الإسلام > الأيمان والمواريث > كفارة اليمين > هل يجوز إطعام مسكين واحد عشرة أيام أو لا بد من إطعام عشرة مساكين؟
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 11 دقيقة قراءةهل يَجوزُ إِطعامُ مِسكينٍ واحِدٍ عَشرةَ أَيامٍ أو لا بدَّ مِنْ إِطعامِ عَشَرةِ مَساكينَ؟
اتَّفقَ فُقهاءُ الأُمةِ على أنَّه إنْ أطعَمَ كلَّ يَومٍ مِسكينًا حتى أكمَلَ العَشرةَ أَجزأَه؛ لأنَّ الواجِبَ إِطعامُ عَشرةِ مَساكينَ وقد أَطعمَهم.
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلَفوا فيما لو أَطعمَ مِسكينًا واحِدًا عَشَرةَ أيامٍ، هل يُجزِئُه أو لا؟
فذهَبَ الحَنَفيةُ إلى أنَّه إذا أطعَمَ مِسكينًا واحِدًا عَشرةَ أَيامٍ أَكلتَينِ مُشبِعتَينِ أَجزَأه؛ لأنَّ المَقصودَ سَدُّ خَلةِ المُحتاجِ، والحاجةُ تَتجدَّدُ في كلِّ يَومٍ، فالدَّفعُ إليه في اليَومِ الثانِي كالدَّفعِ إلى غَيرِه.
وكذا إذا أعطاه عَشَرةَ أيامٍ كلَّ يَومٍ نِصفَ صاعٍ مِنْ بُرٍّ أو صاعًا مِنْ تَمرٍ أو شَعيرٍ.
وإنْ أَعطاه في يَومٍ واحِدٍ طَعامَ عَشرةِ أَيامٍ لم يُجزِه إلا عن يَومِه ذلك؛ لأنَّ التَّفريقَ واجِبٌ بالنَّصِّ، وهو قَولُه: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩] ولم يُوجَدْ لا حَقيقةً ولا تَقديرًا فلا يَجوزُ، كالحاجِّ إذا رَمى الحَصياتِ السَّبعَ دُفعةً واحِدةً.
ولو أطعَمَ عِشرينَ مِسكينًا دُفعةً واحِدةً فعليه أنْ يُطعِمَ إِحدى الفِرقتَينِ أكلةً مُشبِعةً أَخرى، وكذا إذا غدَّى عَشرةً وعشَّى عَشرةً غيرَهم فعليه أنْ يُطعِمَ إِحدى الفِرقتَينِ أَكلةً مُشبِعةً أَخرى (١).
(١) «الهداية» (٢/ ٢٢)، و «العناية» (٦/ ٤٤، ٦٤)، و «الاختيار» (٣/ ٢٠٤)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٥٥٢، ٥٥٣)، و (٦/ ٢٦، ٢٧)، و «اللباب» (٢/ ١٣١).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يُجزِئُه إنْ أَطعمَ مِسكينًا واحِدًا عَشرةَ أَيامٍ؛ لأنَّ هذا خِلافٌ مُجرَّدٌ لأمرِ رَسولِ اللهِ ﷺ، ولا يَقعُ اسمُ عَشرةِ مَساكينَ على مِسكينٍ واحِدٍ أصلًا.
قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: مَسألةٌ: قالَ: (ومَن لم يُصِبْ إلا مِسكينًا واحِدًا ردَّدَ عليه في كلِّ يَومٍ تَتِمةَ عَشرةِ أَيامٍ.
وجُملَتُه أنَّ المُكفِّرَ لا يَخلو مِنْ أنْ يَجِدَ المَساكينَ بكَمالِ عَددِهم أو ألَّا يَجِدَهم، فإنْ وَجَدَهم لم يُجزِئْه إِطعامُ أقَلَّ مِنْ عَشَرةٍ في كَفارةِ اليَمينِ ولا أقَلَّ مِنْ سِتِّينَ في كَفارةِ الظِّهارِ وكَفارةِ الجِماعِ في رَمَضانَ، وبهذا قالَ الشافِعيُّ وأبو ثَورٍ وأجازَ الأوزاعيُّ دَفعَها إلى واحِدٍ، وقالَ أبو عُبَيدٍ: إنْ خَصَّ بها أهلَ بَيتٍ شَديدي الحاجةِ جازَ بدَليلِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ للمُجامِعِ في رَمضانَ حينَ أخبَرَه بشِدةِ حاجَتِه وحاجةِ أهلِه: «أطعِمْه عِيالَك»، ولأنَّه دفَعَ حَقَّ اللهِ تَعالى إلى مَنْ هو مِنْ أهلِ الِاستِحقاقِ فأجزَأه كما لو دفَعَ زَكاتَه إلى واحِدٍ، وقالَ أَصحابُ الرأيِ: يَجوزُ أنْ يُرَدِّدَها على مِسكينٍ واحِدٍ في عَشَرةِ أيامٍ إنْ كانَت كَفارَتُه يَمينًا، أو في سِتِّينَ إنْ كانَ الواجِبُ إطعامَ سِتِّينَ مِسكينًا، ولا يَجوزُ دَفعُها إليه في يَومٍ واحِدٍ، وحَكاه أبو الخَطابِ رِوايةً عن أحمدَ؛ لأنَّه في كلِّ يَومٍ قد أطعَمَ مِسكينًا ما يَجِبُ للمِسكينِ فأجزَأ كما لو أَعطى غَيرَه، ولأنَّه لو أطعَمَ هذا المِسكينَ مِنْ كَفارةٍ أخرى أجَزاه، فكذلك إذا أطعَمَه مِنْ هذه الكَفارةِ.
ولنا: قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩]، ومَن أَطعمَ واحِدًا فما أطعَمَ عَشَرةً فما امتَثلَ الأمرَ، فلا يُجزِئُه، ولأنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ كَفارَتَه إطعامَ عَشَرةِ مَساكينَ، فإذا لم يُطعِمْ عَشَرةً فما أَتى
بالكَفارةِ، ولأنَّ مَنْ لم يَجُزِ الدَّفعُ إليه في اليَومِ الأوَّلِ لم يَجُزْ في اليَومِ الثانِي مع اتِّفاقِ الحالِ، كالوَلَدِ، فأمَّا الواقِعُ على أهلِه فإنَّما أسقَطَ اللَّهُ تَعالى الكَفارةَ عنه لعَجزِه عنها، فإنَّه لا خِلافَ في أنَّ الإِنسانَ لا يَأكلُ كَفارةَ نَفسِه ولا يُطعِمُها عائِلَتَه وقد أُمرَ بذلك.
الحالُ الثانيةُ: العاجِزُ عن عَدَدِ المَساكينِ كُلِّهم فإنَّه يُرَدِّدُ على المَوجودينَ منهم في كُلِّ يَومٍ حتى تَتِمَّ عَشَرةً فإنْ لم يَجِدْ إلا واحِدًا رَدَّدَ عليه تَتِمةَ عَشَرةِ أيامٍ وإنْ وَجَدَ اثنَينِ رَدَّدَ عليهما خَمسةَ أَيامٍ، وعلى هذا.
وقالَ نَحوَ هذا الثَّوريُّ، وهو اختِيارُ أكثَرِ الأَصحابِ وعن أَحمدَ رِوايةٌ أُخرى: لا يُجزِئُه إلا كَمالُ العَدَدِ، وهو مَذهَبُ مالِكٍ والشافِعيِّ لِما ذكَرْنا في حالِ القُدرةِ.
ولنا: أنَّ تَرديدَ الإِطعامِ في عَشرةِ أَيامٍ في مَعنى إِطعامِ عَشرةٍ؛ لأنَّه يَدفعُ الحاجةَ في عَشرةِ أَيامٍ فأشبَهَ ما لو أطعَمَ في كلِّ يَومٍ واحِدًا، والشَّيءُ بمَعناه يَقومُ مَقامَه بصُورَتِه عندَ تَعذُّرِها، ولهذا شُرِعَت الأَبدالُ لقِيامِها مَقامَ المُبدَلاتِ في المَعنى، ولا يُجتَزأُ بها مع القُدرةِ على المُبدَلاتِ كذا ههنا (١).
وقد تَقدَّمَت المَسألةُ بالتَّفصيلِ في كِتابِ الظِّهارِ.
(١) «المغني» (١٠/ ٧)، و «شرح الزركشي» (٣/ ٣٢٤)، وينظر: «التاج والإكليل» (٣/ ١٥٥، ١٥٦)، و «مواهب الجليل» (٥/ ٣٦٦، ٣٦٧)، و «شرح مختصر خليل» (٤/ ١٢٠)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٣٨٧، ٣٨٨)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٢٩٦، ٢٩٧) «البيان» (١٠/ ٣٩٤، ٣٩٥)، و «روضة الطالبين» (٥/ ٦٢٨، ٦٢٩)، و «النجم الوهاج» (٨/ ٧٨، ٧٩)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٥٥)، و «تحفة المحتاج» (٩/ ٦٩٨، ٦٩٩)، و «الديباج» (٣/ ٥٢١، ٥٢٢).
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الأيمان
باب الإطعام في الكفارة في البلدان كلها ومن له أن يطعم وغيره
بَابُ الْإِطْعَامِ فِي الْكَفَّارَةِ فِي الْبُلْدَانِ كُلِّهَا ومن له أن يطعم وغيره
(مسألة:)
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَيُجْزِئُ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينُ مُدٌّ بمدِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَإِنَّمَا قُلْنَا يُجْزِئُ هَذَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أُتي بِعَرَقٍ فِيهِ تمرٌ فَدَفَعَهُ إِلَى رجلٍ وَأَمَرَهُ أَنْ يُطْعِمَهُ سِتِّينَ مِسْكِينًا وَالْعَرَقُ فِيمَا يقدر خمسة عشرة صَاعًا وَذَلِكَ سِتُّونَ مُدًا فِلِكُلِّ مسكينٍ مدٌّ فِي كُلِّ بلادٍ سواءٌ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الْكَفَّارَاتِ تَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ:
قِسْمٌ وَجَبَ عَلَى التَّرْتِيبِ فِي جَمِيعِهِ.
ارجع إلى كفارة اليمين للاطلاع على جميع المسائل.