أمان أهل البغي هل يلزم أهل العدل الوفاء به أو لا؟

الإسلام > الجنايات والحدود > أحكام الأمان > أمان أهل البغي هل يلزم أهل العدل الوفاء به أو لا؟

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 11 دقيقة قراءة

أمان أهل البغي هل يلزم أهل العدل الوفاء به أو لا؟ - الأقوال والأدلة

أمانُ أهلِ البَغيِ هل يَلزمُ أهلَ العَدلِ الوَفاءُ به أو لا؟

نَصَّ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ أهلَ البَغيِ إذا أعطَوْا أمانًا للكُفارِ أنَّه يَلزمُ أهلَ العَدلِ كما يَلزمُ أهلَ البَغيِ؛ لقَولِ رَسولِ اللَّهِ : «يُجيرُ على المُسلِمينَ أدناهم» (١). إلا لو استَعانَ البُغاةُ علينا بأهلِ الحَربِ وعَقَدوا لهم ذِمةً وأمانًا ليُقاتِلوا معهم لم يُنفَّذْ أمانُهم علينا، ولا يَجبُ علينا الوَفاءُ به كما نَصَّ على ذلك الشافِعيةُ والحَنابِلةُ.

قالَ الحَنفيةُ: أمانُ الباغي لأهلِ الحَربِ صَحيحٌ لإسلامِه؛ فإنْ غدَرَ بهم البُغاةُ فسُبُوا لا يَحِلُّ لأحدٍ من أهلِ العَدلِ أنْ يَشتريَ منهم (٢).

وقالَ المالِكيةُ: وأمَّا أمانُ الخارِجِ على الإمامِ المُسلمِ الكَبيرِ الحُرِّ فيَمضي ويَجوزُ باتِّفاقٍ (٣).

قالَ الإمامُ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: الأمانُ يَصحُّ من كلِّ مُسلمٍ لكلِّ مُشرِكٍ، سَواءٌ كانَ الأمانُ من رَجلٍ أو امرأةٍ، من حُرٍّ كانَ أو من عَبدٍ، من عادِلٍ أو باغٍ، فيَكونُ أمانُ الباغي لازِمًا لأهلِ البَغيِ وأهلِ العَدلِ، وأمانُ العادِلِ لازِمًا لأهلِ العَدلِ وأهلِ البَغيِ؛ فإنْ أمَّنَ أهلُ البَغيِ قَومًا من المُشرِكينَ لم يَعلَمْ بهم أهلُ العَدلِ حتى سَبَوْهم وغَنِموهم لم يَملِكوا سَبيَهم وغَنائمَهم ولزِمَهم رَدُّ السَّبيِ والغَنائمِ عليهم، وكذلك لو أمَّنَهم أهلُ العَدلِ وسَباهم وغَنِمهم

(١) «المحلى» (١١/ ١١٧).
(٢) «البحر الرائق» (٥/ ١٥٤).
(٣) «شرح مختصر خليل» (٣/ ١٢٣)، و «حاشية العدوي» (٢/ ١١).

أهلُ البَغيِ حرُمَ عليهم أنْ يَتملَّكوهم، وحرُمَ على أهلِ العَدلِ أنْ يَبتاعُوهم، وعلى إمامِ أهلِ العَدلِ إذا قدِرَ عليهم أنْ يَسترجِعَه منهم ويَردَّه على أهلِه من المُشرِكينَ، وهكذا لو أمَّنَ أهلُ البَغيِ قَومًا من المُشرِكينَ ثم غَدَروا بهم فسَبَوْهم وغَنِموهم لم يَحِلَّ ابتِياعُ السَّبيِ والغَنائمِ منهم، ولزِمَ أهلَ العَدلِ رَدُّ ما قدِرُوا عليه (١).

وقالَ الجَملُ في «حاشيَتِه»: قَولُه: ليُعينوهم علينا، أمَّا لو أَمَّنوهم تَأمينًا مُطلَقًا يَنفُذُ علينا أيضًا، فلو قاتَلُونا معهم انتقَضَ الأمانُ في حَقِّنا، وكذا في حَقِّهم كما هو القياسُ، وقد عُلمَ أنَّ الاستِعانةَ بهم ليسَت بأمانٍ لهم. اه.

شَرحُ قَولِه: لأنَّهم أمَّنوهم … إلخ؛ قالَ العِراقيُّ في «شَرحِ البَهجةِ»: وصُورةُ المَسألةِ: أنْ يُؤمِّنوهم على أنْ يُقاتِلونا معهم، فلو أَمَّنوهم أوَّلًا صَحَّ الأمانُ علينا، فإذا استَعانوا بهم علينا انتقَضَ الأمانُ علينا، نَصَّ عليه. اه.

قَولُه: (لا علينا)؛ أي: فلهم معنا حُكمُ الحَربيِّينَ وحينَئذٍ لنا غُنمُ أموالِهم واستِرقاقُهم، وقَتلُ أسيرِهم وقَتلُهم مُدبِرينَ، ولهم معهم حُكمُ المُؤمِنينَ فيُمنَعونَ من غُنمِ أموالِهم إلخ (٢).

وقالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: لو استَعانَ البُغاةُ علينا بأهلِ الحَربِ وعقَدوا لهم ذِمةً وأمانًا ليُقاتِلوا معهم لم يَنفُذْ أمانُهم علينا، فلنا أنْ نَغنَمَ أموالَهم ونستَرِقَّهم ونقتُلَهم إذا وقَعوا في الأسرِ ونقتُلَهم مُدبِرينَ ونُذفِّفَ

(١) «الحاوي الكبير» (١٣/ ١٤٢).
(٢) «حاشية الجمل على شرح المنهج» (٥/ ١١٨)، و «نهاية المحتاج» (٧/ ٤٠٨).

على جَريحِهم، وقالَ القاضي حُسَينٌ: لا يُتبَعُ مُدبِرُهم ولا يُذفَّفُ على جَريحِهم، والصَّحيحُ الأولُ.

وهل يَنعقِدُ الأمانُ في حَقِّ البُغاةِ؟ وَجهانِ أصَحُّهما: نَعمْ؛ فإنْ قُلنا: لا، قالَ البَغَويُّ: لأهلِ البَغيِ أنْ يَكُرُّوا عليهم بالقَتلِ والاستِرقاقِ، والذي ذكَرَه الإمامُ على هذا أنَّه أمانٌ فاسِدٌ وليسَ لأهلِ البَغيِ اغتيالُهم بل يُبلِّغونَهم المأمَنَ، فلو قالُوا: ظَننَّا أنَّه يَجوزُ لنا أنْ نُعينَ بعضَ المُسلِمينَ على بَعضٍ، أو ظَننَّا أنَّهم المُحقُّونَ أو ظَننَّا أنَّهم استَعانوا بنا في قِتالِ الكُفارِ؛ فوَجهانِ:

أحدُهما: لا اعتِبارَ بظَنِّهم الفاسِدِ ولنا قَتلُهم واستِرقاقُهم.

وأصَحُّهما: أنَّا نُبلِّغُهم المأمَنَ ونُقاتِلُهم مُقاتَلَةَ البُغاةِ فلا يُتعرَّضُ لهم مُدبِرينَ (١).

وقالَ الحَنابِلةُ: وإنِ استَعانوا بأهلِ الحَربِ وأمَّنوهم لمْ يَصحَّ أمانُهم وأُبيحَ قَتلُهم، وحُكمُ أسيرِهم حُكمُ أسيرِ سائرِ أهلِ الحَربِ؛ لأنَّ الأمانَ من شَرطِ صِحَّتِه التِزامُ كَفِّهم عن المُسلِمينَ، وهؤلاء يَشترِطونَ عليهم قِتالَ المُسلِمينَ فلا يَصحُّ، ولِأهلِ العَدلِ قَتلُهم كمَن لم يُؤمِّنوه سَواءٌ، وحُكمُ أسيرِهم حُكمُ أسيرِ سائرِ أهلِ الحَربِ قبلَ الاستِعانةِ بهم.

فأمَّا البُغاةُ فلا يَجوزُ لهم قَتلُهم؛ لأنَّهم أمَّنوهم، فلا يَجوزُ لهم الغَدرُ بهم. والمُستأمَنون متى استَعانوا بهم فأعانوهم نقَضُوا عَهدَهم

(١) «روضة الطالبين» (١٠/ ٦٠، ٦١)، وانظر: «مغني المحتاج» (٤/ ١٢٨)، و «نهاية المحتاج» (٧/ ٤٨).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الحرابة
الباب الخامس بماذا تثبت الحرابة

وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ تَوْبَتَهُ إِنَّمَا تَكُونُ بِأَنْ يَتْرُكَ مَا هُوَ عَلَيْهِ، وَيَجْلِسَ فِي مَوْضِعِهِ، وَيَظْهَرَ لِجِيرَانِهِ. وَإِنْ أَتَى الْإِمَامُ قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ أَقَامَ عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ.

وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: إِنَّ تَوْبَتَهُ إِنَّمَا تَكُونُ بِالْمَجِيءِ إِلَى الْإِمَامِ، وَإِنْ تَرَكَ مَا هُوَ عَلَيْهِ لَمْ يُسْقِطْ ذَلِكَ عَنْهُ حُكْمًا مِنَ الْأَحْكَامِ إِنْ أُخِذَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ الْإِمَامُ. وَتَحْصِيلُ ذَلِكَ هُوَ أَنَّ تَوْبَتَهُ قِيلَ: إِنَّهَا تَكُونُ بِأَنْ يَأْتِيَ الْإِمَامَ قَبْلَ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: إِنَّهَا إِنَّمَا تَكُونُ إِذَا ظَهَرَتْ تَوْبَتُهُ قَبْلَ الْقُدْرَةِ فَقَطْ، وَقِيلَ: تَكُونُ بِالْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا.

وَأَمَّا صِفَةُ الْمُحَارِبِ الَّذِي تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيهَا أَيْضًا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ:

أَحَدُهَا: أَنْ يَلْحَقَ بِدَارِ الْحَرْبِ.

وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ لَهُ فِئَةٌ.

وَالثَّالِثُ: كَيْفَمَا كَانَتْ، لَهُ فِئَةٌ أَوْ لَمْ تَكُنْ، لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ أَوْ لَمْ يَلْحَقْ.

وَاخْتُلِفَ فِي الْمُحَارِبِ إِذَا امْتَنَعَ، فَأَمَّنَهُ الْإِمَامُ عَلَى أَنْ يَنْزِلَ - فَقِيلَ: لَهُ الْأَمَانُ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ حَدُّ الْحِرَابَةِ. وَقِيلَ: لَا أَمَانَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُؤَمَّنُ الْمُشْرِكُ.

وَأَمَّا مَا تُسْقِطُ عَنْهُ التَّوْبَةُ، فَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ:

أَحَدُهَا: أَنَّ التَّوْبَةَ إِنَّمَا تُسْقِطُ عَنْهُ حَدَّ الْحِرَابَةِ فَقَطْ، وَيُؤْخَذُ بِمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ وَحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 200 - 202

ارجع إلى أحكام الأمان للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله