تقديم الكفارة على الحنث

الإسلام > الأيمان والمواريث > كفارة اليمين > تقديم الكفارة على الحنث

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 16 دقيقة قراءة

تقديم الكفارة على الحنث - الأقوال والأدلة

تَقديمُ الكَفارةِ على الحِنثِ:

أجمَعَ أهلُ العِلمِ على جَوازِ الحِنثِ قبلَ إخراجِ الكَفارةِ لقَولِ النَّبيِّ : «مَنْ حَلَفَ على يَمينٍ فرَأى غَيرَها خَيرًا منها فليَأتِ الذي هو خَيرٌ، وليُكَفِّرْ عن يَمينِه» (١).

قالَ الإمامُ ابنُ عَبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: وأجمَعوا على أنَّ الحِنثَ قبلَ الكَفارةِ مُباحٌ حَسَنٌ جائِزٌ وهو عِندَهم أوْلَى (٢).

وقالَ القاضِي عياضٌ رحمة الله عليه: قَولُه : «مَنْ حلَفَ على يَمينٍ فرَأى غَيرَها خَيرًا منها فليَأتِ الذي هو خَيرٌ، وليُكفِّرْ عن يَمينِه»، فيه حُجةٌ للكافَّةِ من الصَّحابةِ والتابِعينَ، وعُلماءِ الأَمصارِ في جَوازِ الحِنثِ قبلَ الكَفارةِ (٣).

وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ رحمة الله عليه: اختَلفَ العُلماءُ في تَقديمِ الكَفارةِ على الحِنثِ هل تُجزِئُ أو لا بَعدَ إِجماعِهم على أنَّ الحِنثَ قبلَ الكَفارةِ مُباحٌ حَسَنٌ، وهو عِندَهم أوْلَى (٤).

وقالَ الإمامُ النَّوَويُّ رحمة الله عليه: وأجمَعوا على أنَّه لا تَجِبُ عليه الكَفارةُ قبلَ الحِنثِ وعلى أنَّه يَجوزُ تأخيرُها عن الحِنثِ وعلى أنَّه لا يَجوزُ تَقديمُها على اليَمينِ (٥).

(١) أخرجه مسلم (١٦٥٠).
(٢) «التمهيد» (٢١/ ٢٤٤).
(٣) «إكمال المعلم» (٦/ ٥٥٢).
(٤) «تفسير القرطبي» (٦/ ٢٧٥).
(٥) «شرح صحيح مسلم» (١١/ ١٠٩).

إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلَفوا هل يَجوزُ له تَقديمُ الكَفارةِ على الحِنثِ أو لا يَجوزُ؟ على ثَلاثةِ أَقوالٍ:

القَولُ الأوَّلُ: هو مَذهبُ المالِكيةِ في المَشهورِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ وجَماهيرِ أهلِ العِلمِ، وهو مَذهَبُ أربَعةَ عَشرَ مِنْ الصَّحابةِ أنَّه يَجوزُ تَقديمُ الكَفارةِ على الحِنثِ لما رَواه مُسلِمٌ عن عَبدِ الرَّحمنِ بنِ سَمرةَ قالَ: قالَ لي رَسولُ اللَّهِ: «يا عبدَ الرَّحمنِ بنَ سَمرةَ … إذا حلَفتَ على يَمينٍ فرَأيتَ غَيرَها خَيرًا منها فكفِّرْ عن يَمينِكَ وائْتِ الذي هو خَيرٌ» (١)، وهذا نَصٌّ.

وقَولُ النَّبيِّ : «لا أحلِفُ على يَمينٍ فأَرى غَيرَها خَيرًا منها إلا كَفَّرتُ عن يَميني وأتَيتُ الذي هو خَيرٌ أو أتَيتُ الذي هو خَيرٌ وكَفَّرتُ عن يَميني» (٢). وهذا دَليلٌ على التَّخييرِ.

ولأنَّه كَفَّرَ عن يَمينِه بَعدَ عَقدِها فأشبَهَ أنْ يُكفِّرَ بعدَ الحِنثِ، ولِأنَّه مَعنًى يَرفَعُ حُكمَ اليَمينِ، فلم يَقِفْ ثُبوتُ حُكمِه على وُجوبِ الحِنثِ، أصلُه الاستِثناءُ، ولأنَّ الكَفارةَ أَقوى مِنْ الاستِثناءِ بدَليلِ أنَّه يَرفَعُ اليَمينَ مُنفَصِلةً ومُتَّصِلةً.

ولأنَّ اليَمينَ سَببُ الكَفارةِ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، فأضافَ الكَفارةَ إلى اليَمينِ، والمَعاني تُضافُ إلى أَسبابِها وأيضًا فإنَّ الكَفارةَ بَدلٌ عن البِرِّ فيَجوزُ تَقديمُها قبلَ الحِنثِ (٣).

(١) أخرجه مسلم (١٦٥٢).
(٢) أخرجه البخاري (٦٢٤٩، ٦٣٤٠)، ومسلم (١٦٤٩).
(٣) «المدونة الكبرى» (٣/ ١١٦، ١١٧)، و «التمهيد» (٢١/ ٢٤٧)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٤/ ٢٨١، ٢٨٢)، و «شرح صحيح البخاري» (٦/ ١٨٥، ١٨٦)، و «الاستذكار» (٥/ ١٩٦)، و «تفسير القرطبي» (٦/ ٢٧٥)، و «المغني» (٩/ ٤١١)، و «شرح الزركشي» (٣/ ٣١٢، ٣١٣)، و «منار السبيل» (٣/ ٤٢٢).

القَولُ الثانِي: مَذهبُ الحَنفيةِ والإمامِ مالِكٍ في رِوايةِ أشهَبَ عنه أنَّه لا يَجوزُ تَقديمُ الكَفارةِ على الحِنثِ؛ لأنَّه حَقٌّ في مالٍ يَتعلَّقُ بسَببٍ لحَقِّ اللهِ فلم يَجُزْ تَقديمُه على وَقتِ وُجوبِه كسائِرِ الكَفاراتِ، ولأنَّه لم يَحنَثْ فلم يَكنْ للكَفارةِ حُكمٌ، كما لو أخرَجَها قبلَ اليَمينِ، ولأنَّ الحِنثَ هو الموجِبُ للكَفارةِ فلا يَجوزُ أن يُؤخَذَ مِنْ غيرِ وُجوبِها.

ولأنَّ الكَفارةَ لسَتْرِ الجِنايةِ، ولا جِنايةَ قبلَ الحِنثِ؛ لأنَّها مَنوطةٌ به لا باليَمينِ؛ لأنَّه ذكَرَ اللَّهَ على وَجهِ التَّعظيمِ (١).

القَولُ الثالِثُ: هو مَذهبُ الشافِعيةِ أنَّه يَجوزُ تَقديمُ الكَفارةِ قبلَ الحِنثِ بالإِطعامِ والكِسوةِ والعِتقِ، ولا تُجزِئُ بالصَّومِ، فلا يَجوزُ قبلَ الحِنثِ؛ لأنَّه عِبادةٌ بَدَنيةٌ فلا يَجوزُ تَقديمُها على وَقتِها كالصَّلاةِ وصَومِ رَمضانَ، وأمَّا التَّكفيرُ بالمالِ فيَجوزُ تَقديمُه كما يَجوزُ تَعجيلُ الزَّكاةِ.

قالَ الإمامُ الشافِعيُّ: فمَن حلَفَ على شَيءٍ فأرادَ أن يَحنَثَ فأحَبُّ إلَيَّ لو لم يُكفِّرْ حتى يَحنَثَ، وإن كفَّرَ قبلَ الحِنثِ بإِطعامٍ رَجوتُ أنْ يُجزِئَ

(١) «الهداية» (٢/ ٧٥)، و «شرح فتح القدير» (٥/ ٨٤)، و «العناية شرح الهداية» (٦/ ٤٧٩)، و «الجوهرة النيرة» (٦/ ٢٩)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٤/ ٢٨١، ٢٨٢)، و «شرح صحيح البخاري» (٦/ ١٨٥، ١٨٦)، و «الاستذكار» (٥/ ١٩٦)، و «تفسير القرطبي» (٦/ ٢٧٥).

عنه، وإن كفَّرَ بصَومٍ قبلَ الحِنثِ لم يُجْزِ عنه، وذلك أنا نَزعُمُ أنَّ للَّهِ تبارك وتعالى حَقًّا على العِبادِ في أنفُسِهم وأَموالِهم، فالحَقُّ الذي في أَموالِهم إذا قدَّموه قبلَ مَحَلِّه أجزَأهم، وأصلُ ذلك أنَّ النَّبيَّ تَسَلَّفَ مِنْ العَباسِ صَدَقةَ عامٍ قبلَ أن يَدخُلَ، وأنَّ المُسلِمينَ قد قَدَّموا صَدقةَ الفِطرِ قبلَ أنْ يَكونَ الفِطرُ، فجَعَلنا الحُقوقَ التي في الأَموالِ قِياسًا على هذا، فأمَّا الأَعمالُ التي على الأَبدانِ فلا تُجزئُ إلا بعدَ مَواقيتِها، كالصَّلاةِ التي لا تُجزئُ إلا بعدَ الوَقتِ، والصَّومِ الذي لا يُجزِئُ إلا في الوَقتِ، أو القَضاءِ بعدَ الوَقتِ في الحَجِّ الذي لا يُجزِئُ العَبدَ ولا الصَّغيرَ مِنْ حَجةِ الإِسلامِ؛ لأنَّهما حَجَّا قبلَ أنْ يَجبَ عليهما (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ: الفَصلُ الثالِثُ: مَتى تَرفَعُ الكَفارةُ الحِنثَ؟ وكم تَرفَعُ؟ وأمَّا مَتى تَرفَعُ الكَفارةُ الحِنثَ وتَمحوه فإنَّهم اختَلَفوا في ذلك، فقالَ الشافِعيُّ: إذا كفَّرَ بعدَ الحِنثِ أو قَبلَه فقد ارتَفعَ الإثمُ، وقالَ أَبو حَنيفةَ: لا يَرتفِعُ الحِنثُ إلا بالتَّكفيرِ الذي يَكونُ بعدَ الحِنثِ، لا قَبلَه، ورُويَ عن مالِكٍ في ذلك القَولانِ جَميعًا.

وسَببُ اختِلافِهم شَيئانِ، أحَدُهما: اختِلافُ الرِّوايةِ في قَولِه : «مَنْ حلَفَ على يَمينٍ فرَأى غَيرَها خَيرًا منها فليَأتِ الذي هو خَيرٌ وليُكَفِّرْ عن يَمينِه» فإنَّ قَومًا رَوَوه هكذا، وقَومًا روَوه: «فليُكفِّرْ عن يَمينِه وليَأتِ

(١) «الأم» (٧/ ٦٣)، و «الحاوي الكبير» (١٥/ ٢٩٠، ٢٩١)، و «شرح صحيح مسلم» (١١/ ١٠٩).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الأيمان
باب الكفارة قبل الحنث وبعده

بَابُ الْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْحِنْثِ وَبَعْدَهُ

(مَسْأَلَةٌ:)

قَالَ الشَّافِعِيُّ: رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَمَنْ حَلَفَ عَلَى شيءٍ وَأَرَادَ أَنْ يَحْنَثَ فَأَحَبُّ إِلَيَّ لَوْ لَمْ يُكَفِّرْ حَتَّى يَحْنَثَ فَإِنْ كَفَّرَ قَبْلَ الْحِنْثِ بِغَيْرِ الصِّيَامِ أَجْزَأَهُ وَإِنْ صَامَ لَمْ يُجْزِهِ لأنا نزعم أن لله على العباد حقاً في أموالهم وتسلف النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - من العباس صدقة عامٍ قبل أن يدخل وإن المسلمين قدموا صدقة الفطر قبل أن يكون الفطر فجعلنا الحقوق في الأموال قياساً على هذا فأما الأعمال التي على الأبدان فلا تجزئ إلا بعد مواقيتها كالصلاة والصوم " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ تَجِبُ عَلَى ماضٍ وَمُسْتَقْبَلٍ، فَأَمَّا الْيَمِينُ عَلَى ماضٍ فَالْكَفَّارَةُ فِيهِ وَاجِبَةٌ بِعَقْدِ الْيَمِينِ وَحْدَهُ إِذَا كَانَتْ كَذِبًا، وَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ الْكَفَّارَةِ فِيهَا قَبْلَ وُجُوبِهَا؟ سَوَاءٌ كَفَّرَ بِإِطْعَامٍ أَوْ صِيَامٍ، لِأَنَّهَا لَا تَجِبُ إِلَّا بِسَبَبٍ واحدٍ، وَهُوَ عَقْدُ الْيَمِينِ، وَأَمَّا الْيَمِينُ عَلَى مستقبلٍ فَالْكَفَّارَةُ فِيهَا وَاجِبَةٌ بِعَقْدِ الْيَمِينِ، وَالْحِنْثِ فَتَعَلَّقَ وُجُوبُهَا بِسَبَبَيْنِ عَقَدٍ وَحِنْثٍ، وَلَهُ فِي التَّكْفِيرِ بِهَا ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ:

أَحَدُهَا: أَنْ يُكَفِّرَ قَبْلَ الْيَمِينِ وَالْحِنْثِ فَلَا تُجْزِئُهُ سَوَاءٌ كَفَّرَ بمالٍ أَوْ صيامٍ لِفَقْدِ كُلٍّ وَاحِدٍ مِنَ السَّبَبَيْنِ كَمَا لَا يُجْزِئُهُ إِذَا عَجَّلَ زَكَاةَ مَالِهِ قَبْلَ مِلْكِ النِّصَابِ وَالْحَوْلِ.

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الأيمان
١٧٩٦ - مسألة؛ قال: (ومن حلف فهو مخير فى الكفارة قبل الحنث وبعده، وسواء كانت الكفارة صوما،

الجَرْحِ وقبلَ الزُّهُوقِ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: العَجبُ من أصْحابِ أبى حنيفةَ، أجازُوا تَقْديمَ الزَّكاةِ من غيرِ أَنْ يَرْوُوا فيها مثلَ هذه الآثارِ الوارِدَةِ فى تَقْديمِ الكَفَّارَةِ، ويأبَون تقديمَ الكفَّارَةِ مع كَثْرةِ الرِّوايَةِ الوارِدَةِ فيها، والحُجَّةُ فى السُّنَّةِ، ومَنْ خالَفَها مَحْجُوجٌ بها. فأمَّا أصْحابُ الشافعِىِّ فهم مَحْجُوجُون بالأَحادِيثِ، مع أنَّهم قد احْتَجُّوا بها فى البَعْضِ، وخالَفُوها فى البعض، وفَرَّقُوا بينَ ما جَمَعَ بينَه النَّصُّ. ولأنَّ الصِّيامَ نَوْعُ تَكْفيرٍ، فجازَ قبلَ الحِنْثِ، كالتَّكْفيرِ بالمالِ، وقياسُ الكَفَّارَةِ على الكفّارَةِ، أوْلَى من قياسِها على الصّلاةِ المَفْروضَةِ بأصْلِ الوَضْعِ.

فصل: فأمَّا التَّكْفيرُ قبلَ اليَمِينِ، فلا يجوزُ عندَ أَحَدٍ من العُلَماءِ؛ لأنَّه تَقْديمٌ للحُكْمِ قبلَ سَبَبِه، فلم يَجُزْ، كتَقْديمِ الزَّكاةِ قبلَ مِلْكِ النِّصابِ، وكَفَّارَةِ القَتْلِ قبل الجَرْحِ.

فصل: والتَّكْفيرُ قبلَ الحِنْثِ وبعدَه سَواءٌ فى الفَضِيلَةِ. وقال ابنُ أبى موسى: بعدَه أَفْضَلُ عندَ أحمدَ. وهو قولُ الشافعِىِّ، ومالِكٍ، والثَّوْرِىِّ، لما فيه من الْخُروجِ منِ الخِلافِ، وحُصولِ اليَقِينِ ببَراءَةِ الذِّمَّةِ. ولَنا، أَنَّ الأحادِيثَ الوارِدَةَ فيه، فيها التقديمُ مرَّةً والتَّأْخِيرُ أُخْرَى، وهذا دليلُ التَّسْوِيَةِ، ولأنَّه تَعْجِيلُ مالٍ يجوزُ تَعْجِيلُه قبلَ وُجوبِه، فلم يكُنِ التَّأْخِيرُ أفضلَ، كتَعْجيلِ الزَّكاةِ وكفَّارَةِ القَتْلِ، وما ذكَرُوه مُعارَضٌ بِتَعْجِيلِ النَّفْعِ للفقراءِ، والتَّبَرُّعِ بما لم يَجِبْ عليه، وعلى أَنَّ الخِلافَ المُخالِفَ للنُّصوصِ لا يُوجِبُ تَفْضِيلَ المُجْمَعِ عليه، كتَرْكِ الجَمْعِ بين الصَّلاتَيْن.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 617 - 620

ارجع إلى كفارة اليمين للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.2 / 29.5
الإضاءة 37%
البدر بعد 9 يوم
الله أكبر