الإسلام > الجنايات والحدود > أحكام الجاسوس > أولا: تعريف التجسس
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 7 دقيقة قراءةأوَّلاً: تَعريفُ التَّجسُّسِ:
أ- التَّجسُّسُ في اللُّغةِ:
قالَ الرازيُّ رحمة الله عليه في «مُختارِ الصِّحاحِ»: جَسَّه بيَدِه أي: مَسَّه … وجَسَّ الأخبارَ وتجَسَّسها: تَفحَّصَ عنها، ومنه الجاسوسُ (١).
وفي «المِصباحِ المُنيرِ»: جَسَّ الأخبَارَ وتجَسَّسها: تتبَّعَها، ومنه الجاسُوسُ؛ لأنَّه يَتتبَّعُ الأخبارَ ويَفحَصُ عن بَواطِنِ الأُمورِ، ثم استُعيرَ لنَظرِ العَينِ (٢).
وفي «تاجِ العَروسِ»: الجَسُّ: تَفحُّصُ الأخبارِ والبَحثُ عنها، كالتَّجسُّسِ … وقيلَ: التَّجسُّسُ بالجيمِ: البَحثُ عن العَوراتِ، وبالحاءِ: الاستِماعُ، ومعناهما واحِدٌ في تَطلُّبِ مَعرِفةِ الأخبارِ، ومنه الجاسوسُ والجَسيسُ كأميرٍ: لصاحِبِ سِرِّ الشَّرِّ، وهو العَينُ الذي يَتجسَّسُ الأخبارَ (٣).
وقالَ ابنُ الأثيرِ رحمة الله عليه: التَّجسُّسُ بالجِيمِ: التَّفتيشُ عن بَواطِنِ الأُمورِ (٤).
(١) «مختار الصحاح» ص (٤٤).
(٢) «المصباح المنير» (١/ ١٠١).
(٣) «تاج العروس» (١٥/ ٤٩٩).
(٤) «النهاية» (٢/ ٢٧٢).
هذا مَعنى التَّجسُّسِ في اللُّغةِ، وكلُّها تَدورُ في فَلكِ هذه المَعاني: التَّتبُّعِ للمَعلوماتِ والأخبارِ، وتَفحُّصِها من أجلِ التَّثبُّتِ منها، والتَّفتيشِ عن الأسرارِ أو بَواطِنِ الأُمورِ.
ب- وأمَّا ما يَتَّصِلُ بالأعمالِ التي تُعتبَرُ من التَّجسُّسِ والتي لا تُعتبَرُ فهي:
التَّجسُّسُ على عَوراتِ المُسلِمينَ، ونَقلُ المَعلوماتِ التي تُعتبَرُ من الأخبارِ السِّرِّيةِ في الحَربِ، ومُحاوَلةُ الحُصولِ على المَعلوماتِ المُتعلِّقةِ بالوَضعِ العَسكريِّ للجَيشِ الإسلاميِّ، أو للدَّولةِ الإسلاميةِ.
والمُرادُ بعَوراتِ المُسلِمينَ هنا -هو ما جاءَ في المِصباحِ المُنيرِ- قالَ: «العَورةُ في الثَّغرِ والحَربِ خَللٌ يُخافُ منه والجَمعُ عَوراتٌ» (١).
وجاء في بعضِ ما يَقومُ به الجاسوسُ لمَصلَحةِ الأعداءِ ما قالَه الدَّرديرُ رحمة الله عليه في «الشَّرحِ الكَبيرِ»: كأنْ يَكتُبَ لهم كِتابًا أو يُرسِلَ رَسولًا بأنَّ المحَلَّ الفُلانيَّ للمُسلِمينَ لا حارِسَ فيه، مَثلًا، ليأتوا منه (٢).
وأمَّا نَقلُ المَعلوماتِ التي تُعتبَرُ من الأخبارِ السِّريةِ في الحَربِ فمِثالُه ما ذُكِر في كِتابِ «الأُمِّ» للشافِعيِّ عن بعضِ ما يَقومُ به الجاسوسُ: يَكتُبُ إلى المُشرِكينَ من أهلِ الحَربِ بأنَّ المُسلِمينَ يُريدون غَزوَهم (٣). أي: حينَ تُريدُ الدَّولةُ الإسلاميةُ إحاطةَ التَّحضيراتِ العَسكريةِ لهذا الغَرضِ بالسِّريةِ والكِتمانِ، ثم يَكتشِفُ أحَدُهم هذا الأمرَ، فيُحاوِلُ أنْ يَقومَ بإخبارِ العَدوِّ بذلك كما في قِصةِ حاطِبِ بنِ أبي بَلتَعةَ الآتي ذِكرُها.
(١) «المصباح المنير» (٢/ ٤٣٧).
(٢) «الشرح الكبير» (٢/ ٢٠٥).
(٣) «الأم» (٤/ ٢٤٩).
وأمَّا مُحاوَلةُ الحُصولِ على المَعلوماتِ المُتعلِّقةِ بالوَضعِ العَسكريِ للجَيشِ الإسلاميِّ أو للدَّولةِ الإسلاميةِ فهو كما جاءَ في قِصةِ «العَينِ» أو: «الجاسوسِ» الذي تَغدَّى مع المُسلِمينَ، وهُم يَستَعِدُّون لحَربِ «هَوازِنَ» في «حُنَينٍ» ليَطَّلعَ على جَيشِ المُسلِمينَ، ففي صَحيحِ البُخاريِّ عن سَلمةَ ابنِ الأكوَعِ رضي الله عنه قالَ: أتى النَّبيَّ ﷺ عَينٌ من المُشرِكينَ وهو في سَفرٍ، فجلَس عندَ أصحابِه يَتحدَّثُ، ثم انفتَلَ، فقالَ النَّبيُّ ﷺ: «اطلُبوه واقتُلوه، فقتَلَه فنفَّلَه سلَبَه» (١).
وعندَ مُسلمٍ في القِصةِ نَفسِها: « … ثم تَقدَّمَ يَتغدَّى مع القَومِ وجعَلَ يَنْظُرُ وفينا ضَعفةٌ ورِقَّةٌ في الظَّهرِ وبَعضُنا مُشاةٌ إذ خرَجَ يَشتَدُّ … » (٢).
وعند أحمدَ وابنِ حِبانَ في صَحيحِه في القِصةِ نَفسِها: « … فأتى بَعِيرهُ فقعَد عليه فخرَجَ يَركُضُه وهو طَليعةٌ للكُفارِ … » (٣).
قالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ رحمة الله عليه: الطَّليعةُ: أي: مَنْ يُبعَثَ إلى العَدوِّ ليَطَّلعَ على أحوالِهم، وهو اسمُ جِنسٍ يَشمَلُ الواحِدَ فما فَوقَه (٤).
وعلى هذا فالمُرادُ بالتَّجسُّسِ هنا ليسَ هو مُجرَّدَ الحُصولِ على أيِّ مَعلوماتٍ تَتَّصِلُ بأحوالِ المُسلِمينَ ونَقلِها إلى الدُّولِ أو الجِهاتِ غيرِ
(١) رواه البخاري (٢٨٨٦).
(٢) رواه مسلم (١٧٥٤).
(٣) رواه الإمام أحمد (١٦٥٨٤)، وابن حبان في «صحيحه» (٤٨٤٣).
(٤) «فتح الباري» (٦/ ٥٢).
ارجع إلى أحكام الجاسوس للاطلاع على جميع المسائل.