الإسلام > الجنايات والحدود > أحكام الأمان > القدر الذي يصح أن يعطيه الإمام والأمراء والأفراد من الأمان
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 11 دقيقة قراءةمَأمنِه (١).
القَدرُ الذي يَصحُّ أنْ يُعطيَه الإمامُ والأُمراءُ والأفرادُ من الأمانِ:
لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ في صِحةِ أمانِ الإمامِ لجَميعِ الكُفارِ وآحادِهم؛ لأنَّ وِلايتَه عامةٌ على المُسلِمينَ؛ لأنَّه مُقدَّمٌ للنَّظرِ والمَصلَحةِ، نائِبٌ عن الجَميعِ في جَلبِ المَنافِعِ ودَفعِ المَضارِّ (٢).
ثم اختَلفَ الفُقهاءُ في القَدْرِ الذي يَجوزُ أنْ يُعطيَه أميرُ الجَيشِ وآحادُ المُسلِمينَ؟
فقالَ الحَنفيةُ: إذا أمَّنَ رَجلٌ حُرٌّ أو امرأةٌ حُرةٌ كافرًا أو جَماعةً أو أهلَ حِصنٍ أو مَدينةٍ صَحَّ أمانُهم ولم يَكنْ لأحدٍ من المُسلِمينَ قِتالُهم، إلا أنْ يَكونَ في ذلك مَفسَدةٌ فينبِذَ إليهم، كما إذا أمَّنَ الإمامُ بنَفسِه ثم رأى المَصلَحةَ في النَّبذِ.
ولو حاصَرَ الإمامُ حِصنًا وأمَّنَ واحِدٌ من الجَيشِ أحدًا -وفيه مَفسَدةٌ- يَنبِذُ الإمامُ لما بيَّنَّا، ويُؤدِّبُه الإمامُ لافتِئاتِه على رأيِه، بخِلافِ ما إذا كانَ فيه نَظَرٌ؛ لأنَّه رُبَّما تَفوتُ المَصلَحةُ بالتأخيرِ فكانَ مَعذورًا.
(١) «الأوسط» (١١/ ٢٦٣)، و «الإجماع» (٢٤٨).
(٢) «الأوسط» (١١/ ٢٦٣)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٤٧٣)، و «التاج والإكليل» (٣/ ٣٥٩).
ولا يَصحُّ أنْ يُعطيَ أحَدُ الأفرادِ الأمانَ إلا للنَّفرِ اليسَيرِ، أمَّا النَّفرُ الكَثيرُ فلا يَجوزُ إلا للإمامِ (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يَصحُّ أمانُ آحادِ المُسلِمينَ إلا للنَّفرِ اليسَيرِ الواحِدِ والعَشرةِ والقافِلةِ الصَّغيرةِ والحِصنِ الصَّغيرِ والعَددِ المَحصورِ … ولا يَصحُّ أمانُه لأهلِ بَلدةٍ ورُستاقٍ وجَمعٍ كَثيرٍ؛ لأنَّ ذلك يُفضي إلى تَعطيلِ الجِهادِ والافتِئاتِ على الإمامِ.
قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: يَصحُّ من كلِّ مُسلمٍ مُكلَّفٍ مُختارٍ أمانٌ حَربيٌّ وعَددٌ مَحصورٌ منهم، قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ: كأهلِ قَريةٍ صَغيرةٍ فقط، وخرَجَ وبالمَحصورِ غيرُهم كأهلِ بَلدٍ أو ناحيةٍ فلا يُؤمِّنُهم الآحادُ لئلَّا يَتعطَّلَ الجِهادُ فيها بأمانِهم (٢).
وقيَّد الرَّمليُّ الشافِعيُّ العَددَ المَحصورَ بمِئةٍ فقط، فقالَ: وعَددٌ مَحصورٌ من أهلِ الحَربِ كمِئةٍ فقط، أي: دونَ غيرِ المَحصورِ كأهلِ بَلدٍ كَبيرٍ؛ لأنَّ هذه هُدنةٌ، وهي مُمتنَعةٌ من غيرِ الإمامِ (٣).
ونَصَّ الشافِعيةُ على أنَّ الأمانَ إذا أدَّى إلى انسِدادِ بابِ الجِهادِ في تلك الناحيةِ امتنَعَ على الإمامِ والآحادِ، وإلا جازَ لهما لئلَّا يَنسَدَّ الجِهادُ في تلك
(١) «الهداية» (٢/ ١٣٩)، و «شرح فتح القدير» (٥/ ٤٦٢)، و «الاختيار» (٤/ ١٣٠)، و «الجوهرة النيرة» (٢/ ٣٦٤)، و «العناية» (٧/ ٤٦٥)، و «حاشية ابن عابدين» (٤/ ١٣٤).
(٢) «مغني المحتاج» (٤/ ٢٣٧)، وانظر: «حاشية قليوبي» (٤/ ٢٢٦).
(٣) «نهاية المحتاج» (٨/ ٨٠).
الناحيةِ وتلك البَلدِ، قالَ البُجيرِميُّ: فمحَلُّ جَوازِ عَقدِ الأمانِ للحَربيِّ في المَحصورِ إذا لم يَلزمْ عليه سَدُّ بابِ الجِهادِ، وإلا امتُنِعَ، بل رُبَّما يُقالُ: إنَّه حينَئذٍ من غيرِ المَحصورِ لما قَرَّروه هنا من أنَّ المُرادَ بالمَحصوِر هنا ما لا يَلزمُ عليه سَدُّ بابِ الجِهادِ وبغيرِ المَحصورِ ما يَلزمُ عليه سَدُّه (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ويَصحُّ أمانُ الإمامِ لجَميعِ الكُفارِ وآحادِهم؛ لأنَّ وِلايَتَه عامةٌ على المُسلِمينَ، ويَصحُّ أمانُ الأميرِ لمَن أُقيم بإزائِه من المُشرِكينَ، فأمَّا في حَقِّ غيرِهم فهو كآحادِ المُسلِمينَ؛ لأنَّ وِلايَتَه على قِتالِ أولئك دونَ غيرِهم، ويَصحُّ أمانُ آحادِ المُسلِمينَ للواحِدِ والعَشرةِ والقافِلةِ الصَّغيرةِ والحِصنِ الصَّغيرِ … ولا يَصحُّ أمانُه لأهلِ بَلدةٍ ورُستاقٍ وجَمعٍ كَثيرٍ؛ لأنَّ ذلك يُفضي إلى تَعطيلِ الجِهادِ والافتئاتِ على الإمامِ (٢).
وقالَ المالِكيةُ: إذا أمَّنَ غيرُ الإمامِ إقليمًا وجَبَ نَظَرُ الإمامِ في ذلك؛ فإنْ كانَ صَوابًا أمضَاه، وإلا رَدَّه وتَولَّى الحُكمَ بنَفسِه، وذلك لأنَّ تَأمينَ الإقليمِ من خَصائِصِ الإمامِ.
والمُرادُ بالإقليمِ: العَددُ الذي لا يَنحصِرُ.
أمَّا تأمينُ الذَّكرِ الحُرِّ البالِغِ المُسلِمِ العَددَ المَحصورَ؛ فإنَّه يَسقطُ به القَتلُ، ولا يَتوقَفَ على إمضاءِ الإمامِ؛ لأنَّه ماضٍ على نَفسِه.
(١) «حاشية البجيرمي على منهج الطلاب» (٤/ ٣٣٥)، و «حواشي الشرواني» (٩/ ٢٦٦).
(٢) «المغني» (٩/ ١٩٦).
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الحرابة
الباب الخامس بماذا تثبت الحرابة
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ تَوْبَتَهُ إِنَّمَا تَكُونُ بِأَنْ يَتْرُكَ مَا هُوَ عَلَيْهِ، وَيَجْلِسَ فِي مَوْضِعِهِ، وَيَظْهَرَ لِجِيرَانِهِ. وَإِنْ أَتَى الْإِمَامُ قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ أَقَامَ عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: إِنَّ تَوْبَتَهُ إِنَّمَا تَكُونُ بِالْمَجِيءِ إِلَى الْإِمَامِ، وَإِنْ تَرَكَ مَا هُوَ عَلَيْهِ لَمْ يُسْقِطْ ذَلِكَ عَنْهُ حُكْمًا مِنَ الْأَحْكَامِ إِنْ أُخِذَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ الْإِمَامُ. وَتَحْصِيلُ ذَلِكَ هُوَ أَنَّ تَوْبَتَهُ قِيلَ: إِنَّهَا تَكُونُ بِأَنْ يَأْتِيَ الْإِمَامَ قَبْلَ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: إِنَّهَا إِنَّمَا تَكُونُ إِذَا ظَهَرَتْ تَوْبَتُهُ قَبْلَ الْقُدْرَةِ فَقَطْ، وَقِيلَ: تَكُونُ بِالْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا.
وَأَمَّا صِفَةُ الْمُحَارِبِ الَّذِي تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيهَا أَيْضًا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَلْحَقَ بِدَارِ الْحَرْبِ.
وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ لَهُ فِئَةٌ.
وَالثَّالِثُ: كَيْفَمَا كَانَتْ، لَهُ فِئَةٌ أَوْ لَمْ تَكُنْ، لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ أَوْ لَمْ يَلْحَقْ.
وَاخْتُلِفَ فِي الْمُحَارِبِ إِذَا امْتَنَعَ، فَأَمَّنَهُ الْإِمَامُ عَلَى أَنْ يَنْزِلَ - فَقِيلَ: لَهُ الْأَمَانُ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ حَدُّ الْحِرَابَةِ. وَقِيلَ: لَا أَمَانَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُؤَمَّنُ الْمُشْرِكُ.
وَأَمَّا مَا تُسْقِطُ عَنْهُ التَّوْبَةُ، فَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ التَّوْبَةَ إِنَّمَا تُسْقِطُ عَنْهُ حَدَّ الْحِرَابَةِ فَقَطْ، وَيُؤْخَذُ بِمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ وَحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
ارجع إلى أحكام الأمان للاطلاع على جميع المسائل.