الإسلام > الجنايات والحدود > أحكام المعابد والبيع والكنائس وأقسام المعابد > حكم المعابد بعد انتقاض العهد
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 11 دقيقة قراءةحُكمُ المعابِدِ بعدَ انتِقاضِ العَهدِ:
إذا انتَقضَ عَهدُ أهلِ الذِّمةِ جازَ أَخذُ كَنائسِهم ومَعابدِهم منهم، الصُّلحيَّةِ والعَنويَّةِ، وهذا مما لا خِلافَ فيه بينَ المَذاهبِ الأربَعةِ.
قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رحمة الله عليه: ومتى انتَقضَ عَهدُهم جازَ أَخذُ كَنائسِ الصُّلحِ منهم، فَضلًا على كَنائسِ العَنوةِ، كما أخَذَ النَّبيُّ ﷺ ما كانَ لقُريظةَ والنَّضيرِ لمَّا نقَضُوا العَهدَ؛ فإنَّ ناقِضَ العَهدِ أَسوأُ حالًا من المُحاربِ الأَصليِّ، كما أنَّ ناقِضَ الإيمانِ بالرِّدةِ أَسوأُ حالًا من الكافِرِ الأَصليِّ.
ولذلك لو انقرَضَ أهلُ مِصرٍ من الأَمصارِ ولم يَبقَ من دخَلَ في عَهدِهم؛ فإنَّه يَصيرُ للمُسلِمينَ جَميعُ عَقارِهم ومَنقولِهم من المَعابدِ وغيرِها فَيئًا، فإذا عُقدَت الذِّمةُ لغيرِهم كانَ كالعَهدِ المُبتدأِ، وكانَ لمَن يَعقِدُ لهم الذِّمةَ أنْ يُقرَّهم في المَعابدِ وله ألَّا يُقرَّهم، بمَنزلةِ ما فُتحَ ابتِداءً؛ فإنَّه لو أرادَ الإمامُ عندَ فَتحِه هدْمَ ذلك جاز بإجماعِ المُسلِمينَ ولمْ يَختلِفوا في جَوازِ هَدمِه، وإنَّما اختلَفوا في جَوازِ بَقائِه، وإذا لمْ تَدخلْ في العَهدِ كانَت فَيئًا للمُسلِمينَ.
ثم قالَ رحمة الله عليه: وهذا مَذهبُ الأئِمةِ الأربَعةِ في الأمصارِ ومَذهبُ جُمهورِهم في القُرى، وما زالَ مَنْ يُوفِّقُه اللهُ من وُلاةِ أُمورِ المُسلِمينَ يُنفِذُ ذلك ويَعملُ به، مِثلَ عُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ الذي اتَّفقَ المُسلِمونَ على أنَّه إِمامُ هُدًى، فرَوى الإمامُ أحمدُ عنه أنَّه كتَبَ إلى نائِبه على اليَمنِ أنْ يَهدمَ الكَنائسَ التي في أَمصارِ المُسلِمينَ فهدَمَها بصَنعاءَ وغيرِها.
ورَوى الإمامُ أحمدُ عن الحَسنِ البَصريِّ أنَّه قالَ: مِنْ السُّنةِ أنْ تُهدَمَ الكَنائسُ التي في الأَمصارِ القَديمةِ والحَديثةِ.
وكذلك هارونُ الرَّشيدُ في خِلافتِه أمَرَ بهَدمِ ما كانَ في سَوادِ بَغدادَ. وكذلك المُتوكِّلُ لمَّا ألزَمَ أهلَ الكِتابِ بشُروطِ عُمرَ استَفتى عُلماءَ وَقتِه في هَدمِ الكَنائسِ والبِيَعِ فأَجابوه، فبعَثَ بأَجوِبتِهم إلى الإمامِ أحمدَ فأَجابَه بهَدمِ كَنائسِ سَوادِ العِراقِ، وذكَرَ الآثارَ عن الصَّحابةِ والتابِعينَ، فممَّا ذكَرَه ما رُوي عن ابنِ عَباسٍ رضي الله عنهما أنَّه قالَ: أيُّما مِصرٍ مصَّرَته العَربُ -يَعني المُسلِمينَ- فليسَ للعَجمِ -يَعني أهلَ الذِّمةِ- أنْ يَبنوا فيه كَنيسةً ولا يَضرِبوا فيه نَاقوسًا ولا يَشرَبوا فيه خَمرًا، أيُّما مِصرٍ مصَّرَته العَجمُ ففتَحَه اللهُ على العَربِ؛ فإنَّ للعَجمِ ما في عَهدِهم، وعلى العَربِ أنْ يُوفوا بعَهدِهم ولا يُكلِّفوهم فوقَ طاقتِهم (١).
قالَ ابنُ الإمامِ القَيمِ بعدَما ذكَرَ هذا الكَلامَ المُتقدِّمَ وهو كَلامُ شَيخِ الإسلامِ ابنِ تَيميَّةَ: ومُلخَّصُ الجَوابِ أنَّ كلَّ كَنيسةٍ في مِصرٍ، القاهِرةِ والكُوفةِ والبَصرةِ وواسِطَ وبَغدادَ ونَحوِها من الأَمصارِ التي مصَّرَها المُسلِمونَ بأرضِ العَنوةِ؛ فإنَّه يَجبُ إِزالتُها إمَّا بالهَدمِ أو غيرِه بحيثُ لا يَبقى لهم مَعبدٌ في مِصرَ مصَّرَه المُسلِمونَ بأَرضِ العَنوةِ وسَواءٌ كانَت تلك المَعابدُ قَديمةً قبلَ الفَتحِ أو مُحدَثةً؛ لأنَّ القَديمَ منها يَجوزُ أَخذُه ويَجبُ عندَ المَفسدةِ، وقد نَهى النَّبيُّ ﷺ أنْ تَجتمِعَ قِبلتانِ بأَرضٍ فلا
(١) «أحكام أهل الذمة» (٢/ ١٢٧، ١٢٨).
يَجوزُ للمُسلِمينَ أنْ يُمكِّنوا أنْ يَكونَ بمَدائنِ الإِسلامِ قِبلتانِ إلا لضَرورةٍ كالعَهدِ القَديمِ، لا سيَّما وهذه الكَنائسُ التي بهذه الأَمصارِ مُحدَثةٌ يَظهرُ حُدوثُها بدَلائلَ مُتعدِّدةٍ، والمُحدَثُ يُهدمُ باتِّفاقِ الأئِمةِ.
وأمَّا الكَنائسُ التي بالصَّعيدِ وبَرِّ الشامِ ونَحوِها من أَرضِ العَنوةِ فما كانَ منها مُحدَثًا وجَبَ هَدمُه وإذا اشتَبه المُحدَثُ بالقَديمِ وجَبَ هَدمُهما جَميعًا؛ لأنَّ هدْمَ المُحدَثِ واجِبٌ وهدْمَ القَديمِ جائِزٌ، وما لا يَتمُّ الواجِبُ إلا به فهو واجِبٌ.
وما كانَ منها قَديمًا فإنَّه يَجوزُ هَدمُه ويَجوزُ إقرارُه بأيدِيهم، فيَنظرُ الإِمامُ في المَصلحةِ؛ فإنْ كانُوا قد قلُّوا وكانَت الكَنائسُ كَثيرةً أخَذَ منهم أكثَرَها، وكذلك ما كانَ على المُسلِمينَ فيه مَضرةٌ؛ فإنَّه يُؤخَذُ أيضًا وما احتاجَ المُسلِمونَ إلى أَخذِه أُخذَ أيضًا.
وأمَّا إذا كانُوا كَثيرينَ في قَريةٍ ولهم كَنيسةٌ قَديمةٌ لا حاجةَ إلى أَخذِها ولا مَصلحةَ فيه فالذي يَنبَغي تَركُها كما ترَك النَّبيُّ ﷺ وخُلفاؤُه لهم من الكَنائسِ ما كانُوا مُحتاجينَ إليه ثم أُخذَ منهم.
وأمَّا ما كانَ لهم بصُلحٍ قبلَ الفَتحِ مثلَ ما في داخِلِ مَدينةِ دِمَشقَ ونَحوِها فلا يَجوزُ أخذُه ما دامُوا مُوفينَ بالعَهدِ إلا بمُعاوضةٍ أو طِيبِ أنفُسِهم كما فعَلَ المُسلِمونَ بجامِعِ دِمَشقَ لمَّا بَنَوه.
فإذا عُرف أنَّ الكَنائسَ ثَلاثةُ أقسامٍ منها ما لا يَجوزُ هَدمُه ومنها ما يَجبُ هَدمُه كالتي في القاهِرةِ بمِصرَ، والمُحدَثاتُ كلُّها ومنها ما يَفعلُ
المُسلِمونَ فيه الأصلَحُ كالتي في الصَّعيدِ وأَرضِ الشامِ، فما كانَ قَديمًا على ما بيَّناه فالواجِبُ على وَليِّ الأمرِ فِعلُ ما أمَرَه اللهُ ﷾ به وما هو أصلَحُ للمُسلِمينَ من إِعزازِ دِينِ اللهِ، وقَمعِ أَعدائِه، وإِتمامِ ما فعَلَه الصَّحابةُ من إِلزامِهم بالشُّروطِ عليهم ومَنعِهم من الوِلاياتِ في جَميعِ أرضِ الإسلامِ، لا يُلتفَتُ في ذلك إلى مُرجِفٍ أو مُخذِلٍ يَقولُ: إنَّ لنا عندَهم مَساجدَ وأسرى نَخافُ عليهم؛ فإنَّ اللهَ تَعالى يَقولُ: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠)﴾ [الحج: ٤٠].
وإذا كانَ نوروزُ في مَملكةِ التَّتارِ قد هدَمَ عامةَ الكَنائسِ على رَغمِ أنفِ أَعداءِ اللهِ، فحِزبُ اللهِ المَنصورُ وجُندُه المَوعودُ بالنَّصرِ إلى قيامِ الساعةِ أوْلى بذلك وأحَقُّ.
فإنَّ النَّبيَّ ﷺ أخبَر أنَّهم لا يَزالونَ ظاهِرينَ إلى يَومِ القيامةِ ونحن نَرجو أنْ يُحقِّقَ اللهُ وَعدَ رَسولِه ﷺ حيثُ قالَ: «يَبعثُ اللهُ لهذه الأُمةِ على رَأسِ كلِّ مِئةِ سَنةٍ مَنْ يُجدِّدُ لها دِينَها».
ويَكونُ مَنْ أجرَى اللهُ ذلك على يَدَيْه وأعانَ عليه من أهلِ القُرآنِ والحَديثِ داخلينَ في هذا الحَديثِ النَّبويِّ؛ فإنَّ اللهَ بهم يُقيمُ دِينَه.
كما قالَ: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)﴾ [الحديد: ٢٥] (١).
(١) «أحكام أهل الذمة» (٢/ ١٢٧، ١٢٨).
ارجع إلى أحكام المعابد والبيع والكنائس وأقسام المعابد للاطلاع على جميع المسائل.