الإسلام > الجنائز > غسل الميت > عدد الغسلات وكيفيتها
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 8 دقيقة قراءةوأمَّا كَيفيَّةُ وَضعِه عندَ تَغسيلِه فهي أنَّه يُوضعُ على السَّريرِ أو لَوحٍ هُيئَ له، ويَكونُ مَوضعُ رأسِه أُعلى؛ ليَنحدِرَ الماءُ ويَكونَ الوَضعُ طُولًا، كما في حالةِ المَرضِ، إذا أرادَ الصَّلاةَ بإِيماءٍ، ومِن الحَنفيةِ مَنْ اختارَ الوَضعَ كما يُوضَعُ في القبْرِ، والأصَحُّ أنَّه يُوضَعُ كما تَيسَّرَ (١).
عَددُ الغَسلاتِ وكَيفيَّتُها:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الواجِبَ مِنْ الغَسلاتِ ما يَحصُلُ به الطَّهارةُ، وأنَّ المَسنونَ منها الوِترُ، وأنْ يَكونَ في الماءِ السِّدرُ، وفي الآخِرةِ الكافورُ؛ لحَديثِ أُمِّ عَطيَّةَ قالَت: «دخَلَ علَينا النَّبيُّ ﷺ ونحنُ نُغسِّلُ ابنَتَه، فقالَ: اغْسِلْنَها ثَلاثًا، أو خَمسًا، أو أَكْثرَ مِنْ ذلك، إنْ رَأيتُنَّ ذلك، بِماءٍ وسِدرٍ، واجعَلْنَ في الْآخِرَةِ كافُورًا أو شَيئًا مِنْ كافُورٍ» (٢).
وبحَديثِ ابنِ عباسٍ قالَ: «بَينَما رَجلٌ واقِفٌ مع رَسولِ اللَّهِ ﷺ بعَرفَةَ إِذْ وقَعَ مِنْ راحِلَتِه فأَوْقَصتْه، أَوْ قالَ: فأَقْعَصتْه، فذُكرَ ذلك للنَّبيِّ ﷺ فقالَ: اغْسِلوه بِماءٍ وسِدرٍ» (٣).
(١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٣٠٥)، و «شرح فتح القدير» (٢/ ١٠٦، ١٠٧)، و «الاختيار» (١/ ٩١)، و «الشرح الصغير» (١/ ٣٥٨)، و «الفواكه الدواني» (١/ ٢٨٧)، و «القوانين الفقهية» (٩٧)، و «المجموع» (٦/ ٢١٢، ٢١٥)، و «روضة الطالبين» (٢/ ٩٩)، و «المغني» (٣/ ١٩٢، ١٩٣)، و «الإنصاف» (٢/ ٤٨٥، ٤٨٦)، و «الإفصاح» (١/ ٢٧٠، ٢٧١).
(٢) رواه البخاري (١١٩٥)، ومسلم (٩٣٦).
(٣) رواه البخاري (١٧٥١)، ومسلم (١٢٠٦).
ثم اختلَفوا فيه، فقالَ أبو حَنيفةَ وأحمدُ: المُستحَبُّ أنْ يَكونَ في كلِّ المياهِ شَيءٌ مِنْ السِّدرِ؛ للحَديثَينِ السابِقَينِ، ولأنَّ المَطلوبَ مِنْ تَغسيلِه المُبالَغةُ في التَّنظيفِ.
وقالَ مالِكٌ والشافِعيُّ: لا يَكونُ إلا في واحِدةٍ منها، وتَكونُ الأُولى، ولا يُعتَدُّ بها في عَددِ الغَسلاتِ؛ لتَغيُّرِ الماءِ بالسِّدرِ فسلَبَ طَهورِيَّتَه.
والأفضلُ أنْ يَبدأَ الغاسِلُ في تَغسيلِ الميِّتِ بأنْ يُزيلَ عنه النَّجاسةَ، ويَستنَجيَه عندَ أَبي حَنيفةَ ومُحمدٍ، وأمَّا إِزالةُ النَّجاسةِ وإِنقاؤُها فأبو حَنيفةَ ومُحمدٌ يَقولانِ به، بلا إِجلاسٍ وعَصرٍ في أوَّلِ الغُسلِ، وعندَ المالِكيةِ يُندَبُ عَصرُ البَطنِ حالةَ الغُسلِ، وعندَ الشافِعيةِ والحَنابِلةِ يَكونُ إِجلاسُ الميِّتِ وعَصرُ بَطنِه في أوَّلِ الغُسلِ؛ لِما رَوى القاسِمُ بنُ مُحمدٍ قالَ: «تُوفِّي عبدُ اللهِ بنُ عبدِ الرَّحمنِ فغسَّلَه ابنُ عُمرَ فنفَضَه نَفضًا شَديدًا، وعصَرَه عَصرًا شَديدًا، ثم غسَّلَه» (١)، ولأنَّه ربَّما كانَ في جَوفِه شَيءٌ، فإذا لَم يَعصِرْه قبلَ الغَسلِ خرَجَ بعدَه، وربَّما خرَجَ بعدَما كُفِّنَ فيَفسُدُ الكفَنُ.
ثم يُوضِّئُه وُضوءَه للصَّلاةِ، ولا يُدخلُ الماءَ في فِيهِ ولا أنفِه؛ لأنَّ إِدخالَ الماءِ فاه وأنفَه لا يُؤمنُ معه وُصولُه إلى جَوفِه، فيُفضي إلى المُثلَةِ به، ولا يُؤمَنُ خُروجُه في أَكفانِه، وإنْ كانَ فيهما أذًى أزالَه بخِرقةٍ يَبلُّها ويَجعَلُها على إصبَعِه، فيَمسَحُ أسنانَه وأنفَه حتى يُنظِّفَهما، وإلى هذا ذهَبَ الحَنفيةُ
(١) ذكره الشيرازي في «المهذب» (١/ ١٢٨)، ولَم أعثُر على مَنْ خرَّجه.
والحَنابِلةُ، قالَ ابن قُدامةَ: وهو قَولُ أكثَرِ أهلِ العِلمِ، وقالَ شَمسُ الأئِمةِ الحَلَوانِيُّ: وعليه عَملُ الناسِ اليَومَ.
أمَّا عندَ المالِكيةِ والشافِعيةِ فلا يُغني ذلك عن المَضمَضةِ والاستِنشاقِ. ويُميلُ رأسَ الميِّتِ حتى لا يَبلُغَ الماءُ بَطنَه، وكذا لا يُؤخِّرُ رِجلَيْه عندَ التَّوضِئةِ.
وبعدَ الوُضوءِ يَجعَلُه على شِقِّه الأيسَرِ فيَفعَلُ الأيمَنَ، ثم يُديرُه على الأيمَنِ فيَفعَلُ الأيسَرَ، وذلك بعدَ تَثليثِ غُسلِ رأسِه ولِحيَتِه.
والواجِبُ كما سبَقَ في غُسلِ الميِّتِ مَرةٌ واحِدةٌ، ويُستحَبُّ أنْ يُغسَّلَ ثَلاثًا، وإنْ رأى الغاسِلُ أنْ يَزيدَ على ثَلاثٍ -لكَونِه لَم يُنقَّ، أو غيرِ ذلك- غسَّلَه خَمسًا أو سَبعًا، ويُستحَبُّ ألَّا يَقطَعَ إلا على وِترٍ كما سبَقَ، وقالَ الإمامُ أحمدُ: لا يَزيدُ على سَبعٍ.
والأصلُ في هذا قَولُ النَّبيِّ ﷺ لِغاسِلاتِ ابنَتِه زَينبَ رضي الله عنها: «ابدَأْنَ بمَيامِنِها ومَواضعِ الوُضُوءِ منها، واغسِلْنَها ثَلاثًا، أو خَمسًا، أو أَكثَرَ مِنْ ذلك، إن رَأيْتنَّ ذلك، بِماءٍ وَسِدرٍ، واجعَلْنَ في الْآخِرَةِ كافُورًا أو شَيئًا مِنْ كافُورٍ» (١).
ويَرى ابنُ حَبيبٍ مِنْ المالِكيةِ أنَّه لا بأسَ عندَ الوَباءِ وما يَشتدُّ على الناسِ مِنْ غُسلِ المَوتَى لكَثرَتِهم أنْ يَجتَزِئوا بغَسلةٍ واحِدةٍ بغيرِ وُضوءٍ، يُصبُّ عليهم الماءُ صَبًّا.
(١) حَديثٌ صَحيحٌ: تقدَّم.
ارجع إلى غسل الميت للاطلاع على جميع المسائل.