دخول الحربي دار الإسلام بغير أمان

الإسلام > الجنايات والحدود > أحكام الأمان > دخول الحربي دار الإسلام بغير أمان

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 10 دقيقة قراءة

دخول الحربي دار الإسلام بغير أمان - الأقوال والأدلة

حتى صار في أيديهم ثم خانَهم أو لم يَدُلَّهم فاستَبانَت لهم خيانَتُه فقد بَرِئت منه الذِّمةُ، وصارَ الرأيُ فيه إلى الإمامِ إنْ شاء قتَلَه وإنْ شاءَ جعَله فَيئًا؛ لأنَّ الشَّرطَ هكذا جَرى بينَهم، فقالَ عليه السلام: «المُسلِمونَ عندَ شُروطِهم»، وقالَ عُمرُ رضي الله عنه: الشَّرطُ أملَكُ. أي: يَجبُ الوَفاءُ به، ولأنَّه كانَ مُباحَ الدَّمِ، عَلَّقوا حُرمةَ دَمِه بالدِّلالةِ وتَركِ الخِيانةِ، وتَعليقُ أسبابِ التَّحريمِ بالشَّرطِ صَحيحٌ كالطَّلاقِ والعِتاقِ؛ فإنِ انعَدَم الشَّرطُ بَقيَ حِلُّ دَمِه على ما كانَ، ولأنَّ النَّبذَ بعدَ الأمانِ والإعادةِ إلى مأمَنِه إنَّما كانَ مُعتبَرًا للتَّحرُّزِ عن الغَدرِ، وبالتَّصريحِ بالشَّرطِ قد انتَفى مَعنى الغَدرِ (١).

دُخولُ الحَربيِّ دارَ الإسلامِ بغيرِ أمانٍ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في الحَربيِّ يَدخُلُ دارَ الإسلامِ بغيرِ تِجارةٍ ولم يَدَّعِ أمانًا ما يَكونُ أمرُه؟ هل يَجوزُ قَتلُه أو لا؟ أو هو فَيءٌ لعُمومِ المُسلِمينَ أو هو لمَن وجَدَه خاصةً؟

قالَ الإمامُ مالِكٌ رحمة الله عليه: يَتخيَّرُ فيه الإمامُ، وحُكمُه حُكمُ أهلِ الحَربِ.

وقالَ أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ وأحمدُ في رِوايةٍ: هو فَيءٌ للمُسلِمينَ؛ لأنَّه مما لم يُوجَفْ عليه بخَيلٍ ولا رِكابٍ، والفَيءُ للإمامِ يَصنَعُ فيه ما شاءَ، حيثُ شاءَ فيَتخيَّرُ الإمامُ فيه كالأسيرِ، ولا يَختصُّ به الآخِذُ؛ لأنَّه وُجدَ سَببُ ثُبوتِ المِلكِ لعامةِ المُسلِمينَ في محَلٍّ قابِلٍ للمِلكِ وهو المُباحُ فيَصيرُ مِلكًا للكُلِّ، كما إذا استَولى جَماعةٌ على صَيدٍ.

(١) «شرح السير الكبير» (١/ ٢٨٧).

ولأنَّ أهلَ دارِ الإسلامِ كلَّهم مَنَعةٌ واحِدةٌ؛ فإنَّهم يَذبُّونَ عن دِينٍ واحِدٍ، فكانَت يَدُه يَدَ الكُلِّ مَعنًى، كما إذا دخَلَ الغُزاةُ دارَ الحَربِ، فأخَذَ واحِدٌ منهم شَيئًا من أموالِ الكَفَرةِ؛ فإنَّ المأخوذَ يَكونُ غَنيمةً مَقسومةً بينَ الكُلِّ كذا هذا.

وقالَ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ وأحمدُ في الرِّوايةِ الثانِيةِ: هو لمَن وجَدَه؛ لِما رَواه البُخاريُّ في صَحيحِه: بابُ الحَربِيِّ إذا دخَلَ دارَ الإسلامِ بغيرِ أمانٍ، عن سَلمةَ بنِ الأكوَعِ رضي الله عنه قالَ: «أتى النَّبيَّ عَينٌ من المُشرِكينَ وهو في سَفرٍ فجلَس عندَ أصحَابِه يَتحدَّثُ ثم انفتَلَ، فقالَ النَّبيُّ : اطلُبوهُ واقتُلوه، فقتَلَه فنفَّلَه سلَبَه» (١). فظاهِرُ الحَديثِ يَدلُّ على أنَّه لمَن وجَده؛ لأنَّ نَبيَّ اللهِ إنَّما أعطى سلَبَه لسَلمةَ بنِ الأكوَعِ وَحدَه؛ لأنَّه كانَ قتَلَه، ولأنَّ سَببَ المِلكِ وُجدَ من الآخِذِ خاصةً، فيَختصُّ بمِلكِه، كما إذا دخَلَت طائِفةٌ من أهلِ الحَربِ دارَ الإسلامِ، فاستَقبلَتْها سَريةٌ من أهلِ الإسلامِ فأخذَتْها، فإنَّهم يَختَصُّون بمِلكِها، والدَّليلُ على أنَّ سَببَ المِلكِ وُجدَ من الآخِذِ، خُصوصًا أنَّ السَّببَ هو الأخذُ والاستِيلاءُ هو إثباتُ اليَدِ، وقد وُجدَ ذلك حَقيقةً من الآخِذِ خاصةً، وأهلُ الدارِ إنْ كانَت لهم يَدٌ فهي يَدٌ حُكميةٌ، ويَدُ الحَربيِّ حَقيقيةٌ؛ لأنَّه حُرٌّ، والحُرُّ في يَدِ نَفسِه، واليَدُ الحُكميةُ لا تَصلُحُ مُبطِلةً لليَدِ الحَقيقيةِ؛ لأنَّها دونَها، ونَقْضُ الشَّيءِ بما هو مِثلُه أو بما هو فَوقَه لا بما هو دونَه، فأمَّا يَدُ الآخِذِ فيَدٌ حَقيقيةٌ وهي مُحِقةٌ ويَدُ الحَربيِّ مُبطِلةٌ، فجازَ إبطالُها بها (٢).

(١) رواه البخاري (٢٨٨٦).
(٢) انظر: «المبسوط» للسرخسي (١٠/ ٩٣)، و «بدائع الصنائع» (٧/ ١١٦)، و «شرح مشكل الآثار» (٨/ ٩، ١٠)، و «شرح ابن بطال على صحيح البخاري» (٥/ ٢١٣)، و «فتح الباري» (٦/ ١٦٨)، و «عمدة القاري» (١٤/ ٢٩٦)، و «المدونة الكبرى» (٣/ ١٠)، و «الشرح الكبير» (٢/ ١٨٦)، و «مواهب الجليل» (٣/ ٣٦١)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ١٢٣)، و «المغني» (٩/ ١٩٩)، و «الإنصاف» (٤/ ٢٠٧)، و «المبدع» (٣/ ٣٩٤).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الجنايات
وجوب الدية

التَّحْرِيرُ فِيهِ تَوْبَةً.

(وَجْهُ) الْقَوْلِ الْآخَرِ أَنَّ هَذِهِ جِنَايَةٌ مُغَلَّظَةٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ فِيهَا ثَابِتَةٌ، بِخِلَافِ الْخَطَأِ فَلَا يَصْلُحُ التَّحْرِيرُ تَوْبَةً بِهَا كَمَا فِي الْعَمْدِ؟ وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.

وَأَمَّا الْقَتْلُ الْخَطَأُ فَيَخْتَلِفُ حُكْمُهُ بِاخْتِلَافِ حَالِ الْقَاتِلِ وَالْمَقْتُولِ فَنُفَصِّلُ الْكَلَامَ فِيهِ فَنَقُولُ: الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ إمَّا أَنْ يَكُونَا جَمِيعًا حُرَّيْنِ، وَإِمَّا أَنْ كَانَ الْقَاتِلُ حُرًّا، وَالْمَقْتُولُ عَبْدًا، وَإِمَّا أَنْ كَانَ الْقَاتِلُ عَبْدًا، وَالْمَقْتُولُ حُرًّا، وَإِمَّا أَنْ كَانَا جَمِيعًا عَبْدَيْنِ، فَإِنْ كَانَا حُرَّيْنِ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامٌ مِنْهَا وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ عِنْدَ وُجُودِ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ، وَهِيَ نَوْعَانِ: بَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْقَاتِلِ، وَبَعْضُهَا إلَى الْمَقْتُولِ، أَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْقَاتِلِ فَالْإِسْلَامُ، وَالْعَقْلُ، وَالْبُلُوغُ فَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْكَافِرِ، وَالْمَجْنُونِ، وَالصَّبِيِّ؛ لِأَنَّ الْكُفَّارَ غَيْرُ مُخَاطَبِينَ بِشَرَائِعَ هِيَ عِبَادَاتٌ، وَالْكَفَّارَةُ عِبَادَةٌ، وَالصَّبِيُّ، وَالْمَجْنُونُ لَا يُخَاطَبَانِ بِالشَّرَائِعِ أَصْلًا.

وَأَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْمَقْتُولِ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَقْتُولُ مَعْصُومًا فَلَا تَجِبُ بِقَتْلِ الْحَرْبِيِّ، وَالْبَاغِي لِعَدَمِ الْعِصْمَةِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 204 - 205

ارجع إلى أحكام الأمان للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
الحمد لله