الأمان بالإشارة

الإسلام > الجنايات والحدود > أحكام الأمان > الأمان بالإشارة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 29 دقيقة قراءة

الأمان بالإشارة - الأقوال والأدلة

عنه عُمرُ القَتلَ (١) رَواه سَعيدٌ وغيرُه، وهذا كلُّه لا نَعلَمُ فيه خِلافًا.

فأمَّا إنْ قالَ له: قُمْ، أو قِفْ، أو ألْقِ سِلاحَك، فقالَ أصحابُنا: هو أمانٌ أيضًا؛ لأنَّ الكافِرَ يَعتقِدُ هذا أمانًا، فأشبَهَ قَولَه: أمَّنتُك.

وقالَ الأَوزاعيُّ: إنِ ادَّعى الكافِرُ أنَّه أُمِّنَ أو قالَ: إنَّما وَقفتُ لنِدائِك، فهو آمِنٌ؛ فإنْ لم يَدَّعِ ذلك لا يُقبَلْ.

ويَحتمِلُ أنَّ هذا ليسَ بأمانٍ؛ لأنَّ لفظَه لا يُشعِرُ به وهو يُستعمَلُ للإرهابِ والتَّخويفِ، فلم يَكنْ أمانًا لقَولِه: لأقتُلنَّك، لكنْ يَرجِعُ إلى القاتِلِ؛ فإنْ قالَ: نَوَيتُ به الأمانَ فهو أمانٌ، وإنْ قالَ: لم أُرِدْ أمانَه، نظَرْنا في الكافِرِ؛ فإنْ قالَ: اعتَقدتُه أمانًا، رُدَّ إلى مَأمَنِه ولم يَجزْ قَتلُه، وإنْ لم يَعتقِدْه أمانًا فليسَ بأمانٍ، كما لو أشارَ إليهم بما اعتَقَدوه أمانًا (٢).

الأمانُ بالإشارةِ:

لا خِلافَ بينَ العُلماءِ في أنَّ المُسلِمَ إذا أشارَ إلى الكُفارِ بما يَرَوْنه أمانًا، وقالَ: أرَدتُ به الأمانَ، فهو أمانٌ.

واختَلفُوا فيما إذا قالَ: لم أُرِدْ به الأمانَ، هل يُعتبَرُ أمانًا أو لا؟ على

(١) رواه سعيد بن منصور في «سننه» (٢٦٧٠)، وابن أبي شيبة (٦/ ٥١١) رقم (٣٣٤٠٢)، وابن المنذر في «الأوسط» (١١/ ٢٦٥)، قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» (٦/ ٢٧٥): إسناده صحيح.
(٢) «المغني» (٩/ ٢٥٧، ٢٥٨)، وانظر: «كشاف القناع» (٣/ ١٠٦)، و «تحبير المختصر» للدميري (٢/ ٤٧٦)، و «التاج والإكليل» (٣/ ٣٦٠)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ١٢٤).

تَفصيلٍ في ذلك بينَ العُلماءِ، وإنْ كانَ جُمهورُهم يَرَوْن أنَّه يُرَدُّ إلى مَأمَنِه ولا يُقتَلُ ولا يُسترَقُّ بحالٍ.

قالَ الدَّرديرُ رحمة الله عليه: ثم الأمانُ من إمامٍ أو غيرِه يَكونُ (بلَفظٍ) عَربيٍّ أو غيرِه، (أو إشارةٍ مُفهِمةٍ) أي: يَفهَمُ الحَربيُّ منها الأمانَ، وإنْ قصَدَ المُسلِمُ بها ضِدَّه، ويَثبُتُ الأمانُ من غيرِ الإمامِ ببَيِّنةٍ، لا بقَولِ المُؤمِنِ كُنْتُ أمَّنتُهم، بخِلافِ الإمامِ.

ثم شرْطُ الأمانِ (إنْ لم يَضرَّ) بالمُسلِمينَ، بأنْ يَكونَ فيه مَصلَحةٌ أو استَوت المَصلَحةُ وعَدمُ الضَّررِ؛ فإنْ أضَرَّ بالمُسلِمينَ وجَبَ رَدُّه.

(وإنْ ظَنَّه) أي: ظَنَّ الأمانَ (حَربيٌّ) من غيرِ إشارةٍ له ولم يَقصِدْه المُؤمِنُ؛ كأَنَ خاطَبَ مُسلِمٌ صاحِبَه أو خاطَبَ حَربيًّا بكَلامٍ فظَنَّه الحَربيُّ أمانًا (فجاء) مُعتمِدًا على ظَنِّه، (أو نَهى) الإمامُ (الناسَ عنه) أي: عن التأمينِ (فعَصَوْا) نَهيَه وأمَّنوا (أو نَسُوا أو جَهِلوا) أي: لم يَعلَموا نَهيَه، (أو جَهِل) الحَربيُّ (إسلامَه) أي: إسلامَ المُؤمِّنِ له بأنْ أمَّنَه ذِميٌّ فاعتقَد أنَّه مُسلِمٌ، (لا) إنْ علِمَ أنَّه ذِميٌّ وجَهِل (إمضاءَه) بأنْ ظَنَّ أنَّ أمانَه ماضٍ كأمانِ الصَّبيِّ والمَرأةِ فلا يَمضي وهو فَيءٌ (أمضَى) الأمانَ في المَسائلِ الخَمسِ إنْ أمضَاه الإمامُ (أو رُدَّ) الحَربيُّ (لمحَلِّه) أي: لمحَلِّ التَّأمينِ الذي كانَ فيه، ولا يَجوزُ قَتلُه ولا استِرقاقُه، (وإنْ أُخذَ) الحَربيُّ حالَ كَونِه (مُقبِلًا) إلينا (بأرضِهم) مُتعلِّقًا بأخْذٍ (وقالَ: جِئتُ أطلُبُ الأمانَ) منكم (أو) أُخذَ (بأرضِنا) ومعه تِجارةٌ (وقالَ) لنا: إنَّما دَخلتُ أرضَكم بلا أمانٍ؛ لأنَّي (ظَنَنْتُ أنَّكم لا تَعرِضونَ لتاجِرٍ أو) أُخذَ (بينَهما) وقالَ: جِئتُ أطلُبُ

الأمانَ؛ (رُدَّ) في المَسائلِ الثَّلاثِ (لمَأمَنِه) أي: لمحَلِّ أمْنِه ولا يَجوزُ قَتلُه ولا أسْرُه ولا أخْذُ مالِه.

(وإنْ قامَت قَرينةٌ) على صِدقِه أو كَذِبه (فعليها) العَملُ؛ فإنْ قامَت على كَذبِه رأى الإمامُ فيه رأيَه من قَتلٍ أو استِرقاقٍ أو غيرِهما.

(وإنِ رُدَّ) مُؤمَّنٌ تَوجَّه لبَلدِه قبلَ وُصولِه لها (بريحٍ فعلى أمانِه) الأولِ لا يُتعرَّضُ له (حتى يَصِلَ) لبَلدِه أو لمَأْمَنِه؛ فإنْ رجَعَ بعدَ وُصولِه لها فقيلَ: فَيءٌ، وقيل: إنْ رجَعَ اختيارًا، وقيل: يُخيَّرُ الإمامُ في رَدِّه وإنزالِه.

(وإنْ ماتَ) المُستأمَنُ (عندَنا فمالُه) ودِيَتُه إنْ قُتلَ (فَيءٌ) في بَيتِ المالِ (إنْ لم يَكنْ معه) ببَلدِنا (وارِثٌ)؛ فإنْ كانَ معه وارِثٌ في دينِهم ولو ذا رَحِمٍ فمالُه له دَخلٌ على التَّجهيزِ أم لا (١).

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: فإنْ أشارَ المُسلِمُ إليهم بما يَرَوْنه أمانًا وقالَ: أرَدتُ به الأمانَ، فهو أمانٌ، وإنْ قالَ: لم أُرِدْ به الأمانَ فالقَولُ قَولُه؛ لأنَّه أعلَمُ بنيَّتِه.

فإنْ خرَجَ الكُفارُ من حِصنِهم بِناءً على هذه الإشارةِ لم يَجزْ قَتلُهم، ولكنْ يُردُّونَ إلى مَأمَنِهم.

وقالَ عُمرُ رضي الله عنه: «واللهِ لو أنَّ أحَدَكم أشارَ بإصبَعِه إلى السَّماءِ إلى مُشرِكٍ فنزَلَ بأمانِه فقتَله لقتَلتُه به» رَواه سَعيدٌ.

(١) «الشرح الكبير» (٢/ ١٨٦)، وينظر: «مواهب الجليل» (٣/ ٣٦١)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ١٢٣).

وإنْ ماتَ المُسلِمُ أو غابَ؛ فإنَّهم يُردُّونَ إلى مَأمَنِهم، وبهذا قالَ مالِكٌ والشافِعيُّ وابنُ المُنذِرِ.

فإنْ قيلَ: وكيف صَحَّحتُم الأمانَ بالإشارةِ مع القُدرةِ على النُّطقِ بخِلافِ البَيعِ والطَّلاقِ والعِتقِ؟

قُلنا: تَغليبًا لحَقنِ الدَّمِ كما حُقِنَ دَمُ مَنْ له شُبهةُ كِتابٍ تَغليبًا لحَقنِ دَمِه، ولأنَّ الكُفارَ في الغالِبِ لا يَفهَمون كَلامَ المُسلِمينَ، ولأنَّ المُسلِمينَ لا يَفهَمون كَلامَهم، فدَعَت الحاجةُ إلى التَّكليمِ بالإشارةِ بخِلافِ غيرِه (١).

وقالَ ابنُ المُنذِرِ: وقالَ مالِكٌ والشافِعيُّ: الإشارةُ بالأمانِ أمانٌ، غيرَ أنَّ الشافِعيَّ قالَ: فإنْ قالَ: لم أُؤمِّنْهم بها، فالقَولُ قَولُه، وإنْ ماتَ قبلَ أنْ يَقولَ شَيئًا فليسُوا بآمِنينَ، إلا أنْ يُجدِّدَ لهم الوالي أمانًا، وعلى الوالي إذا ماتَ قبلَ أنْ يُبيِّنَ، أو قالَ: وهو حَيٌّ لم أُؤمِّنْهم أنْ يَرُدَّهم إلى مأمَنِهم ويَنبِذَ إليهم. قالَ أبو بَكرٍ: الإشارةُ بالأمانِ إذا فُهِمت عن المُشيرِ يَقومُ مَقامَ الكَلامِ، استِدلالًا بأنَّ رَسولَ اللهِ قد أشارَ إلى الذين كانُوا خَلفَه في الصَّلاةِ بالقُعودِ فقَعَدوا (٢).

قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: وسُئلَ مالِكٌ عن الإشارةِ بالأمانِ أهي بمَنزِلةِ الكَلامِ؟

(١) «المغني» (٩/ ٢٥٧، ٢٥٨)، وينظر: «المهذب» (٢/ ٢٣٥)، و «روضة الطالبين» (١٠/ ٢٧٩)، و «كشاف القناع» (٣/ ١٠٦)، و «شرح منتهى الإرادات» (١/ ٦٥٣).
(٢) «الأوسط» (١١/ ٢٦٤).

فقالَ: نَعمْ، وإنِّي أَرى أنْ يَتقدَّمَ إلى الجُيوشِ ألَّا تَقتُلوا أحَدًا أشاروا إليه بالأمانِ؛ لأنَّ الإشارةَ عِندي بمَنزِلةِ الكَلامِ، وإنَّه بَلغَني أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عَباسٍ قالَ: «ما ختَرَ قَومٌ بالعَهدِ إلا سلَّطَ اللهُ عليهم العَدوَّ».

وقالَ أبو عُمرَ: إذا كانَ دَمُ الحَربيِّ الكافِرِ يَحرُمُ بالأمانِ؛ فما ظَنُّك بالمُؤمِنِ الذي يُصبِحُ ويُمسي في ذِمةِ اللهِ كيف تَرى في الغَدرِ به والقَتلِ؟ وقد قالَ : «الإيمانُ قيَّدَ الفَتكَ، لا يَفتِكُ مُؤمِنٌ» (١).

وقالَ أيضًا: والغَدرُ أنْ يُؤمِّنَ ثم يَقتُلَ، وهذا حَرامٌ بإجماعٍ، والغَدرُ والقَتلُ سَواءٌ (٢).

وقالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ: (ويَصحُّ) إيجابُ الأمانِ (بكلِّ لفظٍ يُفيدُ مَقصودَه)، صَريحًا كأجَرتُكَ وأمَّنتُكَ، أو لا تَفزَعْ، كأنتَ على ما تُحِبُّ، أو كُنْ كما شِئتَ، (و) يَصحُّ (بكِتابةٍ) بالفَوقيةِ؛ لأثَرٍ فيه عن عُمرَ رضي الله عنه، ولا بدَّ من النِّيةِ؛ لأنَّها كِنايةٌ، أو لا تَخَفْ أو لا بأسَ عليكَ أو أنتَ آمِنٌ أو في أمانِي أو أنتَ مُجارٌ، ولا فَرقَ في اللَّفظِ المَذكورِ بينَ العَربيِّ كما مَرَّ، وبينَ العَجميِّ كمُتَرَّسٍ، أي: لا تَخفْ، أو بكِنايةٍ مع النِّيةِ، (ورِسالةٍ)؛ لأنَّها أقوى من الكِتابةِ، سَواءٌ كانَ الرَّسولُ مُسلمًا أو كافرًا؛ لأنَّ بِناءَ البابِ على التَّوسِعةِ في حَقنِ الدَّمِ، ومُقتَضى هذا جَوازُ الرَّسولِ صَبيًّا، لكنْ لا بدَّ من تَكليفِه كالمُؤمِنِ.

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢٧٦٩)، وأحمد (١٤٣٣).
(٢) «الاستذكار» (٥/ ٣٣، ٣٥).

تَنبيهٌ: يَصحُّ إيجابُ الأمانِ بالتَّعليقِ بالغَررِ كقَولِه: إنْ جاءَ زَيدٌ فقد أمَّنتُك؛ لما مَرَّ أنَّ بِناءَ البابِ على التَّوسِعةِ، وبإشارةٍ مُفهِمةٍ ولو من ناطِقٍ كما سَيأتي في القَبولِ، فلو أشارَ مُسلِمٌ لكافرٍ فظَنَّ أنَّه أمَّنَه فجاءَنا فأنكَر المُسلِمُ أنَّه أمَّنه بها بَلَّغناه مَأمَنَه ولا نَغتالُه لعُذرِه.

فإنْ ماتَ المُشيرُ قبلَ أنْ يُبيِّنَ الحالَ فلا أمانَ ولا اغتيالَ، فيُبلَغُ المَأمَنَ وإلا اغتيلَ، ولِلإمامِ لا للآحادِ جَعلُها أمانًا إنْ رأى في الدُّخولِ لها مَصلَحةً، ولا تَجِبُ إجابةُ مَنْ طلَب الأمانَ إلا إذا طلَبَه لسَماعِ كَلامِ اللهِ تَعالى فتَجِبُ قَطعًا، ولا يُمهَلُ أربَعةَ أشهُرٍ بل قَدْرَ ما يَتمُّ به البَيانُ.

(ويُشترطُ) لصِحةِ الأمانِ (عِلمُ الكافِرِ بالأمانِ) كسائرِ العُقودِ؛ فإنْ لم يَعلَمْ فلا أمانَ له كما قالَاه، وإنْ نازَع في ذلك البُلقينيُّ، فتَجوزُ المُبادَرةُ إلى قَتلِه ولو مِنْ المُؤمِنِ، (فإنْ) علِمَ الكافِرُ بأمانِه و (رَدَّه بطَلَ) جَزمًا؛ لأنَّه عَقدٌ كالهِبةِ، (وكذا) يَبطُلُ (إنْ لم يَقبَلْ في الأصَحِّ) كغيرِه من العُقودِ، والثانِي يَكفي السُّكوتُ لبِناءِ البابِ على التَّوسِعةِ كما مَرَّ.

قالَ البُلقينيُّ وغيرُه: وهو قَضيةُ نَصِّ الشافِعيِّ؛ فإنَّه لم يَعتبِرِ القَبولَ وهو ما عليه السَّلفُ والخَلفُ، ولِما مَرَّ من بِناءِ البابِ على التَّوسِعةِ، لكنْ يُشترطُ مع السُّكوتِ ما يُشعِرُ بالقَبولِ وهو الكَفُّ عن القِتالِ كما صرَّحَ به الماوَرديُّ.

(وتَكفي) ولو مِنْ ناطِقٍ (إشارةٌ مُفهِمةٌ للقَبولِ)، لكنْ يُعتبَرُ في كَونِها كِنايةً من الأخرسِ أنْ يَختَصَّ بفَهمِها فَطِنونَ؛ فإنْ فَهِمها كلُّ أحَدٍ فصَريحةٌ كما علِمَ من الطَّلاقِ.

تَنبيهان:

أحدُهما: قد يُوهِمُ كَلامُه بأنَّ الإشارةَ لا تَكفي في إيجابِ الأمانِ، والمَذهبُ الاكتِفاءُ كما مَرَّ، وهذا بخِلافِ الإشارةِ في الطَّلاقِ والرَّجعةِ وسائرِ العُقودِ حيثُ يُعتبَرُ العَجزُ عن النُّطقِ؛ لأنَّ المَقصودَ هنا حَقنُ الدِّماءِ فكانَت الإشارةُ شُبهةً، واحترَزَ بالمُفهِمةِ عن غيرِ المُفهِمةِ فلا يَصحُّ بها أمانٌ.

الثانِي: أنَّ محَلَّ الخِلافِ في اعتبارِ القَبولِ إنْ لم يَسبِقْ منه استِيجابٌ؛ فإنْ سبَقَ منه لم يَحتَجْ للقَبولِ جَزمًا (١).

وقالَ الإمامُ الأزديُّ القُرطبيُّ رحمة الله عليه: فإذا تقرَّرَ من مُستنَدِ الشَّرعِ وأقوالِ العُلماءِ في مُلاحظةِ ثُبوتِ الأمانِ مُراعاةُ ما دلَّ عليه من قَولٍ أو إشارةٍ أو استِشعارٍ؛ فأقولُ: كلُّ لفظٍ -على أيِّ لُغةٍ كانَ- واصطِلاحٍ حدَثَ أو كِتابةٍ بأيِّ خَطٍّ في مِثلِ ذلك ممَّا اصطُلِح عليه، أو إشارةٍ ورَمزٍ ونَحوِ ذلك ممَّا يُتَفاهَمُ بمِثلِه يُشعِرُ به المُسلِمُ الحَربيَّ بأمانٍ أو يَستَشعِرُ منه الحَربيُّ الأمانَ سَواءٌ أرادَه المُسلِمُ أو لا؛ فهو أمانٌ في الحالِ ممَّا وافَق ما قصَده المُسلِمُ من ذلك، ولم يَكنْ فيه وَجهٌ من وُجوهِ الفَسادِ، ويَجبُ إمضاؤُه والوَفاءُ به إلى غايَتِه، وما لم يَكنْ مُرادُه منه التَّأمينَ إلا أنَّ الحَربيَّ نزَلَ على ذلك مُستَشعِرًا فيه أمانًا، وجَبَ فيه رَدُّ الحَربيِّ إلى مَأمنِه، ثم يَعودُ الأمرُ معه

(١) «مغني المحتاج شرح المنهاج» (٤/ ٢٣٧، ٢٣٨)، و «نهاية المحتاج شرح المنهاج» (٨/ ٨٠).

على أوَّلِه، ولا يَحِلُّ اغتيالُه على هذا الوَجهِ بحالٍ، والدَّليلُ على صِحةِ هذا الحَدِّ: أنَّ ما كانَ من الأقوالِ المُتعارَفةِ في ذلك، فلُزومُه ممَّا لا إشكالَ فيه، وكذلك على كلِّ لُغةٍ؛ لأنَّ ذلك لا يَلزمُ في اللِّسانِ العَربيِّ لخاصيَّةِ أنَّه عَربيٌّ، لكنْ من حيثُ هو وُضعَ في التَّخاطُبِ لإفهامِ الأمانِ، فكذلك سائِرُ الألسِنةِ.

وأمَّا الكِتابةُ وما يَجرِي مَجراها من الإشارةِ ونَحوِها، فكلُّ ذلك من بابِ الاصطِلاحِ والإفهامِ، لا فَرقَ بينَه وبينَ الكَلامِ، والحُكمُ في ذلك للمَعنى والإفهامِ لا لمُجرَّدِ اللَّفظِ، وفيما ثبَتَ من كُتبِ رَسولِ اللهِ إلى مُلوكِ الكُفرِ يَدعوهم إلى الإسلامِ، وإشارَتِه -كما تقدَّمَ- لأصحابِه في غيرِ ما مَوضِعٍ، وإشارةِ التي رضَخَها اليَهوديُّ بالحِجارةِ، فأشارَت إليه برأسِها، وقد سأَلَها عن قاتِلها أنْ: لا، حتى سأَلَها الثالِثةَ، فقالَت: نَعمْ، وأشارَت برأسِها؛ فقتَلَه رَسولُ اللهِ بينَ حَجرَينِ، خرَّجَه مُسلِمٌ.

كلُّ ذلك دَليلٌ واضِحٌ وحُجةٌ بَيِّنةٌ في إمضاءِ الشَّرعِ العَملَ على مَفهومِ ذلك كلِّه، وأمَّا لُزومُ ذلك وإنْ لم يُرِدِ المُسلِمُ به الأمانَ إذا ظَنَّه الحَربيُّ أمانًا؛ فلأنَّه فعَلَ ما يُوهِمُ الأمانَ، فكانَ سَببًا لاطمِئنانِ الحَربيِّ إليه، فثبَتَ له بذلك حُرمةُ الأمانِ، فإمَّا أنْ يُمضيَ له ما ظَنَّ من ذلك أو يُردَّ إلى مَأمَنِه، ولا يَهجُمُ -بعدَ ظَنِّه الأمانَ واطمِئنانِه إلى ذلك- على قَتلِه أو أسْرِه، قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨]، فأمَرَ اللهُ تَعالى أنْ يُعلَموا برَفضِ ما كانُوا يَعتَقِدونه من صِحةِ عَهدِهم

وثُبوتِ أمانِهم، ولم يُبحِ اغتيالَهم حتى يَكونوا على بَصيرةٍ من أمرِهم وأخْذِ حِذرِهم، فكانَ ذلك أصلًا في كلِّ مُستشعِرٍ من أهلِ الكُفرِ أمانًا من المُسلِمينَ، اطمَأنَّ إليه أو نزَلَ عليه.

وأيضًا فالذي يُشيرُ بما يُشعِرُ بالأمانِ، أو يَفعَلُ ما يُستقرَأُ منه الأمانُ وهو لا يُريدُه، فله حالَتانِ:

* إمَّا أنْ يَكونَ لاهيًا غيرَ قاصِدٍ لإشعارِ التَّأمينِ، فهو -وإنْ لم يَلزمْ به التأمينُ مُطلَقًا- لم يَخلُ من شُبهةٍ، فهو سَببُ انبِعاثِ الاطمِئنانِ إليه، فعُهدةُ ذلك على المُسلِمِ حيثُ سبَّبَه لا على الحَربيِّ، فوجَبَ أنْ يُزالَ ذلك بالرَّدِّ إلى مَأمنِه.

* وإمَّا أنْ يَكونَ فعَلَ ذلك ذاكِرًا وهو لا يُريدُ تَأمينَه حَقيقةً، وإنَّما يُريدُ أنْ يُوهِمَه حتى يَتمكَّنَ منه، فهذا هو عَينُ الخِيانةِ والغَدرِ المُحرَّمِ باتِّفاقٍ، ولذلك تَوعَدَ في مِثلِه عُمرُ بنُ الخَطابِ رضي الله عنه بما تَوعَّدَ، ولا خِلافَ يُعلَمُ بينَ المُسلِمينَ في تَحريمِ ذلك (١).

فيَجبُ الالتِزامُ والوَفاءُ بعَقدِ الأمانِ، ويَحرُمُ الغَدرُ والخِيانةُ، فلا يَجوزُ قَتلٌ ولا أسرٌ ولا استِرقاقٌ للمُستأمَنِ بحالٍ؛ لأنَّ الغَدرَ مُحرَّمٌ بإجماعِ العُلماءِ.

قالَ أبو عُمرَ بنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: إذا كانَ دَمُ الحَربيِّ الكافِرِ يَحرُمُ بالأمانِ؛ فما ظَنُّك بالمُؤمِنِ الذي يُصبِحُ ويُمسي في ذِمةِ اللهِ؟ كيف تَرى

(١) «الإنجاد في أبواب الجِهاد» ص (٣٠٣، ٣٠٥).

في الغَدرِ به والقَتلِ؟ وقد قالَ : «الإيمانُ قيَّدَ الفَتكَ، لا يَفتِكُ مُؤمِنٌ» (١).

لكنِ اشترَط الفُقهاءُ لصِحةِ الأمانِ ولُزومِه: ألَّا يَترتَّبَ عليه ضَررٌ يَعودُ على المُسلِمينَ: فقد نَصَّ المالِكيةُ على أنَّ شَرطَ الأمانِ ألَّا يَكونَ على المُسلِمينَ ضَررٌ، فلو أمَّنَ جاسوسًا أو طَليعةً أو مَنْ فيه مَضرةٌ لمْ يَنعقِدْ (٢).

قالَ الإمامُ العَدَويُّ المالِكيُّ: (قَولُه: فلو أمَّن جاسوسًا … إلخ) يُقتَلُ الجاسوسُ حينَئذٍ، إلا أنْ يَرى الإمامُ استِرقاقَه أو يُسلِمَ.

قَولُه: (الطَّلِيعةُ)، قالَ في المِصباحِ: الطَّلِيعةُ: القَومُ يُبعَثونَ أمامَ الجَيشِ يَتعرَّفونَ طِلعَ العَدوِّ، -بِالكَسرِ -أَيْ: خَبرَه- والجَمعُ طَلائِعُ. اه. فهو بهذا الاعتِبارِ مُغايِرٌ للجاسوسِ (٣).

وقالَ سحنُونٌ: إذا أشرَفَ المُسلِمونَ على حِصنٍ وتُيقِّنَ أَخذُه فأمَّنَهم شَخصٌ من المُسلِمينَ؛ فإنَّ للإمامِ رَدَّ تَأمينِه (٤).

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢٧٦٩)، وأحمد (١٤٣٣).
(٢) «الذخيرة» (٣/ ٤٤٦)، و «حاشية الدسوقي» (٢/ ١٨٢)، و «التاج والإكليل» (٣/ ٣٦١)، و «منح الجليل» (٣/ ١٧٣)، و «الثمر الداني» ص (٤١٥)، و «كفاية الطالب» (٢/ ١١).
(٣) «حاشية العدوي» (٢/ ١١).
(٤) «تحبير المختصر» للدميري (٢/ ٤٧٦)، و «التاج والإكليل» (٣/ ٣٦٠)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ١٢٤).

وقالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: ولا يَجوزُ ولا يَصحُّ أمانٌ يَضُرُّ المُسلِمينَ كجاسوسٍ وطَليعةٍ لخَبرِ: «لا ضَررَ ولا ضِرارَ» (١). ويَنبَغي -كما قالَ الإمامُ- ألَّا يَستحِقَّ تَبليغَ المَأمَنِ فيُغتالَ؛ لأنَّ دُخولَ مِثلِه خِيانةٌ.

وفي مَعنى الجاسوسِ مَنْ يَحمِلُ سِلاحًا إلى دارِ الحَربِ ونَحوِه ممَّا يُعينُهم (٢).

وقالَ الإمامُ الغَزاليُّ رحمة الله عليه: أمَّا الشَّرطُ فهو اثنانِ:

أحدُهما: ألَّا يَكونَ على المُسلِمينَ ضَرَرٌ؛ بأنْ يَكونَ طَليعةً أو جاسوسًا؛ فإنْ كانَ قُتلَ ولا نُبالي بالأمانِ، ولا يُشترطُ وُجودُ مَصلَحةٍ مهما انتَفى الضَّررُ (٣).

وقالَ الحَنابِلةُ -كما في «كَشَّافِ القِناعِ» للبُهوتيِّ-: ويُشترطُ للأَمانِ عَدمُ الضَّررِ علينا بتَأمينِ الكُفارِ (٤).

لكنْ هل يَجوزُ اغتيالُ مَنْ أُعطيَ الأمانَ الباطِلَ الذي فيه ضَررٌ علينا -كمَن أمَّنَ جاسوسًا أو طَليعةً- قبلَ أنْ يَبلُغَ مأمَنَه؟ أو لا يَجوزُ إلا بعدَ إعلامِه بذلك لوُجودِ شُبهةِ الأمانِ، نَفيًا للغَدرِ والخِيانةِ؟

فالذي صرَّحَ به المالِكيةُ والشافِعيةُ أنَّه يَجوزُ أنْ يُغتالَ ويُقتلَ.

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢٧٦٩)، وأحمد (١٤٣٣).
(٢) «مغني المحتاج» (٤/ ٢٣٨)، و «روضة الطالبين» (١٠/ ٢٨١).
(٣) «الوسيط» (٧/ ٤٤).
(٤) «كشاف القناع» (٣/ ١٠٤).

قالَ خَليلٌ رحمة الله عليه: وقَتلُ عَينٍ وإنِ أُمِّنَ، والمُسلِمُ كالزِّنديقِ.

قالَ الخَرشيُّ رحمة الله عليه: يَعني أنَّه يَجوزُ قَتلُ الجاسوسِ، وهو مُرادُه بالعَينِ هنا، وهو الذي يَطَّلعُ على عَوراتِ المُسلِمينَ ويَنقُلُ أَخبارَهم للعَدوِّ، فالجاسوسُ رَسولُ الشَّرِّ، وهو ضدُّ الناموسِ؛ الذي هو رَسولُ الخَيرِ، وسَواءٌ كانَ هذا الجاسوسُ عندَنا تَحتَ الذِّمةِ ثم تَبيَّنَ أنَّه عَينٌ للعَدوِّ يُكاتِبُهم بأُمورِ المُسلِمينَ فلا عَهدَ له، أو دخَلَ عندَنا بأمانٍ، وإليه الإشارةُ بقَولِه: (وإنْ أُمِّنَ)؛ لأنَّ الأمانَ لا يَتضمَّنُ كَونَه عَينًا، ولا يَستلزِمَه.

سحنُونٌ: إلا أنْ يَرى الإمامُ استِرقاقَه، ومحَلُّ جَوازِ قَتلِهِ إنْ لم يُسلِمْ، والمَشهورُ أنَّ المُسلِمَ إذا تَبيَّنَ أنَّه عَينٌ للعَدوِّ؛ فإنَّه يَكونُ حُكمُه حينَئذٍ حُكمَ الزِّنديقِ؛ أي: فيُقتَلُ إنْ ظهَرَ عليه ولا تُقبَلُ تَوبَتُه، وهو قَولُ ابنِ القاسِمِ وسحنُونٍ (١).

وقالَ الإمامُ العَدَويُّ المالِكيُّ رحمة الله عليه: قَولُه: (فلو أمَّنَ جاسوسًا … إلخ) يُقتَلُ الجاسوسُ حينَئذٍ، إلا أنْ يَرى الإمامُ استِرقاقَه أو يُسلِمَ (٢).

وقالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: ويُشترطُ ألَّا يَتضرَّرَ به المُسلِمونَ، فلو أمَّنَ جاسوسًا أو طَليعةً لم يَنعقِدِ الأمانُ، قالَ الإمامُ: ويَنبَغي ألَّا يَستحِقَّ تَبليغَ المأمَنِ؛ لأنَّ دُخولَ مِثلِه خيانةٌ فحَقُّه أنْ يُغتالَ (٣).

(١) «مختصر الخرقي» ص (١٠٢)، و «شرح مختصر الخرقي» للخرشي (٣/ ١١٩).
(٢) «حاشية العدوي» (٢/ ١١).
(٣) «روضة الطالبين» (١٠/ ٢٨١).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 188 - 199

ارجع إلى أحكام الأمان للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 5.7 / 29.5
الإضاءة 32%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله وبحمده