القسم الثاني: بلاد أنشئت قبل الإسلام فافتتحها المسلمون عنوة وملكوا أرضها وساكنيها

الإسلام > الجنايات والحدود > أحكام المعابد والبيع والكنائس وأقسام المعابد > القسم الثاني: بلاد أنشئت قبل الإسلام فافتتحها المسلمون عنوة وملكوا أرضها وساكنيها

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 19 دقيقة قراءة

القسم الثاني: بلاد أنشئت قبل الإسلام فافتتحها المسلمون عنوة وملكوا أرضها وساكنيها - الأقوال والأدلة

فيه مَجامعَ للكُفرِ، وما وُجدَ في هذه البِلادِ من البِيَعِ والكَنائسِ مِثلَ كَنيسةِ الرُّومِ في بَغدادَ فهذه كانَت في قُرى أهلِ الذِّمةِ فأُقِرَّت على ما كانَت عليه (١).

القِسمُ الثانِي: بِلادٌ أُنشِئت قبلَ الإسلامِ فافتتَحها المُسلِمونَ عَنوةً وملَكوا أرضَها وساكِنيها:

فهذه البِلادُ لا يَجوزُ أنْ يُحدَثَ فيها شَيءٌ من البِيَعِ والكَنائسِ بإجماعِ أهلِ العِلمِ، ولا يَجوزُ أنْ يُصالِحوا على استِئنافِ بِيَعٍ وكَنائسَ فيها.

قالَ ابنُ الهُمامِ رحمة الله عليه: ما فتَحَه المُسلِمونَ عَنوةً لا يَجوزُ فيه إحداثُ شَيءٍ بالإجماعِ (٢).

وقالَ الإمامُ السُّبكيُّ رحمة الله عليه: وهذا مُجمَعٌ عليه (٣).

إلا أنَّ العُلماءَ قد اختلَفوا فيما كانَ فيها من البِيَعِ والكَنائسِ قبلَ الفَتحِ، هل يَجوزُ إبقاؤُه أو يَجبُ هَدمُه؟ على ثَلاثةِ أقوالٍ، هي:

القَولُ الأولُ: لا يَجبُ هَدمُه، وهو قَولُ المالِكيةِ والشافِعيةِ في الصَّحيحِ -كما يَقولُ الماوَرديُّ- والحَنابِلةِ في المَذهبِ.

فأمَّا المالِكيةُ فقالَ الدَّرديرُ رحمة الله عليه: وليسَ لعَنويٍّ إِحداثُ كَنيسةٍ ببَلدِ العَنوةِ.

(١) «المغني» (١٢/ ٦٩٥)، وانظر: «أحكام أهل الذمة» (٢/ ١٢٢).
(٢) «شرح فتح القدير» (٦/ ٥٨)، وانظر: «البحر الرائق» (٥/ ١٢٢)، و «حاشية ابن عابدين» (٤/ ٢٠٦)، و «الحاوي الكبير» (١٤/ ٣٢١)، و «المغني» (١٢/ ٦٩٦)، و «أحكام أهل الذمة» (٢/ ١٣٠).
(٣) «فتاوى السبكي» (٢/ ٤٠٥).

قالَ الدُّسوقيُّ رحمة الله عليه: أي: التي أُقِرَّ بها ذلك، سَواءٌ كانَ فيها مُسلِمونَ أو لا، وأمَّا القَديمةُ المَوجودةُ قبلَ الفَتحِ؛ فإنَّها تَبقى ولو بلا شَرطٍ كما هو مَذهبُ ابنِ القاسِمِ (١).

وأمَّا الشافِعيةُ فقالَ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: ما فتَحَه المُسلِمونَ عَنوةً من بِلادِ الشِّركِ لا يَجوزُ أنْ يُصالِحوا على استِئنافِ بِيَعٍ وكَنائسَ فيها، فأمَّا ما تَقدَّمَ من بِيَعِهم وكَنائسِهم، فما كانَ منها خَرابًا عندَ فَتحِها لم يَجزْ أنْ يَعمُرُوه؛ لدُروسِها قبلَ الفَتحِ، فصارَت كالمَواتِ، فأمَّا العامِرُ من البِيَعِ والكَنائسِ عندَ فَتحِها، ففي جَوازِ إقرارِها عليهم إذا صُولِحوا وَجهانِ:

أحدُهما: يَجوزُ إقرارُها عليهم لخُروجِها عن أملاكِهم المَغنومةِ، وهو الصَّحيحُ، ولذلك أُقرَّت البِيَعُ والكَنائسُ في بِلادِ العَنوةِ.

والوَجهُ الثانِي: يَملِكُها المُسلِمونَ عليهم، ويَزولُ عنها حُكمُ البِيَعِ والكَنائسِ وتَصيرُ مِلكًا لهم مَغنومًا لا حَقَّ فيها لأهلِ الذِّمةِ؛ لأنَّه ليسَ لما ابتَنَوْه منها حُرمةٌ، فدخَلَت في عُمومِ المَغانمِ، فعلى هذا إنْ بيعَت عليهم لتَكونَ على حالِها بِيَعًا وكَنائسَ لهم، ففي جَوازِه وَجهانِ:

أحدُهما: يَجوزُ استِصحابًا لحالِها.

والوَجهُ الآخَرُ: لا تَجوزُ لزَوالِها عنهم بمِلكِ المُسلِمينَ لها، فصارَت كالبِناءِ المُبتَدأِ (٢).

(١) «حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير» (٢/ ٢٠٣)، و «بلغة السالك» (٢/ ٢٠٢)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ١٤٨)، و «التاج والإكليل» (٣/ ٣٨٤).
(٢) «الحاوي الكبير» (١٤/ ٣٢١، ٣٢٢).

وقالَ الإمامُ الشِّيرازيُّ رحمة الله عليه: وهل يَجوزُ إقرارُهم على ما كانَ منها قبلَ الفَتحِ؟ يُنظَرُ فيه؛ فإنْ كانَ في بَلدٍ فُتحَ صُلحًا واستُثني فيه الكَنائسُ والبِيَعُ جازَ إقرارُهما؛ لأنَّه إذا جازَ أنْ يُصالِحوا على أنَّ لنا النِّصفَ ولهم النِّصفَ جازَ أنْ يُصالِحوا على أنَّ لنا البَلدَ إلا الكَنائسَ والبِيَعَ.

وإنْ كانَ في بَلدٍ فُتِح عَنوةً أو فُتحَ صُلحًا ولمْ تُستثْنَ الكَنائسُ والبِيَعُ ففيه وَجهانِ:

أحدُهما: أنَّه لا يَجوزُ كما لا يَجوزُ إقرارُ ما أحدَثوا بعدَ الفَتحِ.

والثاني: أنَّه يَجوزُ؛ لأنَّه لمَّا جازَ إقرارُهم على ما كانُوا عليه من الكُفرِ جازَ إقرارُهم على ما يُبنى للكُفرِ (١).

وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ما فتَحَه المُسلِمونَ عَنوةً لا يَجوزُ إحداثُ شَيءٍ من ذلك فيه؛ لأنَّها صارت مِلكًا للمُسلِمينَ، وما كانَ فيه من ذلك ففيه وَجهانِ:

أحدُهما: يَجبُ هَدمُه وتَحرُمُ تَبقيَتُه؛ لأنَّها بِلادٌ مَملوكةٌ للمُسلِمينَ فلم يَجزْ أنْ تَكونَ فيها بِيعةٌ كالبِلادِ التي اختَطَّها المُسلِمونَ.

والآخَرُ: يَجوزُ؛ لأنَّ في حَديثِ ابنِ عَباسٍ: «أيُّما مِصرٍ مصَّرَته العَربُ فليسَ للعَجمِ أنْ يَبنوا فيه بِيعةً ولا يَضرِبوا فيه ناقوسًا ولا يَشربوا فيه خَمرًا ولا يتَّخِذوا فيه خِنزيرًا، وأيُّما مِصْرٍ مصَّرَته العَجمُ ففتَحَه اللهُ ﷿ على العَربِ فنزَلُوا فيه؛ فإنَّ للعَجمِ ما في عَهدِهم، وعلى العَربِ أنْ يُوفوا بعَهدِهم

(١) «المهذب» (٢/ ٢٥٥).

ولا يُكلِّفوهم فوقَ طاقَتِهم» ولأنَّ الصَّحابةَ رضي الله عنهم فتَحُوا كَثيرًا من البِلادِ عَنوةً، فلم يَهدِموا شَيئًا من الكَنائسِ، ويَشهَدُ لصِحةِ هذا وُجودُ الكَنائسِ والبِيعِ في البِلادِ التي فُتِحت عَنوةً، ومَعلومٌ أنَّها ما أُحدِثت، فيَلزمُ أنْ تَكونَ مَوجودةً فأُبقِيت، وقد كتَبَ عُمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ رضي الله عنه إلى عُمالِه: «ألَّا يَهدِمُوا بِيعةً ولا كَنيسةً ولا بَيتَ نارٍ» ولأنَّ الإجماعَ قد حصَلَ على ذلك؛ فإنَّها مَوجودةٌ في بِلادِ المُسلِمينَ من غيرِ نَكيرٍ (١).

وقالَ ابنُ مُفلِحٍ رحمة الله عليه: وفي وُجوبِ هَدمِ المَوجودِ وَجهانِ، والمَجزومُ به عندَ الأكثرِ إقرارُهم عليها (٢).

وقالَ المِرداويُّ رحمة الله عليه: فائِدةٌ في لُزومِ هَدمِ المَوجودِ منها: في العَنوةِ وَقتَ فَتحِها وَجهانِ، وهُما في التَّرغيبِ: إنْ لم يُقَرَّ به أُخذَ بجِزيةٍ، وإلا لم يَلزمْ، قالَ الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ: وبَقاؤُه ليسَ تَمليكًا فيأخُذُه لمَصلحةٍ، وأطلَقَ الخِلافَ في المُغني والشَّرحِ والفُروعِ.

أحدُهما: لا يَلزمُ، وهو المَذهبُ، صحَّحَه في النَّظمِ، وقدَّمَه في الكافي، وإليه مالَ في المُغني والشَّرحِ.

والوَجهُ الثانِي: يَلزمُ، واختارَ الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ رحمة الله عليه جَوازَ هَدمِها مع عَدمِ الضَّررِ علينا. وقيلَ: يُمنَعُ من هَدمِها. قالَ في الرِّعايةِ الكُبرى: وهو أشهَرُ. قالَ في الفُروعِ: كذا قالَ (٣).

(١) «المغني» (١٢/ ٦٩٦)، وانظر: «أحكام أهل الذمة» (٢/ ١٢٢).
(٢) «المبدع» (٣/ ٤٢١).
(٣) «الإنصاف» (٤/ ٢٣٦).

القَولُ الثانِي: أنَّ البِيَعَ والكَنائسَ المَوجودةَ قبلَ الفَتحِ، يَجبُ هَدمُها وهو وَجهٌ عندَ الحَنابِلةِ والصَّحيحُ عندَ الشافِعيةِ كما يَقولُ النَّوويُّ وهو اختيارُ شَيخِ الإسلامِ ابنِ تَيميَّةَ وابنِ القَيمِ.

قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: الثانِي بِلادٌ لم يُحدِثوها ودخَلَت تحتَ أيديهم؛ فإنْ أسلَمَ أهلُها كالمَدينةِ واليَمنِ فحُكمُها كالقِسمِ الأولِ، وإلا فإمَّا أنْ تُفتَحَ عَنوةً أو صُلحًا، الضَّربُ الأولُ: ما فُتحَ عَنوةً؛ فإنْ لم يَكنْ فيها كَنيسةٌ أو كانَت وانهَدَمت أو هدَمَها المُسلِمونَ وَقتَ الفَتحِ أو بعدَه فلا يَجوزُ لهم بِناؤُها، وهل يَجوزُ تَقريرُهم على الكَنيسةِ القائِمةِ؟ وَجهان: أصَحُّهما لا، وبه قطَع جَماعةٌ (١).

وقالَ ابنُ القَيمِ رحمة الله عليه: وأمَّا ما كانَ فيها من ذلك قبلَ الفَتحِ، فهل يَجوزُ إبقاؤُه أو يَجبُ هَدمُه؟ فيه قَولانِ في مَذهبِ أحمدَ، وهما وَجهانِ لأَصحابِ الشافِعيِّ وغيرِه:

أحدُهما: يَجبُ إزالَتُه وتَحرُمُ تَبقيَتُه؛ لأنَّ البِلادَ قد صارَت مِلكًا للمُسلِمينَ، فلم يَجزْ أنْ يُقَرَّ فيها أمكِنةُ شِعارِ الكُفرِ كالبِلادِ التي مصَّرَها المُسلِمونَ؛ ولقَولِ النَّبيِّ : «لا تَصلُحُ قِبلَتانِ ببَلَدٍ» (٢).

وكما لا يَجوزُ إبقاءُ الأمكِنةِ التي هي شِعارُ الفُسوقِ كالخَمَّاراتِ والمَواخيرِ، ولأنَّ أمكِنةَ البِيَعِ والكَنائسِ قد صارَت مِلكًا للمُسلِمينَ، فتَمكينُ

(١) «روضة الطالبين» (١٠/ ٣٢٣).
(٢) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: أخرجه أبو داود (٢٦٣٦) ومن طَريقِه البيهقي في «الكبرى» (٨/ ٢٠٨)، والترمذي (٦٣٣)، وأحمد في «المسند» (١/ ٢٢٣، ٢٨٥) وغيرُهم.

الكُفارِ من إقامةِ شِعارِ الكُفرِ فيها كبِيَعِهم وإجارَتِهم إِيّاها لذلك، ولأنَّ اللهَ تَعالى أمَرَ بالجِهادِ حتى يَكونَ الدِّينُ كلُّه له، وتَمكينُهم من إِظهارِ شِعارِ الكُفرِ في تلك المَواطِنِ جعَلَ الدِّينَ له ولغيرِه، وهذا القَولُ هو الصَّحيحُ.

والقَول الثانِي: يَجوزُ بِناؤُها لقَولِ ابنِ عَباسٍ رضي الله عنهما: «أيُّما مِصرٍ مَصَّرتْه العَربُ فليسَ للعَجمِ أنْ يَبنوا فيه بِيعةً ولا يَضرِبوا فيه ناقوسًا ولا يَشربوا فيه خَمرًا ولا يَتَّخِذوا فيه خِنزيرًا، وأيُّما مِصْرٍ مصَّرَته العَجمُ ففتَحَه اللهُ ﷿ على العَربِ فنزَلُوا فيه؛ فإنَّ للعَجمِ ما في عَهدِهم، وعلى العَربِ أنْ يُوفوا بعَهدِهم ولا يُكلِّفوهم فوقَ طاقَتِهم» (١).

ولأنَّ رَسولَ اللهِ فتَحَ خَيبَرَ عَنوةً وأَقرَّهم على مَعابِدِهم فيها ولمْ يَهدِمْها، ولأنَّ الصَّحابةَ رضي الله عنهم فتَحُوا كَثيرًا من البِلادِ عَنوةً فلمْ يَهدِموا شَيئًا من الكَنائسِ التي بها.

ويَشهدُ لصِحةِ هذا وُجودُ الكَنائسِ والبِيَعِ في البِلادِ التي فُتحَت عَنوةً، ومَعلومٌ قَطعًا أنَّها ما أُحدِثت، بل كانَت مَوجودةً قبلَ الفَتحِ.

وقد كتَبَ عُمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ إلى عُمَّالِه: «ألَّا تَهدِموا كَنيسةً ولا بِيعةً ولا بَيتَ نارٍ».

ولا يُناقِضُ هذا ما حَكاه الإمامُ أحمدُ، أنَّه أمَرَ بهَدمِ الكَنائسِ؛ فإنَّها التي أُحدِثت في بِلادِ الإسلامِ، ولأنَّ الإجماعَ قد حصَلَ على ذلك؛ فإنَّها مَوجودةٌ في بِلادِ المُسلِمينَ من غيرِ نَكيرٍ.

(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: تَقدَّمَ.

وفَصلُ الخِطابِ أنْ يُقالَ: إنَّ الإمامَ يَفعلُ في ذلك ما هو الأصلَحُ للمُسلِمينَ؛ فإنْ كانَ أَخذُها منهم، أو إِزالَتُها هو المَصلحةُ لكَثرةِ الكَنائسِ، أو حاجةِ المُسلِمينَ إلى بَعضِها وقِلةِ أهلِ الذِّمةِ، فله أَخذُها أو إِزالتُها بحسَبِ المَصلحةِ، وإنْ كانَ تَركُها أصلَحَ لكَثرتِهم وحاجتِهم إليها وغِنى المُسلِمينَ عنها، ترَكها، وهذا التَّركُ تَمكينٌ لهم من الانتِفاعِ بها، لا تَمليكٌ لهم رِقابَها؛ فإنَّها قد صارَت مِلكًا للمُسلِمينَ، فكيف يَجوزُ أنْ يَجعلَها مِلكًا للكُفارِ؟ وإنَّما هو امتِناعٌ بحسَبِ المَصلحةِ، فلِلإمامِ انتِزاعُها متى رأى المَصلحةَ في ذلك.

ويَدلُّ عليه أنَّ عُمرَ بنَ الخَطابِ والصَّحابةَ معه، أجلَوْا أهلَ خَيبَرَ من دُورِهم ومَعابدِهم بعدَ أنْ أَقرَّهم رَسولُ اللهِ فيها، ولو كانَ ذلك الإقرارُ تَمليكًا لم يَجزْ إِخراجُهم عن مِلكِهم إلا برِضًا أو مُعاوَضةٍ.

ولِهذا لمَّا أرادَ المُسلِمونَ أخْذَ كَنائسِ العَنوةِ التي في خارجِ دِمَشقَ في زَمنِ الوَليدِ بنِ عبدِ المَلِكِ، صالَحَهم النَّصارى على تَركِها وتَعويضِهم عنها بالكَنيسةِ التي زيدَت في الجامعِ، ولو كانُوا قد ملَكوا تلك الكَنائسِ بالإقرارِ لقالُوا للمُسلِمينَ كيفَ تَأخُذونَ أَملاكَنا قَهرًا وظُلمًا؟ بل أذعَنوا إلى المُعاوضةِ لمَّا علِموا أنَّ للمُسلِمينَ أخذَ تلك الكَنائسِ منهم، وأنَّها غيرُ مِلكِهم كالأرضِ التي هي بها.

فبهذا التَّفصيلِ تَجتمِعُ الأدِلةُ وهو اختيارُ شَيخِنا، وعليه يَدلُّ فِعلُ الخُلفاءِ الراشِدين ومَن بعدَهم من أئِمةِ الهُدى، وهدَم عُمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ منها ما رأى المَصلحةَ في هَدمِه، وأَقرَّ ما رأى المَصلحةَ في إقرارِه.

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب السرقة)
(باب ما يجب فيه القطع من كتاب الحدود وغيره)

(كِتَابُ السَّرِقَةِ)

(بَابُ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ من كتاب الحدود وغيره)

(مسألة)

قَالَ الشَّافِعِيُّ: رَحِمَهُ اللَّهُ " الْقَطْعُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا لِثُبُوتِ الْخَبَرِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بذلك) .

قال الماوردي: والأصل فِي وُجُوبِ قَطْعِ السَّارِقِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} المائدة: ٣٨ وفي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ " وَالسَّارِقُونَ وَالسَّارِقَاتُ فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا) ، فَجَعَلَ حَدَّ السَّرِقَةِ قَطْعَ الْيَدِ لِتَنَاوُلِ الْمَالِ بِهَا، وَلَمْ يَجْعَلْ حَدَّ الزِّنَا قَطْعَ الذَّكَرِ لِمُوَاقَعَةِ الزِّنَا بِهِ لِثَلَاثَةِ مَعَانٍ:

أَحَدُهَا: أَنَّ لِلسَّارِقِ مِثْلَ يَدِهِ إِذَا قُطِعَتْ، وَلَيْسَ لِلزَّانِي مِثْلَ ذَكَرِهِ إِذَا قُطِعَ.

وَالثَّانِي: أَنَّ الْحُدُودَ زَجْرٌ لِلْمَحْدُودِ وَغَيْرِهِ، وَالْيَدُ تُرَى وَالذَّكَرِ لَا يُرَى.

وَالثَّالِثُ: أَنَّ فِي قَطْعِ الذَّكَرِ إِبْطَالُ النَّسْلِ وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي قَطْعِ الْيَدِ، وَقَدْ قُطِعَ السَّارِقُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ حَكَمَ بِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ فأمر الله تعالى به في الإسلام فكان أول سارق قطع من الرجال في الإسلام الْخِيَارَ بْنَ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَمِنَ النِّسَاءِ مُرَّةَ بِنْتَ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 525 - 531

ارجع إلى أحكام المعابد والبيع والكنائس وأقسام المعابد للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 44%
البدر بعد 8 يوم
سبحان الله وبحمده