الإسلام > الأيمان والمواريث > كفارة اليمين > مقدار الإطعام لكل يوم
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 29 دقيقة قراءةوذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّه لا يَجِبُ التَّتابُعُ في صَومِ الكَفارةِ؛ لأنَّ الأمرَ بالصَّومِ مُطلَقٌ، ولا يَجوزُ تَقييدُه إلا بدَليلٍ، ولأنَّه صامَ الأيامَ الثَّلاثةَ، فلم يَجِبِ التَّتابُعُ فيها كصيامِ المُتمتِّعِ ثَلاثةَ أيامٍ في الحَجِّ، ولأنَّ الصَّحابيَّ إنَّما نقَلَ ذلك على كَونِه قُرآنًا، وإذا لم يَثبُتْ كَونُه قُرآنًا سقَطَ اعتِبارُه رَأسًا (١).
مِقدارُ الإطعامِ لكلِّ يَومٍ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في القَدرِ المُجزِئِ مِنْ الإِطعامِ لكُلِّ مِسكينٍ كلَّ يَومٍ، هل هو نِصفُ صاعٍ أو صاعٌ -كما يَقولُ الحَنفيةُ-؟ أو مُدٌّ هاشِميٌّ -كما يَقولُ المالِكيةُ-؟ أو مُدٌّ بمُدِّ النَّبيِّ ﷺ كما يَقولُ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ-؟ أو أنَّه غيرُ مُقدَّرٍ والرُّجوعُ فيه إلى العُرفِ -كما يَقولُ ابنُ تَيميةَ وابنُ القَيِّمِ؟
فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ الواجِبَ إخراجُه -لكلِّ مِسكينٍ- نِصفَ صاعٍ مِنْ بُرٍّ أو صاعًا مِنْ تَمرٍ أو شَعيرٍ؛ لما رُويَ عن عُمرَ رضي الله عنه أنَّه قالَ ليَسارِ ابنِ نُمَيرٍ: «إنِّي أحلِفُ ألَّا أُعطيَ أَقوامًا شَيئًا، ثم يَبدو لي فأفعَلُ، فإذا رَأيتَني فَعَلتُ ذلك فأطعِمْ عنِّي عَشَرةَ مَساكينَ كلَّ مِسكينٍ نِصفَ صاعٍ مِنْ بُرٍّ أو صاعًا مِنْ تَمرٍ أو شَعيرٍ» (٢).
(١) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٤/ ٣١٨، ٣١٩)، رقم (١٦٦٩)، و «الحاوي الكبير» (١٥/ ٣٢٩، ٣٣٠)، و «البيان» (١٠/ ٥٩١، ٥٩٢)، و «مغني المحتاج» (٦/ ٢١٣)، و «الإفصاح» (٢/ ٣٨٣، ٣٨٤)، و «المغني» (١٠/ ١٥)، و «شرح الزركشي» (٣/ ٣٢٨).
(٢) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (١٢١٩٤)، وعبد الرزاق في «مصنفه» (١٦٠٧٥)، و «الطحاوي في شرح معاني الآثار» (٣/ ١٢١)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١٩٧٦٣).
ورُويَ عن عَليٍّ مِثلُ ذلك.
أو يُخرِجُ قيمةَ ذلك مِنْ غيرِ الأَعدادِ المَنصوصةِ مُطلَقًا، وأما في الأَعدادِ المَنصوصةِ فلا يَجوزُ أداؤُها قيمةً إذا كانَت أقَلَّ قَدرًا مما قَدَّرَه الشَّرعُ.
وإنْ كانَت أكثَرَ مِنْ الآخَرَ أو مِثلَه قيمةً، حتى لو أدَّى نِصفَ صاعٍ مِنْ تَمرٍ جيِّدٍ تَبلغُ قيمَتُه نِصفَ صاعٍ مِنْ حِنطةٍ، لا يَجوزُ، وكذا لو أدَّى أقَلَّ مِنْ نِصفِ صاعٍ حِنطةً تَبلغُ قيمَتُه صاعًا مِنْ تَمرٍ أو شَعيرٍ، لا يَجوزُ؛ إذِ الأصلُ فيه أنَّ كلَّ جِنسٍ مَنصوصٌ عليه مِنْ الطَّعامِ لا يَكونُ بَدَلًا عن جِنسٍ آخَرَ مَنصوصٍ عليه، وإنْ كانَ في القيمةِ أكثَرَ؛ لأنَّه لا اعتِبارَ لمَعنى النَّصِّ في المَنصوصِ عليه، وإنَّما الاعتِبارُ له في غَيرِه.
فإنْ أعطَى مَنًّا مِنْ بُرٍّ ومَنوَينِ مِنْ تَمرٍ أو شَعيرٍ جازَ؛ لحُصولِ المَقصودِ؛ إذ الجِنسُ مُتَّحِدٌ.
وإنْ غَدَّاهم وعَشَّاهم جازَ، قَليلًا كانَ ما أَكلوا أو كَثيرًا؛ لأنَّ المَنصوصَ عليه هو الإِطعامُ، وهو حَقيقةٌ في التَّمكينِ مِنْ الطُّعمِ، وفي الإِباحةِ ذلك كما في التَّمليكِ، ولو كانَ فيمَن عَشَّاهم صَبيٌّ فَطيمٌ لا يُجزئُه؛ لأنَّه لا يَستَوفي كامِلًا، ولا بدَّ مِنْ الإدامِ في خُبزِ الشَّعيرِ؛ ليُمكِنَه الاستيفاءُ إلى الشِّبعِ، وفي خُبزِ الحِنطةِ لا يُشتَرطُ الإدامُ.
والمُعتبَرُ في التَّمكينِ أَكلَتانِ مُشبِعتانِ، إما الغَداءُ والعَشاءُ وإما غَداءانِ أو عَشاءانِ لكُلِّ مِسكينٍ، فإنَّ المُعتبَرَ حاجةُ اليَومِ، وذلك بالغَداءِ والعَشاءِ.
وإذا غَدَّى خَمسةً وعَشَّى خَمسةً آخَرينَ لا يَجوزُ، وعليه أن يُطعِمَ إِحدى الفِرقتَينِ أكلةً مُشبِعةً (١).
وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنّ مِقدارَ كَفارةِ اليَمينِ تَمليكُ عَشرةِ مَساكينَ أَحرارٍ مُسلِمينَ ولو كانوا صِغارًا، يُعطي لكُلِّ واحِدٍ مِنهم مُدًّا مِنْ أوسَطِ طَعامِ الأهلِ بمُدِّ النَّبيِّ ﷺ لا أقَلَّ، أو رِطلَينِ مِنْ تَمرٍ أو زَبيبٍ أو لَحمٍ، ويُجزِئُ إِشباعُهم مَرَّتَينِ كغَداءٍ وعَشاءٍ في يَومٍ أو أكثَرَ (٢).
وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّ الدَّفعَ المُبرِئَ له هو أنْ يَدفَعَ إلى كلِّ مِسكينٍ مُدًّا مِنْ جِنسِ الحَبِّ الذي يَكونُ فُطرةً، فتَخرُجُ مِنْ غالِبِ قُوتِ بَلَدِ المُكفِّرِ، ويَقولُ: «خُذْه، أو كُلْه، أو أبَحتُه لك».
وإنْ جمَعَ عَشرةً وغَدَّاهم وعَشَّاهم لم يُجزِئْه؛ لأنَّ الواجِبَ عليه دَفعُ الحَبِّ، وهذا لم يَدفعِ الحَبَّ، ولأنَّه لا يَتحقَّقُ أنَّ كلَّ واحِدٍ منهم أكَلَ قَدْرَ حَقِّه، وهو يَشُكُّ في إِسقاطِ الغَرَضِ عن ذِمَّتِه، والأصلُ بَقاؤُه (٣).
(١) «المبسوط» (٧/ ١٦)، و «تحفة الفقهاء» (٢/ ٢١٥)، و «الهداية» (٢/ ٢١، ٢٢)، و «الاختيار» (٣/ ٢٠٣)، و (٤/ ٥٨)، و «العنية» (٦/ ٣٧، ٤٢)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٥٥١، ٥٥٣)، و (٦/ ٢٥)، و «اللباب» (٢/ ١٣٠، ١٣١).
(٢) «شرح مختصر خليل» (٣/ ٥٩، ٦٠)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٢/ ٤٠٧، ٤٠٨)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٣٦٩، ٣٧٠).
(٣) «البيان» (١٠/ ٣٩٤، ٣٩٥، ٥٨٩)، و «روضة الطالبين» (٥/ ٦٢٨، ٦٢٩)، و «النجم الوهاج» (١٠/ ٣١)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٥٥)، و (٦/ ٢١١)، و «تحفة المحتاج» (٩/ ٦٩٨، ٦٩٩)، و «الديباج» (٣/ ٥٢١، ٥٢٢)، و (٤/ ٣٨٧).
وذهَبَ الحَنابِلةُ إلى أنَّ الواجِبَ في قَدْرِ الطَّعامِ في الكَفاراتِ كلِّها مُدٌّ مِنْ بُرٍّ لكلِّ مِسكينٍ، أو نِصفُ صاعٍ مِنْ تَمرٍ أو شَعيرٍ؛ لما رَواه الأثرَمُ بإِسنادِه عن أَبي هُريرةَ في حَديثِ المُجامِعِ في رَمضانَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ: «أُتيَ بعَرَقٍ فيه خَمسةَ عَشرَ صاعًا فقالَ: خُذْه وتَصدَّقْ به»، وإذا ثبَتَ في المُجامِعِ بالخَبَرِ ثبَتَ في غَيرِه بالقِياسِ عليه، ولأنَّه إِطعامٌ واجِبٌ لم يَختلِفْ باختِلافِ أَنواعِ المُخرَجِ كالفُطرةِ وفِديةِ الأَذى.
ولِما رَوى الإمامُ أحمدُ: ثَنا إِسماعيلُ ثَنا أيُّوبُ عن أَبي يَزيدَ المَدنِيِّ قالَ: جاءَتِ امرَأةٌ مِنْ بَني بَياضةَ بنِصفِ وَسقِ شَعيرٍ، فقالَ النَّبيُّ ﷺ للمُظاهِرِ: «أطعِمْ هذا، فإنَّ مُدَّيْ شَعيرٍ مَكانَ مُدِّ بُرٍّ» (١)، قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وهذا نَصٌّ، ويَدلُّ على أنَّه مُدُّ بُرٍّ أنَّه قَولُ زَيدٍ وابنِ عَباسٍ وابنِ عُمرَ وأَبي هُريرةَ، ولم نَعرِفْ لهم في الصَّحابةِ مُخالِفًا، فكانَ إِجماعًا، وعلى أنَّه نِصفُ صاعٍ مِنْ التَّمرِ والشَّعيرِ ما رَوى عَطاءُ بنُ يَسارٍ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ لخُوَيلةَ امرَأةِ أوسِ بنِ الصامِتِ: «اذهَبي إلى فُلانٍ الأَنصاريِّ، فإنَّ عندَه شَطرَ وَسقٍ مِنْ تَمرٍ أخبَرَني أنَّه يُريدُ أنْ يَتصدَّقَ به، فلتَأخُذيه فليَتصدَّقْ به على سِتِّينَ مِسكينًا»، وفي حَديثِ أوسِ بنِ الصامتِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إنِّي سَأعينُه بعَرَقٍ مِنْ تَمرٍ، قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، فإنِّي سَأعينُه بعَرَقٍ آخَرَ، قالَ: قد أحسَنتِ، اذهَبي فأَطعِمي بها عنه سِتِّينَ مِسكينًا وارجِعي إلى ابنِ عَمِّكِ»، ورَوى أبو داودَ بإِسنادِه عن أبي سَلَمةَ بنِ عَبدِ
(١) رواه البيقي في «السنن الكبرى» (٧/ ٣٩٢).
الرَّحمنِ أنَّه قالَ: «العَرَقُ زِنبيلٌ يأخُذُ خَمسةَ عَشرَ صاعًا»، فعَرقانِ يَكونانِ ثَلاثينَ صاعًا، يَكونُ لكلِّ مِسكينٍ نِصفُ صاعٍ، ولأنَّها كَفارةٌ تَشتمِلُ على صيامٍ وإِطعامٍ، كانَ لكلِّ مِسكينٍ نِصفُ صاعٍ مِنْ التَّمرِ والشَّعيرِ كفِديةِ الأَذى (١).
وقالَ البُهوتِيُّ رحمة الله عليه: والمُخرَجُ في الكَفارةِ ما يُجزِئُ في الفُطرةِ، وهو البُرُّ والشَّعيرُ ودَقيقُهما وسَويقُهما والتَّمرُ والزَّبيبُ والأقِطُ، فإنْ كانَ قُوتُ بَلَدِه غيرَ ذلك كالذُّرةِ والدَّخَنِ والأرُزِّ لم يَجُزْ إخراجُه؛ لأنَّ الخَبَرَ ورَدَ بإِخراجِ هذه الأَصنافِ في الفُطرةِ فلم يَجُزْ غَيرُها كما لو لم يَكنْ قُوتَ بَلَدِه، واختارَ أبو الخَطابِ والمُوفَّقُ وغَيرُهما: يُجزِئُ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، وإِخراجُ الحَبِّ أفضَلُ؛ للخُروجِ مِنْ الخِلافِ، وهي حالةُ كَمالِه؛ لأنَّه مُدَّخَرٌ ويَتهيَّأُ لمَنافِعِه كلِّها بخِلافِ غَيرِه.
ونقَلَ ابنُ هانِئٍ: التَّمرُ والدَّقيقُ أحَبُّ إلَيَّ مما سِواهما.
وفي «التَّرغيب»: التَّمرُ أعجَبُ إلى أحمدَ، قُلتُ: هو قِياسُ ما تَقدَّمَ في الفُطرةِ.
فإنْ أخرَجَ دَقيقًا جازَ، لكنْ يَزيدُ على المُدِّ قَدْرًا يَبلغُ المُدَّ حَبًّا، أو يُخرِجُه -أي الدَّقيقَ- بالوَزنِ رِطلًا عِراقيًّا وثُلُثًا؛ لأنَّ الحَبَّ تَتفرَّقُ أجزاؤُه بالطَّحنِ، فيَكونُ في مِكيالِ الحَبِّ أكثَرَ مما يَكونُ في مِكيالِ الدَّقيقِ.
ولا يُجزِئُ إِخراجُ خُبزٍ؛ لأنَّه خرَجَ عن الكَيلِ والادِّخارِ فأشبَهَ الهَريسةَ.
(١) «المغني» (٨/ ٢٤، ٢٥)، و «الكافي» (٣/ ٢٧٢)، و «المبدع» (٨/ ٦٧)، و «كشاف القناع» (٥/ ٤٥٠، ٤٥١)، و «منار السبيل» (٣/ ١٤٢، ١٤٢).
وعنه -واختارَه جَمعٌ مِنهم الخِرَقيُّ- قالَ القاضِي وأَصحابُه: الأوْلَى الجَوازُ.
وفي «المُغني»: هذا أحسَنُ -أي إِجزاءُ الخُبزِ-؛ لقَولِه تَعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، وهذا مِنْ أوسَطِ ما يُطعِمُ أهلَه، وليسَ الادِّخارُ مَقصودًا في الكَفارةِ؛ فإنَّها مُقدَّرةٌ بما يَقوتُ المِسكينَ في يَومِه، وهذا مُهيَّأٌ للأكلِ المُعتادِ للاقتِياتِ.
وأمَّا الهَريسةُ فإنَّها خرَجَت عن الاقتِياتِ المُعتادِ إلى حَيِّزِ الأُدمِ.
ولا يُجزِئُ مِنْ البُرِّ أقلُّ مِنْ مُدٍّ، ولا يُجزِئُ مِنْ التَّمرِ والشَّعيرِ والزَّبيبِ والأقِطِ أقلُّ مِنْ مُدَّينِ، ولا مِنْ خُبزِ البُرِّ أقلُّ مِنْ رِطلَينِ بالعِراقيِّ؛ لأنَّ الغالِبَ أنَّ ذلك لا يَبلُغُ مُدًّا.
ولا مِنْ خُبزِ الشَّعيرِ أقلُّ مِنْ أربَعةِ أَرطالٍ بالعِراقيِّ إنْ قُلنا بإِجزاءِ الخُبزِ.
إلا أنْ يَعلَمَ أنَّه -أي المُخرَجَ مِنْ الخُبزِ- مُدٌّ مِنْ البُرِّ أو مُدَّانِ مِنْ الشَّعيرِ فيُجزِئَ؛ لأنَّه الواجِبُ، ويُستحَبُّ إِخراجُ أُدمٍ مع المُجزِئِ، نَصَّ عليه (١).
وذهَبَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ وابنُ القَيِّمِ -رحمهما الله- إلى أنَّ الواجِبَ يُرجَعُ فيه إلى العُرفِ، وأنَّه غيرُ مُقدَّرٍ في الشَّرعِ.
قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: كَفارةُ اليَمينِ هي المَذكورةُ في سُورةِ المائِدةِ، قالَ تَعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾
(١) «كشاف القناع» (٥/ ٤٥٠، ٤٥١).
[المائدة: ٨٩]، فمَتى كانَ واجِدًا فعليه أنْ يُكفِّرَ بإحدى الثَّلاثِ، فإنْ لم يَجِدْ فصيامُ ثَلاثةِ أيامٍ، وإذا اختارَ أنْ يُطعِمَ عَشَرةَ مَساكينَ فله ذلك، «ومِقدارُ ما يُطعِمُ» مَبنيٌّ على أصلٍ، وهو أنَّ إطعامَهم هل هو مُقدَّرٌ بالشَّرعِ أو بالعُرفِ؟ فيه قَولانِ للعُلماءِ.
منهم مَنْ قالَ: هو «مُقدَّرٌ بالشَّرعِ» وهؤلاءِ على أَقوالٍ، منهم مَنْ قالَ: يُطعِمُ كلَّ مِسكينٍ صاعًا مِنْ تَمرٍ أو صاعًا مِنْ شَعيرٍ أو نِصفَ صاعٍ مِنْ بُرٍّ، كقَولِ أَبي حَنيفةَ وطائِفةٍ.
ومنهم مَنْ قالَ: يُطعِمُ كلَّ واحِدٍ نِصفَ صاعٍ مِنْ تَمرٍ وشَعيرٍ أو رُبعَ صاعٍ مِنْ بُرٍّ، وهو مُدٌّ، كقَولِ أَحمدَ وطائِفةٍ.
ومنهم مَنْ قالَ: بل يُجزِئُ في الجَميعِ مُدٌّ مِنْ الجَميعِ، كقَولِ الشافِعيِّ وطائِفةٍ.
«والقَولُ الثاني» أنَّ ذلك مُقدَّرٌ بالعُرفِ لا بالشَّرعِ؛ فيُطعِمُ أهلَ كلِّ بَلَدٍ مِنْ أوسَطِ ما يُطعِمونَ أهلِيهم قَدْرًا ونَوعًا، وهذا مَعنى ما رُويَ عن مالِكٍ، قالَ إِسماعيلُ بنُ إِسحاقَ: كانَ مالِكٌ يَرى في كَفارةِ اليَمينِ أنَّ المُدَّ يُجزِئُ بالمَدينةِ، قالَ مالِكٌ: وأمَّا البُلدانُ فإنَّ لهم عَيشًا غيرَ عَيشِنا، فأرى أنْ يُكَفِّروا بالوَسَطِ مِنْ عَيشِهم؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، وهو مَذهبُ داوُدَ وأصحابِه مُطلَقًا، والمَنقولُ عن أكثَرِ الصَّحابةِ والتابِعينَ هذا القَولُ؛ ولهذا كانوا يَقولونَ: الأوسَطُ خُبزٌ ولَبنٌ، خُبزٌ وسَمنٌ، خُبزٌ وتَمرٌ، والأَعلى خُبزٌ ولَحمٌ، وقد بَسَطنا الآثارَ عنهم
في غيرِ هذا المَوضعِ وبَيَّنَّا أنَّ هذا القَولَ هو الصَّوابُ الذي يَدُلُّ عليه الكِتابُ والسُّنةُ والاعتِبارُ، وهو قِياسُ مَذهبِ أحمدَ وأُصولِه، فإنَّ أصلَه أنَّ ما لم يُقدِّرْه الشارِعُ يُرجَعُ فيه إلى العُرفِ، وهذا لم يُقدِّرْه الشارِعُ، فيُرجَعُ فيه إلى العُرفِ، لا سيَّما مع قَولِه تَعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، فإنَّ أحمدَ لا يُقدِّرُ طَعامَ المَرأةِ والوَلَدِ ولا المَملوكِ، ولا يُقدِّرُ أُجرةَ الأَجيرِ المُستأجَرِ بطَعامِه وكِسوَتِه في ظاهِرِ مَذهَبِه، ولا يُقدِّرُ الضِّيافةَ الواجِبةَ عندَه قَولًا واحِدًا، ولا يُقدِّرُ الضِّيافةَ المَشروطةَ على أهلِ الذِّمةِ للمُسلِمينَ في ظاهِرِ مَذهبِه، هذا مع أنَّ هذه واجِبةٌ بالشَّرطِ، فكَيفَ يُقدِّرُ طَعامًا واجِبًا بالشَّرعِ بل ولا يُقدِّرُ الجِزيةَ في أظهَرِ الرِوايتَينِ عنه ولا الخَراجَ، ولا يُقدِّرُ أيضًا الأَطعِمةَ الواجِبةَ مُطلَقًا، سَواءٌ وجَبَت بشَرعٍ أو شَرطٍ، ولا غيرَ الأطعِمةِ مما وجَبَت مُطلَقًا؟! فطَعامُ الكَفارةِ أَولى ألَّا يُقدَّرَ.
و «الأقسامُ ثَلاثةٌ» فما له حَدٌّ في الشَّرعِ أو اللُّغةِ رُجِعَ في ذلك إليهما، وما ليسَ له حَدٌّ فيهما رُجِعَ فيه إلى العُرفِ (١).
وقالَ ابنُ القَيِّمِ رحمة الله عليه: الذي دَلَّ عليه القُرآنُ والسُّنةُ أنَّ الواجِبَ في الكَفارةِ الإطعامُ فقط، لا التَّمليكُ، قال تَعالى في كَفارةِ اليَمينِ: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة ٨٩]، وقالَ في كَفارةِ الظِّهارِ: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤]، وقالَ في فِديةِ الأذى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وليسَ في القُرآنِ في
(١) «مجموع الفتاوى» (٣٥/ ٣٤٩، ٣٥١).
إِطعامِ الكَفاراتِ غيرُ هذا، وليسَ في مَوضعٍ واحِدٍ منها تَقديرُ ذلك بمُدٍّ ولا رِطلٍ.
وصَحَّ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ لمَن وَطِئَ في نَهارِ رَمضانَ: «أطعِمْ سِتِّينَ مِسكينًا»، وكذلك قالَ للمُظاهِرِ ولم يَحُدَّ ذلك بمُدٍّ ولا رِطلٍ.
فالذي دَلَّ عليه القُرآنُ والسُّنةُ أنَّ الواجِبَ في الكَفاراتِ والنَّفقاتِ هو الإِطعامُ لا التَّمليكُ، وهذا هو الثابِتُ عن الصَّحابةِ رضي الله عنهم.
ولا حُجةَ في أحَدٍ دونَ اللهِ ورَسولِه وإِجماعِ الأُمةِ، وقد أمَرَنا تَعالى أنْ نَرُدَّ ما تَنازَعنا فيه إليه وإلى رَسولِه، وذلك خَيرٌ لنا حالًا وعاقِبةً، ورَأينا اللهَ سُبحانَه قالَ في الكَفارةِ: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩] و: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤]، فعلَّقَ الأمرَ بالمَصدَرِ الذي هو الإِطعامُ، ولم يَحُدَّ لنا جِنسَ الطَّعامِ ولا قَدْرَه، وحَدَّ لنا جِنسَ المُطعَمينَ وقَدْرَهم، فأطلَقَ الطَّعامَ وقيَّدَ المَطعومينَ، ورَأيناه سُبحانَه حَيثُ ذكَرَ إِطعامَ المِسكينِ في كِتابِه فإنَّما أرادَ به الإِطعامَ المَعهودَ المُتعارَفَ، كقَولِه تَعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا﴾ [البلد: ١٢، ١٥]، وقالَ: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨)﴾ [الإنسان: ٨]، وكانَ مِنْ المَعلومِ يَقينًا أنَّهم لو غَدَّوْهم أو عَشَّوْهم أو أطعَموهم خُبزًا ولَحمًا أو خُبزًا ومَرَقًا ونَحوَه لَكانوا مَمدوحينَ داخِلينَ فيمَن أَثنى عليهم، وهو سُبحانَه عدَلَ عن الطَّعامِ الذي هو اسمٌ للمَأكولِ إلى الإِطعامِ الذي هو مَصدَرٌ صَريحٌ، وهذا نَصٌّ في أنَّه إذا أطعَمَ المَساكينَ ولم يُملِّكْهم فقد امتَثلَ ما أُمِرَ به وصَحَّ في كلِّ لُغةٍ وعُرفٍ أنَّه أطعَمَهم.
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الأيمان
الجملة الثانية في معرفة الأشياء الرافعة للأيمان اللازمة وأحكامها
فَتَرْفَعُهَا الْكَفَّارَةُ، فَلَمْ يُوجِبُوا عَلَى مَنْ قَالَ: إِنْ فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا فَعَلَيَّ الْمَشْيُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ مَشْيًا وَلَا كَفَّارَةً، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: عَلَيَّ الْمَشْيُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ، لِأَنَّ هَذَا نَذْرٌ بِاتِّفَاقٍ، وَقَدْ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ» .
فَسَبَبُ هَذَا الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْأَقَاوِيلِ الَّتِي تَخْرُجُ مَخْرَجَ الشَّرْطِ هُوَ: هَلْ هِيَ أَيْمَانٌ أَوْ نُذُورٌ؟ أَوْ لَيْسَتْ أَيْمَانًا وَلَا نُذُورًا؟ فَتَأَمَّلْ هَذَا فَإِنَّهُ بَيِّنٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا فِي قَوْلِ الْقَائِلِ: أُقْسِمُ أَوْ أَشْهَدُ إِنْ كَانَ كَذَا وَكَذَا، هَلْ هُوَ يَمِينٌ أَمْ لَا؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ:
فَقِيلَ: إِنَّهُ لَيْسَ بِيَمِينٍ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ.
وَقِيلَ: إِنَّهَا أَيْمَانٌ ضِدَّ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقِيلَ: إِنْ أَرَادَ اللَّهَ بِهَا فَهُوَ يَمِينٌ، وَإِنْ لَمْ يُرِدِ اللَّهَ بِهَا فَلَيْسَتْ بِيَمِينٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ هُوَ هَلِ الْمُرَاعَى اعْتِبَارُ صِيغَةِ اللَّفْظِ، أَوِ اعْتِبَارُ مَفْهُومِهِ بِالْعَادَةِ، أَوِ اعْتِبَارُ النِّيَّةِ؟ فَمَنِ اعْتَبَرَ صِيغَةَ اللَّفْظِ قَالَ: لَيْسَتْ بِيَمِينٍ، إِذْ لَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ نُطْقٌ بِمَقْسُومٍ بِهِ.
وَمَنِ اعْتَبَرَ صِيغَةَ اللَّفْظِ بِالْعَادَةِ قَالَ: هِيَ يَمِينٌ، وَفِي اللَّفْظِ مَحْذُوفٌ وَلَا بُدَّ، وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى.
ارجع إلى كفارة اليمين للاطلاع على جميع المسائل.