَفَعَهُ إِلَى رجلٍ وَأَمَرَهُ أَنْ يُطْعِمَهُ سِتِّينَ مِسْكِينًا وَالْعَرَقُ فِيمَا يقدر خمسة عشرة صَاعًا وَذَلِكَ سِتُّونَ مُدًا فِلِكُلِّ مسكينٍ مدٌّ فِي كُلِّ بلادٍ سواءٌ " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الْكَفَّارَاتِ تَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ:

قِسْمٌ وَجَبَ عَلَى التَّرْتِيبِ فِي جَمِيعِهِ.

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الأيمان
١٧٨١ - مسألة؛ قال: (والكفارة إنما تلزم من حلف يريد عقد اليمين)

كَوْنِها غيرَ مُنْعَقِدَةٍ، أَنَّها لا تُوجِبُ بِرًّا، ولا يُمْكِنُ فيها، ولأنَّه قارَنَها ما يُنافِيها، وهو الحنثُ، فلم تَنْعَقِدْ، كالنِّكاحِ الذى قارَنَه الرَّضاعُ، ولأنَّ الكَفَّارَةَ لا تَرْفَعُ إثْمَها، فلا تُشرَعُ فيها، ودليلُ ذلك أنَّها كبيرَةٌ، فإنَّه يُرْوَى عن النَّبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: "مِنَ الْكَبائِرِ الْإشْرَاكُ بِاللَّه، وعُقوقُ الْوَالِدَيْن، وقتْلُ النَّفْس، والْيَمِينُ الْغَمُوسُ" . روَاه البُخارِىُّ ، ورُوِىَ فيه: "خَمْسٌ مِنَ الْكَبائِرِ لا كَفَّارَةَ لَهُنَّ؛ الإشْرَاكُ بِاللَّهِ، والْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ، وبَهْتُ المُؤْمِنِ، وقَتْلُ المُسْلِمِ بِغَيْرِ حَقٍّ، والحَلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَاجِرَةٍ يَقْتَطِعُ بِها مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ" . ولا يصِحُّ القِياسُ على المُسْتَقْبَلةِ، لأَنّها يَمِينٌ مُنْعَقِدَةٌ، يُمْكِنُ حلُّها والبِرُّ فيها، وهذه غيرُ مُنْعَقِدَةٍ، فلا حَلَّ لها. وقولُ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينهِ، ولْيَأْتِ الَّذِى هُوَ خَيْرٌ" . يدلُّ على أَنَّ الكَفّارَةَ إنَّما تَجِبُ بالحَلِفِ على فِعْلٍ يفْعَله فيما يستَقْبلُه. قالَه ابنُ المُنْذِرِ.

١٧٨١ - مسألة؛ قال: (والْكَفَّارَةُ إِنَّمَا تَلْزَمُ مَنْ حَلَفَ يُرِيدُ عقْد الْيَمِينِ)

وجُمْلته أَنَّ الْيَمِينَ التى تَمُرُّ على لسانِه فى عُرْضِ حَدِيثِه، من غيرِ قَصْدٍ إليها، لا كَفَّارَةَ فيها، فى قولِ أكثرِ أهلِ العِلْمِ؛ لأَنَّها من لَغْوِ اليَمِينِ. نقلَ عبدُ اللَّه، عن أبيه، أنَّه قال: اللَّغْوُ عِنْدِى أَنْ يَحْلِفَ على الْيَمِينِ، يَرَى أنَّها كذلك، والرَّجُلُ يحْلِفُ فلا يَعْقِدُ قَلْبَه على شىءٍ. وممَّنْ قال: إنّ اللَّغْوَ اليَمِينُ التى لا يَعْقِدُ عليها قَلْبَه؛ عمرُ، وعائِشَةُ، رَضِىَ اللَّهُ

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الأيمان
فصل في حكم اليمين بالله تعالى

أُمُورٌ تَشْتَبِهُ فَإِنْ لَمْ فِي مَعْنَى فَلَمْ يُحْمَلُ عَلَى مُعْظَمِ مَعَانِي كَلَامِ النَّاسِ وَلَوْ قَالَ إنْ أَتَيْتَنِي فَلَمْ آتِكِ أَوْ إنْ زُرْتنِي فَلَمْ أَزُرْكَ أَوْ إنْ أَكْرَمْتَنِي فَلَمْ أُكْرِمْكَ فَهَذَا عَلَى الْأَبَدِ وَهُوَ فِي هَذَا الْوَجْهِ مِثْلُ فَإِنْ لَمْ لِأَنَّ الزِّيَارَةَ لَا تَتَعَقَّبُ الزِّيَارَةَ عَادَةً فَكَانَ الْمَقْصُودُ هُوَ الْفِعْلَ فَإِنْ قِيلَ أَتَيْتَنِي فَلَمْ آتِكِ فَالْأَمْرُ فِي هَذَا مُشْتَبِهٌ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى إنْ لَمْ آتِكَ قَبْلَ إتْيَانِكَ وَقَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى إنْ لَمْ آتِكَ بَعْدَ إتْيَانِك فَكَانَ مُحْتَمِلًا لِلْأَمْرَيْنِ فَيُحْمَلُ عَلَى مَا كَانَ الْغَالِبُ مِنْ مَعَانِي كَلَامِ النَّاسِ عَلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَهُوَ عَلَى مَا نَوَى أَيَّ ذَلِكَ نَوَى مِنْ قَبْلُ أَوْ بَعْدُ حَمْلًا عَلَى مَا نَوَى وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ يُلْحَقُ بِالْمُشْتَبِهِ الَّذِي لَا يُعْرَفُ لَهُ مَعْنًى.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 611 - 612

ارجع إلى كفارة اليمين للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
أستغفر الله