الإسلام > الجنايات والحدود > أحكام المعابد والبيع والكنائس وأقسام المعابد > إعادة المنهدم
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 15 دقيقة قراءةإعادةُ المُنهدِمِ:
ذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في المَذهبِ والشافِعيةُ في الأصَحِّ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّه إذا انهَدَمت الكَنيسةُ التي أُقِرَّ أهلُها عليها؛ فإنَّ للذِّميِّينَ إعادَتُها (١).
قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: لو انهدَمَت كَنيسةٌ فلهم أنْ يَبنوها كما كانَت؛ لأنَّ لهذا البِناءِ حُكمَ البَقاءِ، ولهم أنْ يَستَبقوها فلهم أنْ يَبنوها، وليسَ لهم أنْ يُحوِّلوها من مَوضعٍ إلى مَوضعٍ آخرَ؛ لأنَّ التَّحويلَ من مَوضعٍ إلى مَوضعٍ آخَر في حُكمِ إحداثِ كَنيسةٍ أُخرى (٢).
(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ١١٤)، و «البناية شرح الهداية» (٧/ ٢٥٦)، و «شرح فتح القدير» (٦/ ٥٨)، و «حاشية ابن عابدين» (٤/ ٢٠٤، ٢٠٦)، و «منح الجليل» (٣/ ٢٢٣)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٥٩٩)، و «فتاوى السبكي» (٢/ ٤١٥)، و «روضةالطالبين» (١٠/ ٣٢٤)، و «المهذب» (٢/ ٢٥٥)، و «الإفصاح» (٢/ ٣٣٨)، و «المغني» (١٢/ ٦٩٩، ٧٠٠)، و «أحكام أهل الذمة» (٢/ ١٣٧، ١٤٠)، و «كشاف القناع» (٣/ ١٣٣)، و «الفروع» (٦/ ٢٤٩).
(٢) «بدائع الصنائع» (٧/ ١١٤).
وقالَ بَدرُ الدِّينِ العَينيُّ رحمة الله عليه في البِنايةِ: [إحداثُ البِيَعِ والكَنائسِ في أرضِ العَربِ].
م: (وإنِ انهَدَمت البِيَعُ والكَنائسُ القَديمةُ أَعادوها) ش: المُرادُ من القَديمةِ ما كانَت قبلَ فَتحِ الإمامِ بَلدَهم ومُصالَحتِهم على إقرارِهم على بَلدِهم وأَراضِيهم، ولا يُشترطُ أنْ يَكونَ في زَمنِ الصَّحابةِ والتابِعينَ لا مَحالةَ. م: (لأنَّ الأبنيةَ لا تَبقى دائِمةً، ولَما أَقرَّهم الإِمامُ فقد عهِدَ إليهم الإِعادةَ، إلا أنَّهم لا يُمكَّنونَ من نَقلِها؛ لأنَّه) ش: أي؛ لأنَّ النَّقلَ. م: (إحداثٌ في الحَقيقةِ) ش: وقالَ مُحمدٌ رحمة الله عليه في «نَوادرِ هِشامٍ»: إنِ انهدَمَت كَنيسةٌ من كَنائسِهم أو بِيعةٌ أو بَيتُ نارٍ، فلهم أنْ يَبنوها كما كانَت، وليسَ لهم أنْ يُحوِّلوها من مَوضعٍ إلى آخَرَ في المِصرِ، فقَولُه: أنْ يَبنوها كما كانَت، يُريدُ به قَدرَ بِناءِ الأولِ، أمَّا الزِّيادةُ على البِناءِ الأولِ فمَمنوعةٌ؛ لأنَّها إحداثُ بِيعةٍ في المِصرِ (١).
وقالَ النَّوويُّ رحمة الله عليه: وإذا انهدَمَت الكَنيسةُ المُبقاةُ، فلهم إعادتُها على الأصَحِّ، ومنَعها الإصطَخريُّ وابنُ أبي هُريرةَ؛ فإنْ جوَّزْنا، فليسَ لهم تَوسيعُ خُطَّتِها على الصَّحيحِ (٢).
وقالَ الإمامُ الشِّيرازيُّ رحمة الله عليه: وما جازَ تَركُه من ذلك في دارِ الإسلامِ إذا انهدَمَ فهل تَجوزُ إعادتُه؟ فيه وَجهانِ:
(١) «البناية شرح الهداية» (٧/ ٢٥٦).
(٢) «روضة الطالبين» (١٠/ ٣٢٤).
أحدُهما -وهو قَولُ أبي سَعيدٍ الإصطَخريِّ وأبي عليِّ بنِ أبي هُريرةَ: أنَّه لا يَجوزُ؛ لما رَوى كَثيرُ بنُ مُرةَ قالَ: سَمِعتُ عُمرَ بنَ الخَطابِ رضي الله عنه يَقولُ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «لا تُبنَى كَنيسةٌ في الإسلامِ ولا يُجدَّدُ ما خُرِّب منها» (١)، ورَوى عبدُ الرَّحمنِ بنُ غُنمٍ في كِتابِ عُمرَ بنِ الخَطابِ على نَصارى الشامِ (ولا يُجدَّدُ ما خُرِّبَ منها) (٢)، ولأنَّه بِناءُ كَنيسةٍ في دارِ الإسلامِ فمُنعَ منه، كما لو بَناها في مَوضعٍ آخَرَ.
والثاني: أنَّه يَجوزُ؛ لأنَّه لمَّا جازَ تَشييدُ ما تَشعَّث منها جاز إعادةُ ما انهدَمَ، وإنْ عُقدَت الذِّمةُ في بَلدٍ لهم يَنفرِدونَ به لم يُمنَعوا من إحداثِ الكَنائسِ والبِيَعِ والصَّوامعِ ولا مِنْ إعادةِ ما خُرِّب منها (٣).
وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وكلُّ مَوضعٍ قُلنا فيه: يَجوزُ إقرارُها، لم يَجزْ هَدمُها، ولهم رَمُّ ما تَشعَّث منها وإِصلاحُها؛ لأنَّ المَنعَ من ذلك يُفضي إلى خَرابِها وذَهابِها فجَرى مَجرى هَدمِها، وإنْ وقَعَت كلُّها لم يَجزْ بِناؤُها، وهو قَولُ بعضِ أصحابِ الشافِعيِّ، وعن أحمدَ أنَّه يَجوزُ، وهو قَولُ أبي حَنيفةَ والشافِعيِّ؛ لأنَّه بِناءٌ لما استُهدِمَ فأشبَه بِناءَ بَعضِها إذا انهدَمَ ورُمَّ شَعثُها، ولأنَّ استَدامَتها جائِزةٌ وبِناءَها كاستِدامتِها، وحمَلَ الخَلَّالُ قَولَ أحمدَ لهم أنَ يَبنوا ما انهدَم منها، أي: إذا انهدَمَ بَعضُها ومنَعه من بِناءِ ما انهدَمَ على ما إذا ما انهدَمَت كلُّها فجمَع بينَ الرِّوايتَينِ.
(١) ضَعِيفٌ جدًّا: تقدم.
(٢) حَدِيثٌ حَسَنٌ: تَقدَّمَ.
(٣) «المهذب» (٢/ ٢٥٥).
ولنا: في كِتابِ أهلِ الجَزيرةِ لعِياضِ بنِ غُنمٍ (ولا نُجدِّدَ ما خرِبَ من كَنائسِنا) (١) ورَوى كَثيرُ بنُ مُرةَ قالَ: سَمِعت عُمرَ بنَ الخَطابِ يَقولُ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «لا تُبنَى الكَنِيسةُ في الإسلامِ ولا يُجدَّدُ ما خرِبَ منها» (٢).
ولأنَّ هذا بِناءُ كَنيسةٍ في دارِ الإسلامِ فلم يَجزْ، كما لو ابتُدِئ بِناؤُها وفارَقَ رَمَّ شَعثِها؛ فإنَّه إِبقاءٌ واستِدامةٌ، وهذا إِحداثٌ (٣).
وذهَبَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ والشافِعيةُ في وَجهٍ وابنُ الماجِشونِ من المالِكيةِ إلى عَدمِ جَوازِ إعادةِ ما انهدَمَ منها (٤).
قالَ ابنُ القَيمِ رحمة الله عليه بعدَما ذكَرَ الرِّوايتَينِ عن أحمدَ: ويَغلِبُ في ظَنِّي أنَّ ما ذكَرَه أبو بَكرٍ أضبَطُ -يَعني الخَلَّالَ-؛ فإنَّه قالَ: أخبَرني عبدُ اللهِ قالَ: قالَ أبي: وما انهدَمَ فليسَ لهم أنْ يَبنوه، ثم ذكَرَ النُّصوصَ التي ذكَرْناها في رِوايةِ حَنبَلٍ وابنِ مُشَيشٍ، واختارَ الخَلَّالُ مَنعَ البِناءِ وجَوازَ رَمِّ الشَّعثِ.
واختَلفَ أصحابُ الشافِعيِّ في ذلك، فقالَ أبو سَعيدٍ الإصطَخريُّ: يَمنَعونَ من ذلك، قالَ: حتى إنِ انهدَمَ حائِطُ البِيعةِ مُنِعوا من إعادتِه ورَدِّه، وإنِ انثلَم مُنِعوا من سَدِّه، وإنْ أَرادوا أنْ يُطيِّنوا وَجهَ الحائِطِ الذي يَلينا مُنِعوا منه، وإنْ طيَّنوا الحائِطَ الذي يَلي البِيعةَ كانَ لهم ذلك، وكذلك إنْ بنَوْا دونَ
(١) حَدِيثٌ حَسَنٌ: تَقدَّمَ.
(٢) ضَعِيفٌ جدًّا: تَقدَّمَ.
(٣) «المغني» (١٢/ ٦٩٩، ٧٠٠).
(٤) المَصادِر السابِقَة.
هذا الحائِطِ الذي يَلي البِيعةَ حتى يُهدمَ ذلك لم يَجزْ؛ لأنَّهم يُمنَعونَ من الإحداثِ، وهذه الإعادةُ إحداثٌ.
وأبى ذلك سائِرُ أصحابِ الشافِعيِّ وقالُوا: نحن قد أقرَرْناهم على البِيَعِ، فلو منَعناهم من رُقعِ ما استَرَمَّ منه ومن إعادةِ ما انهدَمَ كانَ بمَنزِلةِ القَلعِ والإزالةِ؛ إذ لا فَرقَ بينَ أنْ يُزيلَها وبينَ أنْ يُقرَّها عليهم ثم يَمنعَهم من عِمارتِها.
واختَلفَت المالِكيةُ على قَولَينِ أيضًا: فقالَ ابنُ الماجِشونِ: يُمنَعونَ من رَمِّ كَنائسِهم القَديمةِ إذا رُثَّت إلا أنْ يَكون ذلك في شَرطِ عَقدِهم، ونقَلَ أبو عُمرَ أنَّهم لا يُمنَعونَ من إصلاحِ ما وَهَى منها.
واحتَجَّ القاضي على المَنعِ بحَديثٍ رَواه عن الخَطيبِ عن ابنِ رزقوَيْهِ ثنا مُحمدُ بنُ عَمرٍو ثنا مُحمدُ بنُ غالِبِ بنِ حَربٍ ثنا بَكرُ بنُ مُحمدٍ القُرشيُّ ثنا سَعيدُ بنُ عبدِ الجَبَّارِ عن سَعيدِ بنِ سِنانٍ عن أبي الزاهِريةِ عن كَثيرِ بنِ مُرةَ قالَ: سَمِعت عُمرَ بنَ الخَطابِ رضي الله عنه يَقولُ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «لا تُبنَى كَنِيسةٌ في الإسلامِ ولا يُجدَّدُ ما خرِبَ منها».
وهذا لو صَحَّ لكانَ كالنَّصِّ في المَسألةِ، ولكنْ لا يَثبُتُ هذا الإسنادُ، ولكنْ في شُروطِ عُمرَ عليهم: «ولا يُجدَّدُ مَا خُرِّبَ من كَنائسِنا».
قالُوا: ولأنَّ تَجديدَها بمَنزلةِ إِحداثِها وإِنشائِها فلا يُمكَّنونَ منه.
قالُوا: ولأنَّه بِناءٌ لا يَملِكُ إحداثَه فلا يَملِكُ تَجديدَه كالبِناءِ في أرضِ الغيرِ بغيرِ إذنِه.
فإنْ قيلَ: الباني في مِلكِ الغيرِ بغيرِ إذنِه لا يَملِكُ الاستِدامةَ فلا يَملِكُ التَّجديدَ، وهؤلاء يَملِكونَ الاستِدامةَ فملَكوا التَّجديدَ.
قيلَ: لا يَلزمُ هذا؛ فإنَّه لو أعارَه حائِطًا لوَضْعِ خَشبةٍ عليه جاز له استِدامةُ ذلك، فلو انهدَمَ الحائِطُ فبَناه صاحِبُه لم يَملِكِ المُستعيرُ تَجديدَ المَنفعةِ.
وكذلك لو ملَكَ الذِّميُّ دارًا عاليةَ البُنيانِ جاز له أنْ يَستديمَ ذلك، فلو انهدَمَت فأرادَ بِناءَها لم يَكنْ له أنْ يَبنيَها على ما كانَت عليه، بل يُساويَ بها بُنيانَ جِيرانِه من المُسلِمينَ أو يَحُطَّها عنه.
وأيضًا: لو فتَحَ الإمامُ بَلدًا في بِيعةٍ خَرابٍ لم يَجزْ له بِناؤُها بعدَ الفَتحِ كذلك ههنا.
وأيضًا: فإنَّه إذا انهدَمَ جَميعُها زال الاسمُ عنها؛ ولِهذا لو حلَفَ لا دَخلتُ دارًا، فانهدَمَت جَميعُها ودخَلَ بَراحَها لم يَحنَثْ لزَوالِ الاسمِ.
فلو قُلنا: يَجوزُ بِناؤُها إذا انهدَمَت كانَ فيه إحداثُ بِيعةٍ في دارِ الإسلامِ، وهذا لا يَجوزُ كما لو لمْ يَكنْ هناك بِيعةٌ أَصلًا.
قالَ المُجوِّزونَ -وهُم أصحابُ أبي حَنيفةَ والشافِعيِّ، وكَثيرٌ من أَصحابِ مالِكٍ وبَعضُ أصحابِ أحمدَ-: لمَّا أقرَرْناهم عليها تَضمَّنَ إِقرارُنا لهم جَوازَ رَمِّها وإِصلاحِها وتَجديدِ ما خرِبَ منها، وإلا بطَلَت رَأسًا؛ لأنَّ البِناءَ لا يَبقى أبدًا، فلو لمْ يَجزْ تَمكينُهم من ذلك لم يَجزْ إقرارُها.
قالَ المانِعونَ: نحن نُقِرُّهم فيها مُدةَ بَقائِها كما نُقِرُّ المُستأمَنَ مُدةَ أمانِه، وسِرُّ المَسألةِ أنَّا أقرَرْناهم اتِّباعًا لا تَمليكًا؛ فإنَّا ملَكْنا رَقبتَها بالفَتحِ وليسَت مِلكًا لهم.
واختارَ صاحِبُ «المُغني» جَوازَ رَمِّ الشَّعثِ وإنَّما مُنعَ بِناؤُها إذا تهدَّمَت، قالَ: لأنَّ في كِتابِ أهلِ الجَزيرةِ لعِياضِ بنِ غُنمٍ: «ولا نُجدِّدَ ما خرِبَ من كَنائسِنا»، ورَوى كَثيرٌ بنُ مُرةَ قالَ: سَمِعت عُمرَ بنَ الخَطابِ يَقولُ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «لا تُبنَى كَنيسةٌ في الإسلامِ ولا يُجدَّدُ مَا خرِبَ منها».
قالَ: ولأنَّ هذا بِناءُ كَنيسةٍ في الإسلامِ فلم يَجزْ، كما لو ابتُدئ بِناؤُها وفارَقَ رَمَّ ما شعِثَ منها؛ فإنَّه إبقاءٌ واستِدامةٌ، وهذا إحداثٌ.
قالَ: وقد حمَلَ الخَلَّالُ قَولَ أحمدَ: لهم أنْ يَبنوا ما انهدَمَ منها، أي: إذا انهدَمَ بَعضُها، ومَنْعَه من بِناءِ ما انهدَمَ على ما إذا انهدَمَت كلُّها، فجمَع بينَ الرِّوايتَينِ (١).
فائِدةٌ: قالَ الإمامُ ابنُ عابدِين رحمة الله عليه: مَطلَبٌ ليسَ المُرادُ من إعادةِ المُنهدِمِ أنَّه جائِزٌ نَأمرُهم به، بل المُرادُ: نَتركُهم وما يَدينونَ.
تَنبيهٌ: ذكَرَ الشُّرنبُلاليُّ في رِسالةٍ في أحكامِ الكَنائسِ عن الإمامِ السُّبكيِّ مَعنى قَولِهم: لا نَمنعُهم من التَّرميمِ: ليسَ المُرادُ أنَّه جائِزٌ نَأمرُهم به، بل بمَعنى: نَتركُهم وما يَدينونَ، فهو من جُملةِ المَعاصي التي يُقَرُّونَ عليها
(١) «أحكام أهل الذمة» (٢/ ١٣٧، ١٤٠).
ارجع إلى أحكام المعابد والبيع والكنائس وأقسام المعابد للاطلاع على جميع المسائل.