أما إن دخل الحربي دار الإسلام بتجارة أو ادعى أمانا أو أنه رسول هل يصدق في ذلك ويكون آمنا أو لا؟

الإسلام > الجنايات والحدود > أحكام الأمان > أما إن دخل الحربي دار الإسلام بتجارة أو ادعى أمانا أو أنه رسول هل يصدق في ذلك ويكون آمنا أو لا؟

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 11 دقيقة قراءة

أما إن دخل الحربي دار الإسلام بتجارة أو ادعى أمانا أو أنه رسول هل يصدق في ذلك ويكون آمنا أو لا؟ - الأقوال والأدلة

أمَّا إنْ دخَلَ الحَربيُّ دارَ الإسلامِ بتِجارةٍ أو ادَّعى أمانًا أو أنَّه رَسولٌ هل يُصدَّقَ في ذلك ويَكونُ آمِنًا أو لا؟

على تَفصيلٍ في ذلك في كلِّ مَذهبٍ:

فقالَ الحَنفيةُ: إذا وُجدَ الحَربيُّ في دارِ الإسلامِ، فقالَ: أنا رَسولٌ؛ فإنْ أخرَجَ كِتابًا عُرفَ أنَّه كِتابُ مَلِكِهم كانَ آمِنًا حتى يُبلِّغَ رسالَتَه ويَرجِعَ؛ لأنَّ الرُّسُلَ لم تَزلْ آمِنةً في الجاهِليةِ والإسلامِ، وهذا لأنَّ أمرَ القِتالِ أو الصُّلحِ لا يَتمُّ إلا بالرُّسلِ فلا بدَّ من أمانِ الرُّسلِ ليُتوصَّلَ إلى المَقصودِ، «ولمَّا تَكلَّمَ رَسولٌ بينَ يَدَيِ النَّبيِّ بما كرِهَه قالَ: لولا أنَّك رَسُولٌ لقَتلتُك»، وفي هذا دَليلٌ على أنَّ الرَّسولَ أمَّنَ، ثم لا يَتمكَّنُ من إقامةِ البَيِّنةِ على أنَّه رَسولٌ، فلو كلَّفْناه ذلك أدَّى إلى الضِّيقِ والحَرجِ، وهذا مَدفوعٌ، فلهذا يُكتَفى بالعَلامةِ، والعَلامةُ أنْ يَكونَ معه كِتابٌ يُعرَفُ أنَّه كِتابُ مَلِكِهم، فإذا أخرَجَ ذلك فالظاهِرُ أنَّه صادِقٌ، والبِناءُ على الظاهِرِ واجِبٌ فيما لا يُمكِنُ الوُقوفُ على حَقيقتِه.

وإنْ لم يُخرِجْ كِتابًا أو أخرَجَ ولم يُعلَمْ أنَّه كِتابُ مَلِكِهم فهو وما معه فَيءٌ؛ لأنَّ الكِتابَ قد يُفتعَلُ، وإذا لم يُعلَمْ أنَّه كِتابُ مَلِكهم بخَتمٍ وتَوقيعٍ

مَعروفٍ فالظاهِرُ أنَّه افتعَلَ ذلك، وأنَّه لصٌّ مُغِيرٌ في دارِ الإسلامِ، فحينَ أخَذْناه احتالَ بذلك ليَتخلَّصَ من أيدينا، ولِهذا كانَ فَيئًا مع ما معه، وإنِ ادَّعى أنَّه دخَلَ بأمانٍ لم يُصدَّقَ، وهو فَيءٌ؛ لأنَّ حقَّ المُسلِمينَ قد ثبَتَ فيه حينَ تَمكَّنوا منه من غيرِ أمانٍ ظاهِرٍ له فلا يُصدَّقَ هو في إبطالُ حَقِّهم (١).

وأمَّا المالِكيةُ فقالُوا: إنْ أُخذَ الحَربيُّ حال كَونِه مُقبِلًا إلينا بأرضِهم، فقالَ: جِئتُ أطلُبُ الأمانَ منكم، أو أُخذَ بأرضِنا ومعه تِجارةٌ، وقالَ لنا: إنَّما دخَلتُ أرضَكم بلا أمانٍ؛ لأنَّي ظَنَنْتُ أنَّكم لا تَعرِضون لتاجِرٍ، أو أُخذَ بينَهما؛ أي بينَ أرضِنا وأرضِهم، وقالَ: جئتُ أطلُبُ الأمانَ؛ فيُرَدُّ في المَسائلِ الثَّلاثِ لمأمَنِه -أي: لمحَلِّ أمْنِه- ولا يَجوزُ قَتلُه ولا أسرُه ولا أخذُ مالِه.

وإنْ قامت قَرينةٌ على صِدقِه أو كَذِبه فعليها العَملُ؛ فإنْ قامت على كَذِبه فلا يُرَدُّ إلى مأمَنِه ويَرى الإمامُ فيه رأيَه من قَتلٍ أو استِرقاقٍ أو غيرِه، كما إذا لم يَدَّعِ شَيئًا من ذلك في المَسائلِ الثَّلاثِ.

وإنْ رُدَّ مُؤمَّنٌ تَوجَّه لبَلدِه قبلَ وُصولِه لها بريحٍ فعلى أمانِه الأولِ لا يُتعرَّضُ له حتى يَصلَ لبَلدِه أو لمأمَنِه؛ فإنْ رجَعَ بعدَ وُصولِه لها فقيل: فَيءٌ، وقيلَ: إنْ رجَعَ اختيارًا، وقيلَ: يُخيَّرُ الإمامُ في رَدِّه وإنزالِه (٢).

(١) «المبسوط» للسرخسي (١٠/ ٩٣).
(٢) «الشرح الكبير» (٢/ ١٨٦)، وانظر: «مواهب الجليل» (٣/ ٣٦١)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ١٢٣).

وأمَّا الشافِعيةُ: ومَن دخَلَ رَسولًا أو لسَماعِ القُرآنِ فهو آمِنٌ، لا مَنْ دخَلَ لتِجارةٍ فليسَ آمِنًا، فلو أخبَره مُسلِمٌ أنَّ الدُّخولَ للتِّجارةِ أمانٌ؛ فإنْ صدَّقَه بُلِّغ المأمَنَ ولا يُغتالُ، وكذا لو سمِعَ مُسلمًا يَقولُ: مَنْ دخَلَ تاجِرًا فهو آمِنٌ، فدخَلَ، وقالَ: ظَنَنْتُ صِحَّتَه، لا يُغتالُ، وإنْ لم يُصدِّقْه اغتِيلَ، وكذا يُغتالُ إنْ لم يُخبِرْه مُسلِمٌ، وإنْ ظنَّ أنَّ الدُّخولَ لها أمانٌ إذ لا مُستنَدَ لظَنِّه، ولِلإمامِ لا للآحادِ جَعلُ الدُّخولِ للتِّجارةِ أمانًا إنْ رأى في الدُّخولِ لها مَصلَحةً، فإذا قالَ: مَنْ دخَلَ تاجِرًا فهو آمِنٌ جاز واتُّبعَ، ومِثلُه لا يَصحُّ من الآحادِ.

ولا تَجِبُ إجابةُ من طلَبَ الأمانَ إلا إذا طلَبَه لسَماعِ كَلامِ اللهِ تَعالى، فتَجِبُ قَطعًا، ولا يُمهَلُ أربَعةَ أشهُرٍ، بل قَدْرَ ما يَتمُّ به البَيانُ (١).

وأمَّا الحَنابِلةُ فقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وإذا دخَلَ حَربيٌّ دارَ الإسلامِ بغيرِ أمانٍ نُظِر؛ فإنْ كانَ معه مَتاعٌ يَبيعُه في دارِ الإسلامِ وقد جرَت العادةُ بدُخولِهم إلينا تُجَّارًا بغيرِ أمانٍ لم يُعرَضْ لهم.

وقالَ أحمدُ: إذا ركِبَ القَومُ في البَحرِ فاستقبَلَهم فيه تُجَّارٌ مُشرِكونَ من أرضِ العَدوِّ يُريدونَ بِلادَ الإسلامِ لم يَعرِضوا لهم ولم يُقاتِلوهم، وكلُّ من دخَلَ بِلادَ المُسلِمينَ من أهلِ الحَربِ بتِجارةٍ بُويعَ ولم يُسألْ عن شَيءٍ، وإنْ لم تَكنْ معه تِجارةٌ فقالَ: جِئتُ مُستأمَنًا، لم يُقبَلْ منه، وكانَ الإمامُ مُخيَّرًا

(١) «مغني المحتاج» (٤/ ٢٣٧)، و «أسنى المطالب» (٤/ ٢٠٤)، و «حواشي الشرواني» (٩/ ٢٦٧).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الجنايات
وجوب الدية

التَّحْرِيرُ فِيهِ تَوْبَةً.

(وَجْهُ) الْقَوْلِ الْآخَرِ أَنَّ هَذِهِ جِنَايَةٌ مُغَلَّظَةٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ فِيهَا ثَابِتَةٌ، بِخِلَافِ الْخَطَأِ فَلَا يَصْلُحُ التَّحْرِيرُ تَوْبَةً بِهَا كَمَا فِي الْعَمْدِ؟ وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.

وَأَمَّا الْقَتْلُ الْخَطَأُ فَيَخْتَلِفُ حُكْمُهُ بِاخْتِلَافِ حَالِ الْقَاتِلِ وَالْمَقْتُولِ فَنُفَصِّلُ الْكَلَامَ فِيهِ فَنَقُولُ: الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ إمَّا أَنْ يَكُونَا جَمِيعًا حُرَّيْنِ، وَإِمَّا أَنْ كَانَ الْقَاتِلُ حُرًّا، وَالْمَقْتُولُ عَبْدًا، وَإِمَّا أَنْ كَانَ الْقَاتِلُ عَبْدًا، وَالْمَقْتُولُ حُرًّا، وَإِمَّا أَنْ كَانَا جَمِيعًا عَبْدَيْنِ، فَإِنْ كَانَا حُرَّيْنِ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامٌ مِنْهَا وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ عِنْدَ وُجُودِ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ، وَهِيَ نَوْعَانِ: بَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْقَاتِلِ، وَبَعْضُهَا إلَى الْمَقْتُولِ، أَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْقَاتِلِ فَالْإِسْلَامُ، وَالْعَقْلُ، وَالْبُلُوغُ فَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْكَافِرِ، وَالْمَجْنُونِ، وَالصَّبِيِّ؛ لِأَنَّ الْكُفَّارَ غَيْرُ مُخَاطَبِينَ بِشَرَائِعَ هِيَ عِبَادَاتٌ، وَالْكَفَّارَةُ عِبَادَةٌ، وَالصَّبِيُّ، وَالْمَجْنُونُ لَا يُخَاطَبَانِ بِالشَّرَائِعِ أَصْلًا.

وَأَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْمَقْتُولِ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَقْتُولُ مَعْصُومًا فَلَا تَجِبُ بِقَتْلِ الْحَرْبِيِّ، وَالْبَاغِي لِعَدَمِ الْعِصْمَةِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 206 - 208

ارجع إلى أحكام الأمان للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل