الإسلام > الجنايات والحدود > أحكام الأمان > صفة من يصح منه عقد الأمان
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 11 دقيقة قراءةفأرسَلَ إليه مُعاويةُ فسَألَه فقالَ: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: مَنْ كانَ بينَه وبينَ قَومٍ عَهدٌ فلا يَشُدَّ عُقدَةً ولا يَحُلَّها حتى يَنقَضيَ أمَدُها أو يَنبِذَ إليهم على سَواءٍ. فرجَعَ مُعاويةُ» (١).
قَولُه: «يَنبِذَ إليهم على سَواءٍ» أي: يُعلِمَهم أنَّه يُريدُ أنْ يَغزُوَهم، وأنَّ الصُّلحَ الذي كانَ بينَهم قد ارتفَع، فيَكونَ الفَريقانِ في ذلك على السَّواءِ.
قالَ الإمامُ الأزديُّ القُرطبيُّ: وأجمَعَ المُسلِمونَ على وُجوبِ الوَفاءِ بعَقدِ الأمانِ، وتَحريمِ الخِيانةِ فيه (٢).
صِفةُ مَنْ يَصحُّ منه عَقدُ الأمانِ:
اتَّفقَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الحُرَّ البالِغَ العاقِلَ إذا أمَّنَ صحَّ تأمينُه (٣) للأحاديثِ الآتيةِ في ذلك.
أمانُ المَرأةِ:
وكذلك أمانُ المَرأةِ الحُرةِ جائِزٌ كالرَّجُلِ عندَ جُمهورِ العُلماءِ أبي حَنيفةَ ومالِكٍ والشافِعيِّ وأحمدَ وأصحابِهم والثَّوريِّ والأَوزاعيِّ وأبي ثَورٍ وإسحاقَ وداودَ وغيرِهم.
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢٧٥٩)، والإمام أحمد (١٧٠٥٦)، والترمذي (١٥٨٠)، والنسائي في «الكبرى» (٨٧٣٢).
(٢) «الإنجاد في أبواب الجِهاد» (٢٨٨).
(٣) حَكى الإِجماعَ على ذلك ابنُ المُنذِرِ في «الإجماع» (٢٦٢)، و «الأوسط» (١١/ ٢٥٨)، وابنُ حَزمٍ في «مراتب الإجماع» (١٢١)، والإمامُ الأزْدِيُّ القُرطبيُّ في «الإنجاد في أبواب الجِهاد» (٢٨٨).
لِما رُوي عن علِيٍّ قالَ: «ما كَتَبنا عن النَّبيِّ ﷺ إلا القُرآنَ، وما في هذه الصَّحيفةِ، قالَ النَّبيُّ ﷺ: المَدينةُ حَرامٌ ما بينَ عائِرٍ إلى كذا، فمَن أحدَثَ حَدَثًا أو آوَى مُحدِثًا فعليه لَعنةُ اللهِ والمَلائِكةِ والناسِ أجمَعينَ، لا يُقبَلُ منه عَدلٌ ولا صَرفٌ، وذِمةُ المُسلِمينَ واحدةٌ يَسعَى بها أدناهُم، فمَن أخفَرَ مُسلمًا فعليه لَعنةُ اللهِ والمَلائِكةِ والناسِ أجمَعينَ، لا يُقبَلُ منه صَرفٌ ولا عَدلٌ، ومن والى قَومًا بِغيرِ إذنِ مَواليهِ فعليه لَعنةُ اللهِ والمَلائِكةِ والناسِ أجمَعينَ، لا يُقبَلُ منه صَرفٌ ولا عَدلٌ» (١).
فالمَرأةُ داخِلةٌ في قَولِه ﷺ: «ذِمةُ المُسلِمينَ واحِدةٌ يَسعى بها أدناهم».
وعن أبي النَّضرِ مَولى عُمرَ بنِ عُبَيدِ اللهِ أنَّ أبا مُرةَ مَولى أمِّ هانِئٍ بِنتِ أبي طالِبٍ أخبرَه أنَّهُ سمِعَ أُمَّ هانِئٍ بِنتَ أبي طالِبٍ تَقولُ: «ذهَبتُ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ عامَ الفَتحِ فوجَدتُه يَغتسِلُ وَفاطِمةُ ابنَتُه تَستُرُه، فسلَّمتُ عليه فقالَ: مَنْ هذه؟ فقُلتُ: أنا أُمُّ هانِئٍ بِنتُ أبي طالِبٍ، فقالَ: مَرحَبًا بأمِّ هانِئٍ، فلمَّا فرَغ من غُسلِه قامَ فصلَّى ثَمانِيَ رَكَعاتٍ مُلتحِفًا في ثَوبٍ واحِدٍ، فقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، زعَم ابنُ أمِّي علِيٌّ أنَّه قاتِلٌ رَجلًا قد أجَرتُه، فُلانَ بنَ هُبيرةَ. فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: قد أجَرْنا من أجَرتِ يا أمَّ هانِئٍ. قالَت أمُّ هانِئٍ: وذلك ضُحًى» (٢).
(١) رواه البخاري (٣٠٠٨)، ومسلم (١٣٧٠).
(٢) رواه البخاري (٣٠٠٠) باب: أَمانُ النِّساءِ وجِوارُهنَّ، ومسلم (٣٣٦)، ومالك في «الموطأ» (٣٥٦).
قالَ ابنُ المُنذِرِ رحمة الله عليه: أجمَعَ عامةُ من نَحفَظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ على أنَّ أمانَ المَرأةِ الحُرةِ جائِزٌ … وممَّن قالَ بأنَّ أمانَ المَرأةِ جائِزٌ مالِكُ بنُ أنَسٍ وسُفيانُ الثَّوريُّ والأَوزاعيُّ والشافِعيُّ وأحمدُ وإسحاقُ وأصحابُ الرأيِ. وكذلك نَقولُ: ودلَّت الأخبارُ الثابِتةُ عن رَسولِ اللهِ الدَّالةُ على ذلك، مِنْ إجارةِ أمِّ هانِئٍ وزَينبَ بِنتِ رَسولِ اللهِ، فأمضى رَسولُ اللهِ ﷺ لهما ذلك.
وقالَت عائِشةُ رضي الله عنها: «إنْ كانَت المَرأةُ لتُجيرُ على المُؤمِنينَ فيَجوزُ ذلك»، ولِهذا قالَ كلُّ مَنْ نَحفَظُ عنه مِنْ عُلماءِ الأمصارِ؛ إلا شَيئًا ذكَرَه عبدُ المَلكِ صاحِبُ مالِكٍ لا أحفَظُ ذلك عن غيرِه، سُئلَ عبدُ المَلكِ عن الأمانِ إلى مَنْ هو؟ فقالَ: ذاك إلى الأئِمةِ ووالي الجَيشِ ووالي السَّريةِ والجَيشِ. قيلَ: فما جاءَ أنَّه يُجيرُ على المُسلِمينَ أدناهم ويَرُدُّ عليهم أقصاهم، وما جاءَ من أمرِ أمِّ هانِئٍ ومَن أجارَت؟ فقالَ: لعَلَّ الذي جاءَ من ذلك إنَّما كانَ بعدَما بانَت وُجوهُه، وعلِمَ أنَّه في تلك الحالِ أوْلى، وهو المُصلِحُ للإسلامِ وأهلِه، ولَعلَّ ذلك في ذلك الوَقتِ خاصةً، فأمَّا أمرُ الأمانِ فهو إلى الإمامِ، وهو فيما أعلَمُ من أعظَمِ ما استُعمِل له.
قالَ أبو بَكرٍ: يَترُكُ ظاهِرَ الأخبارِ بأنْ يُكرِّرَ (لَعلَّ) في كَلامِه، وقلَّ
شَيءٌ إلا وهو يَحتمِلُ (لَعلَّ)، وتَركُ ظاهِرِ الأخبارِ غيرُ جائِزٍ للعِللِ، وفي قَولِ رَسولِ اللهِ ﷺ: «ويَسعى بذِمتِهم أدْنَاهم» دَليلٌ على إغفالِ هذا القائِلِ، ثم هو مع ذلك خِلافُ خَبرِ أمِّ هانِئٍ وزَينبَ بِنتِ رَسولِ اللهِ ﷺ، وخِلافُ قَولِ عائِشةَ رضي الله عنها، وخِلافُ ما قالَ أُستاذُه
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب السرقة)
(باب ما يجب فيه القطع من كتاب الحدود وغيره)
(كِتَابُ السَّرِقَةِ)
(بَابُ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ من كتاب الحدود وغيره)
(مسألة)
قَالَ الشَّافِعِيُّ: رَحِمَهُ اللَّهُ " الْقَطْعُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا لِثُبُوتِ الْخَبَرِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بذلك) .
قال الماوردي: والأصل فِي وُجُوبِ قَطْعِ السَّارِقِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} المائدة: ٣٨ وفي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ " وَالسَّارِقُونَ وَالسَّارِقَاتُ فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا) ، فَجَعَلَ حَدَّ السَّرِقَةِ قَطْعَ الْيَدِ لِتَنَاوُلِ الْمَالِ بِهَا، وَلَمْ يَجْعَلْ حَدَّ الزِّنَا قَطْعَ الذَّكَرِ لِمُوَاقَعَةِ الزِّنَا بِهِ لِثَلَاثَةِ مَعَانٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ لِلسَّارِقِ مِثْلَ يَدِهِ إِذَا قُطِعَتْ، وَلَيْسَ لِلزَّانِي مِثْلَ ذَكَرِهِ إِذَا قُطِعَ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْحُدُودَ زَجْرٌ لِلْمَحْدُودِ وَغَيْرِهِ، وَالْيَدُ تُرَى وَالذَّكَرِ لَا يُرَى.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ فِي قَطْعِ الذَّكَرِ إِبْطَالُ النَّسْلِ وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي قَطْعِ الْيَدِ، وَقَدْ قُطِعَ السَّارِقُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ حَكَمَ بِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ فأمر الله تعالى به في الإسلام فكان أول سارق قطع من الرجال في الإسلام الْخِيَارَ بْنَ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَمِنَ النِّسَاءِ مُرَّةَ بِنْتَ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ.
ارجع إلى أحكام الأمان للاطلاع على جميع المسائل.