حكم تولية غير المسلمين مناصب وحكم الاستعانة بهم

الإسلام > الجنايات والحدود > أحكام المعابد والبيع والكنائس وأقسام المعابد > حكم تولية غير المسلمين مناصب وحكم الاستعانة بهم

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 48 دقيقة قراءة

حكم تولية غير المسلمين مناصب وحكم الاستعانة بهم - الأقوال والأدلة

حُكمُ تَوليةِ غيرِ المُسلِمينَ مَناصبَ وحُكمُ الاستِعانةِ بهم:

اتَّفقت نُصوصُ الفُقهاءِ من المَذاهبِ الأربَعةِ وغيرِهم على عَدمِ جَوازِ تَوليةِ أهلِ الذِّمةِ مَناصِبَ في الدَّولةِ الإسلاميةِ.

وإليكَ أقوالَ فُقهاءِ المَذاهبِ في هذا المَوضوعِ:

أولًا: قَولُ الحَنفيةِ:

قالَ الإمامُ الحَصكَفيُّ رحمة الله عليه: بابُ العاشرِ (هو حُرٌّ مُسلِمٌ) بهذا يُعلَمُ حُرمةُ تَوليةِ اليَهودِ على الأعمالِ (١).

قالَ الإمامُ ابنُ عابدِين رحمة الله عليه: (مَطلبٌ: لا يَجوزُ اتِّخاذُ الكافرِ في وِلايةٍ).

قَولُه: (هو حُرٌّ مُسلِمٌ) فلا يَصحُّ أنْ يَكونَ عَبدًا لعَدمِ الوِلايةِ، ولا يَصحُّ أنْ يَكونَ كافرًا؛ لأنَّه لا يَلي على المُسلمِ بالآيةِ.

والمُرادُ بالآيةِ قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١].

قَولُه: (بهذا … إلخ) أي: باشتِراطِ الإسلامِ للآيةِ المَذكورةِ، زادَ في البَحرِ: ولا شَكَّ في حُرمةِ ذلك أيضًا. اه. أي: لأنَّ في ذلك تَعظيمَه، وقد نَصُّوا على حُرمةِ تَعظيمِه، بل قالَ في الشُّرنبُلاليةِ: وما ورَدَ من ذَمِّه -أي: العاشرِ- فمَحمولٌ على مَنْ يَظلِمُ كزَمانِنا، وعُلمَ ممَّا ذكَرْناه حُرمةَ تَوليةِ الفَسقةِ فَضلًا على اليَهودِ والكَفرةِ. اه.

(١) «الدر المختار» (٢/ ٣٠٩).

قُلتُ: وذكَرَ في «شَرحِ السِّيَرِ الكَبيرِ» أنَّ عُمرَ كتَبَ إلى سَعدِ بنِ أبي وَقَّاصٍ: «ولا تتَّخِذْ أحَدًا من المُشرِكينَ كاتِبًا على المُسلِمينَ؛ فإنَّهم يأخُذونَ الرَّشوةَ في دِينِهم ولا رَشوةَ في دِينِ اللهِ تَعالى».

قالَ -أي: مُحمدُ بنُ الحَسنِ-: وبه نأخُذُ؛ فإنَّ الواليَ مَمنوعٌ من أنْ يتَّخِذَ كاتِبًا من غيرِ المُسلِمينَ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٨] (١).

وقالَ ابنُ نَجيمٍ رحمة الله عليه: وبه يُعلَمُ حُكمُ تَوليةِ الكافر في زَمانِنا على بعضِ الأعمالِ ولا شَكَّ في حُرمةِ ذلك (٢).

ثانيًا: قَولُ المالِكيةِ:

قالَ الإمامُ ابنُ العَربيِّ المالِكيُّ رحمة الله عليه: قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ [آل عمران: ٢٨] هذا عُمومٌ في أنَّ المُؤمِنَ لا يتَّخِذُ الكافرَ وَليًّا في نَصرِه على عَدوِّه ولا في أمانةٍ ولا بِطانةٍ، من دُونِكم: يَعني من غيرِكم وسِواكم كما قالَ تَعالى: ﴿أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٢].

وقد نَهى عُمرُ بنُ الخَطابِ أبا موسى الأشعَريَّ عن ذِميٍّ كانَ استَكتبَه باليَمنِ وأمَرَه بعَزلِه، وقد قالَ جَماعةٌ من العُلماءِ: يُقاتِلُ المُشرِكُ في مُعسكَرِ المُسلِمينَ معهم لعَدوِّهم، واختَلفَ في ذلك عُلماؤُنا المالِكيةُ.

(١) «حاشية ابن عابدين» (٢/ ٣٠٩)، و «السير الكبير» (٣/ ١٠٤٣).
(٢) «البحر الرائق» (٢/ ٢٤٨).

والصَّحيحُ مَنعُه؛ لقَولِه عليه السلام: «إنَّا لا نَستَعينُ بمُشرِكٍ».

وأقولُ: إنْ كانَت في ذلك فائِدةٌ مُحقَّقةٌ فلا بأسَ به (١).

وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ رحمة الله عليه: نَهى اللهُ المُؤمِنينَ بهذه الآيةِ: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٨] أنْ يتَّخِذوا من الكُفارِ واليَهودِ وأهلِ الأهواءِ دُخلاءَ ووُلجاءَ يُفاوِضونهم في الآراءِ ويُسنِدونَ إليهم أُمورَهم، ويُقالُ: كلُّ مَنْ كانَ على خِلافِ مَذهبِك ودِينِك فلا يَنبَغي لك أنْ تُحادِثَه … وقد انقلَبَت الأَحوالُ في هذه الأَزمانِ باتِّخاذِ أهلِ الكِتابِ كَتَبةً وأُمناءَ وتَسوَّدوا بذلك عندَ الجَهلةِ الأَغبياءِ من الوُلاةِ والأُمراءِ (٢).

وقالَ ابنُ الأَزرقِ رحمة الله عليه: المَحظورُ الرابِعُ: اتِّخاذُ الكافرِ وَليًّا:

ويَتقرَّرُ ذلك باعتِبارِ طَبقتَينِ:

الطَّبقةُ الأُولى: عُمومُ الخَلقِ، حتى الأُمراءُ والوُلاةُ من تلك الجِهةِ، كما صرَّحَ به التَّنزيلُ في غيرِ مَوضعٍ: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٢٨] وفي قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة: ٥١].

قالَ ابنُ عَطيَّةَ رحمة الله عليه: نَهى اللهُ المُؤمنينَ بهذه الآيةِ عن اتِّخاذِ اليَهودِ والنَّصارى أولياءَ في الخُلطةِ والنُّصرةِ المُؤدِّيةِ إلى الامتِزاجِ والمُعاضَدةِ، وحُكمُ الآيةِ باقٍ.

(١) «أحكام القرآن» (١/ ٣٥١).
(٢) «الجامع لأحكام القرآن» (٤/ ١٧٩).

قالَ: وكلُّ مَنْ أكثَرَ مُخالطةَ هذَينِ الصِّنفَينِ فله حَظٌّ من هذا المَقتِ الذي تَضمَّنه قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾.

الطَّبقةُ الثانِيةُ: خُصوصُ الأُمراءِ والوُلاةِ من حيثُ الاستِعانةُ به، ومِن مَوارِدِ النَّهيِ فيها مَوضعانِ:

أحدُهما: الجِهادُ على المَشهورِ، قالَ في المُدوَّنةِ: ولا يُستعانُ بالمُشرِكينَ في القِتالِ إلا أنْ يَكونوا نَواتيةً أو خَدَمًا.

وحُكي عن عِياضٍ جَوازُ ذلك في بعضِ الأئِمةِ قائِلًا: وحُملَ النَّهيُ على وَقتٍ خاصٍّ، يَعني قَولَه : «إنَّا لا نَستَعينُ بمُشرِكٍ».

قُلتُ: وفي المَواضعِ غيرِ هذا مُطلَقًا ومُقيَّدًا ألَّا نُطوِّلَ بحِكايةٍ.

الثانِي: في الوِلايةِ والاصطِناعِ.

قالَ ابنُ العَربيِّ: لا يَنبَغي لأحدٍ من المُسلِمينَ وَلي وِلايةً أنْ يتَّخِذَ من أهلِ الذِّمةِ وَليًّا فيها؛ لنَهيِ اللهِ عن ذلك؛ لأنَّهم لا يُخلِصونَ النَّصيحةَ ولا يُؤدُّونَ الأمانةَ، قُلتُ: ورَدَ العَملُ بذلك عن السَّلفِ قَولًا وفِعلًا، ويَكفي من ذلك رِوايتانِ:

الرِّوايةُ الأُولى: قالَ الطُّرطُوشيُّ: لمَّا استقدَم عُمرُ بنُ الخَطابِ رضي الله عنه أبا موسى الأشعريَّ من البَصرةِ وكانَ عامِلًا للحِسابِ دخَلَ على عُمرَ وهو في المَسجدِ واستَأذنَ لكاتبِه وكانَ نَصرانيًّا، فقالَ له عُمرُ: قاتَلَك اللهُ، وضرَبَ فخِذَه، وَلَّيتَ ذِميًّا على المُسلِمينَ؟! أما سَمِعت اللهَ تَعالى يَقولُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ

مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] ألا اتَّخذتَ حَنيفًا مُسلمًا، فقالَ: يا أميرَ المُؤمِنينَ لي كِتابَتُه وله دِينُه، فقالَ: لا أُكرِمهم إذْ أَهانَهم اللهُ، ولا أُعزَّهم إذْ أَذلَّهم اللهُ، ولا أُدنِيهم إذْ أَقصاهم اللهُ.

الرِّوايةُ الثانِيةُ: قالَ: وكتَبَ عُمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ رضي الله عنه إلى بعضِ عُمَّالِه: أمَّا بَعدُ؛ فإنَّه بلَغَني أنَّ في عَملِك رَجلًا يُقالُ له فُلانٌ، وسمَّاه، على غيرِ دِينِ الإسلامِ، واللهُ تَعالى يَقولُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٥٧)[المائدة: ٥٧] فإذا أتاكَ كِتابي هذا فادعُ فُلانًا إلى الإسلامِ؛ فإنْ أسلَم فهو منَّا ونحن منه، وإنْ أبى فلا تَستعِنْ به ولا بغيرِه من غيرِ أهلِ الإسلامِ على شَيءٍ من أعمالِ المُسلِمينَ، فقرأَ عليه الكِتابَ فأسلَمَ وعلَّمَه الطَّهارةَ والصَّلاةَ (١).

ثالِثًا: قَولُ الشافِعيةِ:

قالَ الإمامُ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: ما يَنبَغي عندي لقاضٍ، ولا لوالٍ من وُلاةِ المُسلِمينَ أنْ يتَّخِذَ كاتِبًا ذِميًّا، ولا أنْ يَضعَ الذِّميَّ في مَوضعٍ يَتفضَّلُ به مُسلمًا. ويَنبَغي أنْ نُعرِّفَ المُسلِمينَ ألَّا يَكونَ لهم حاجةٌ إلى غيرِ أهلِ دِينِهم (٢).

وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: ولا يَجوزُ أنْ يُستكتَبَ ذِميٌّ وإنْ كانَ كافيًا؛ لأنَّهم خرَجُوا بفِسقِهم في الدِّينِ عن قَبولِ قَولِهم فيه.

(١) «بدائع السلك في طبائع الملك» (٢/ ٢٦، ٢٨).
(٢) «الأم» (٦/ ٢١٠)، وانظر: «الحاوي الكبير» (١٦/ ٢٠٠)، و «سنن البيهقي» (١٠/ ١٢٦).

وقد قالَ اللهُ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١]. وقالَ: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ بَعْضٍ﴾ [المائدة: ٥١] (١).

قالَ الحافِظُ ابنُ كَثيرٍ رحمة الله عليه بعدَما ذكَرَ أثَرَ عُمرَ والآيةَ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾: ففي هذا الأثرِ مع هذه الآيةِ دَليلٌ على أنَّ أهلَ الذِّمةِ لا يَجوزُ استِعمالُهم في الكِتابةِ التي فيها استِطالةٌ على المُسلِمينَ واطِّلاعٌ على دَواخِلِ أُمورِهم التي يُخشى أنْ يُفشوها إلى الأَعداءِ من أهلِ الحَربِ (٢).

وسُئل الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: رَجلٌ يَهوديٌّ أو نَصرانِيٌّ وُلِّي صَيرَفيًّا في بَيتِ مالِ المُسلِمينَ لميزانِ الدَّراهمِ المُعوَّضةِ والمَصروفةِ، ويَنقدُها، ويُعتمَدُ في ذلك على قَولِه، هل يَحلُّ تَوليتُه أو لا؟ وهل يُثابُ وَليُّ الأمرِ على عَزلِه، واستِبدالِ مُسلمٍ ثِقةٍ بَدلَه؟ وهل يُثابُ المُساعِدُ على عَزلِه؟

فأَجابَ: لا يَحلُّ تَوليةُ اليَهوديِّ ولا النَّصرانِيِّ لذلك، ولا يَجوزُ إِبقاؤُه فيه، ولا يَحلُّ اعتِمادُ قَولِه في شَيءٍ من ذلك، ويُثابُ وَليُّ الأمرِ -وفَّقَه اللهُ- على عَزلِه واستِبدالِ مُسلمٍ ثِقةٍ بَدلَه، ويُثابُ المُساعِدُ في عَزلِه.

قالَ اللهُ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ

(١) «الحاوي الكبير» (١٦/ ٢٠٠).
(٢) «تفسير ابن كثير» (١/ ٣٩٩).

بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨)[آل عمران: ١١٨] الآياتِ. قالَ: والمَعنى: لا تتَّخِذوا مَنْ يُداخِلُ بَواطنَ أُمورِكم ﴿مِنْ دُونِكُمْ﴾ أي: من غيرِكم: وهُم الكُفارُ ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ أي: لا يُقصِّرونَ فيما يَقدِرونَ على إيقاعِه من الفَسادِ والأذى والضَّررِ، ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ أي: يَقولونَ: نحن أَعداؤُكم، واللهُ أعلَمُ (١).

رابِعًا: قَولُ الحَنابِلةِ:

قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رحمة الله عليه: وليسَ المُسلِمونَ مُحتاجينَ إليهم وللهِ الحَمدُ، فقد كتَبَ خالِدُ بنُ الوَليدِ رضي الله عنه إلى عُمرَ بنِ الخَطابِ رضي الله عنه يَقولُ: «إنَّ بالشامِ كاتِبًا نَصرانيًّا لا يَقومُ خَراجُ الشامِ إلا به، فكتَبَ إليه: «لا تَستعمِلْه». فكتَبَ: إنَّه لا غِنى بِنا عنه. فكتَبَ إليه عُمرُ: «لا تَستعمِلْه»، فكتَبَ إليه: إذا لم نُولِّه ضاعَ المالُ. فكتَبَ إليه عُمرُ رضي الله عنه: «مات النَّصرانِيُّ، والسَّلامُ».

وثبَتَ في الصَّحيحِ عن النَّبيِّ أنَّ مُشرِكًا لحِقه ليُقاتِلَ معه فقالَ له: «إنِّي لا أستَعينُ بمُشرِكٍ».

وكما أنَّ استِخدامَ الجُندِ المُجاهِدينَ إنَّما يَصلُحُ إذا كانُوا مُسلِمينَ مُؤمِنينَ، فكذلك الذين يُعاونونَ الجُندَ في أَموالِهم وأَعمالِهم إنَّما تَصلحُ بهم أَحوالُهم إذا كانُوا مُسلِمينَ مُؤمِنينَ، وفي المُسلِمينَ كِفايةٌ في جَميعِ مَصالحِهم وللهِ الحَمدُ.

(١) نقلًا من رِسالةِ مَسألَة في الكَنيسة ص (١٣٨).

ودخَلَ أبو موسى الأشعَريُّ رضي الله عنه على عُمرَ بنِ الخَطابِ رضي الله عنه فعرَضَ عليه حِسابَ العِراقِ فأَعجَبه ذلك، وقالَ: «ادْعُ كاتبَك يَقرَؤُه علَيَّ» فقالَ: «إنَّه لا يَدخلُ المَسجدَ» قالَ: «ولمَ؟» قالَ: «لأنَّه نَصرانِيٌّ» فضرَبَه عُمرُ رضي الله عنه بالدِّرةِ فلو أَصابَته لأَوجَعتْه ثم قالَ: «لا تُعِزُّوهم بعدَ أنْ أَذلَّهم اللهُ، ولا تَأمَنوهم بعدَ أنْ خوَّنهم اللهُ، ولا تُصدِّقوهم بعدَ أنْ أَكذَبهم اللهُ».

والمُسلِمونَ في مَشارقِ الأرضِ ومَغاربِها قُلوبُهم واحِدةٌ مُواليةٌ للهِ ولرَسولِه ولعِبادِه المُؤمِنينَ مُعاديةٌ لأَعداءِ اللهِ ورَسولِه وأَعداءِ عِبادِه المُؤمِنينَ، وقُلوبُهم الصادِقةُ وأَدعيَتُهم الصالِحةُ هي العَسكرُ الذي لا يُغلبُ والجُندُ الذي لا يُخذلُ؛ فإنَّهم هم الطائِفةُ المَنصورةُ إلى يَومِ القيامةِ كما أخبَرَ رَسولُ اللهِ .

وقالَ اللهُ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨) هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١١٩) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠)[آل عمران: ١١٨ - ١٢٠].

وقالَ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ

أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (٥٢) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (٥٣) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤) إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥)[المائدة: ٥١ - ٥٥].

وهذه الآياتُ العَزيزةُ فيها عِبرةٌ لأُولى الألبابِ؛ فإنَّ اللهَ تَعالى أنزَلَها بسَببِ أنَّه كانَ بالمَدينةِ النَّبويةِ من أهلِ الذِّمةِ مَنْ كانَ له عِزٌّ ومَنَعةٌ على عَهدِ النَّبيِّ ، وكانَ أقوامٌ من المُسلِمينَ عندَهم ضَعفُ يَقينٍ وضَعفُ إيمانٍ، وفيهم مُنافِقونَ يُظهِرونَ الإسلامَ ويُبطِنونَ الكُفرَ مِثلَ عبدِ اللهِ بنِ أُبيٍّ، رأسِ المُنافِقينَ، وأمثالِه، وكانُوا يَخافونَ أنْ تَكونَ للكفارِ دَولةٌ فكانُوا يُوالونَهم ويُباطِنونَهم، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أي: نِفاقٌ وضَعفُ إيمانٍ ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ أي: في مُعاوَنتِهم ﴿يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ فقالَ اللهُ تَعالى: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا﴾ أي: هؤلاء المُنافِقونَ الذين يُوالونَ أهلَ الذِّمةِ ﴿عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (٥٢) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾.

فقد عرَفَ أهلُ الخِبرةِ أنَّ أهلَ الذِّمةِ من اليَهودِ والنَّصارى والمُنافِقينَ يُكاتِبونَ أهلَ دِينِهم بأخبارِ المُسلِمينَ وبما يَطلِعونَ على ذلك من أَسرارِهم، حتى أُخذَ جَماعةٌ من المُسلِمينَ في بِلادِ التَّتَرِ سَبيًا، ويَفعَلونَ غيرَ ذلك،

بمُطالعةِ أهلِ الذِّمةِ لأهلِ دِينِهم، ومن الأبياتِ المَشهورةِ قَولُ بَعضِهم:

كلُّ العَداواتِ قد تُرجَى مَودَّتُها … إلا عَداوةَ مَنْ عَاداكَ في الدِّينِ

ولهذا وغيرِه مُنعوا أنْ يَكونوا على وِلايةِ المُسلِمينَ، أو على مَصلحةٍ مَنْ يُقوِّيهم أو يَفضُلُ عليهم في الخِبرةِ والأمانةِ من المُسلِمينَ، بل استِعمالُ مَنْ هو دونَهم في الكَفاءةِ أنفَعُ للمُسلِمينَ في دِينِهم ودُنياهم، والقَليلُ من الحَلالِ يُبارِكُ فيه، والحَرامُ الكَثيرُ يَذهبُ ويَمحَقُه اللهُ تَعالى، واللهُ أعلَمُ، وصلَّى اللهُ على مُحمدٍ وآلِه وصَحبِه وسلَّم (١).

وقالَ ابنُ مُفلِحٍ رحمة الله عليه: ولأنَّ في الاستِعانةِ بهم في ذلك من المَفسدةِ ما لا يَخفى، وهي ما يَلزمُ عادةً أو ما يُفضي إليه مِنْ تَصديرِهم في المَجالسِ والقيامِ لهم وجُلوسِهم فوقَ المُسلِمينَ وابتدائِهم بالسَّلامِ أو ما في مَعناه، ورَدِّه عليهم على غيرِ الوَجهِ الشَّرعيِّ، وأَكلِهم من أَموالِ المُسلِمينَ ما أَمكَنهم لخِيانتِهم واعتِقادِهم حِلَّها وغيرِ ذلك؛ ولأنَّه إذا مُنعَ من الاستِعانةِ بهم في الجِهادِ مع حُسنِ رأيِهم في المُسلِمينَ والأمنِ منهم وقُوةِ المُسلِمينَ على المَجموعِ لا سيَّما مع الحاجةِ إليهم على قَولٍ، فهذا في معناه وأوْلى لِلُزومِه وإفضائِه إلى ما تقدَّم من المُحرَّماتِ بخِلافِ هذا.

وبهذا يَظهرُ التَّحريمُ هنا وإنْ لم تَحرُمْ الاستِعانةُ بهم على القِتالِ، وقد نَهى اللهُ المُؤمِنينَ أنْ يَتخِذوا الكُفارَ بِطانةً لهم، فقالَ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ وبِطانةُ الرَّجلِ تَشبيهٌ

(١) «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٦٤٣) وما بعدَها، و «الآداب الشرعية» (٢/ ٤٣٤).

ببِطانةِ الثَّوبِ التي تلي بَطنَه؛ لأنَّهم يَستبطِنونَ أمَرَه ويَطلِعونَ عليه بخِلافِ غيرِهم، وقَولُه: ﴿مِنْ دُونِكُمْ﴾ أي: من غيرِ أهلِ مِلَّتِكم.

ثم قالَ تَعالى: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ أي: لا يُبقونَ غايةً في إِلقائِكم فيما يَضرُّكم، والخَبالُ: الشَّرُّ والفَسادُ ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾، أي: يَودُّونَ ما يَشُقُّ عليكم من الضُّرِّ والشَّرِّ والهَلاكِ، والعَنتُ هو المَشقةُ، يُقالُ: فُلانٌ يَعنِتُ فُلانًا، أي: يَقصِدُ إدخالَ المَشقةِ والأذى عليه ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾، قيلَ: بالشَّتمِ والوَقيعةِ في المُسلِمينَ ومُخالفةِ دينِكم، وقيلَ: بإطْلاعِ المُشرِكينَ على أسرارِ المُؤمِنينَ ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ أي أعظَمُ ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: ١١٨].

قالَ القاضي أبو يَعلى -من أئِمةِ أصحابِنا-: وفي هذه الآيةِ دَليلٌ على أنَّه لا يَجوزُ الاستِعانةُ بأهلِ الذِّمةِ في أُمورِ المُسلِمينَ من العِمالاتِ والكَتبةِ؛ ولهذا قالَ الإمامُ أحمدُ رضي الله عنه: لا يَستعينُ الإمامُ بأهلِ الذِّمةِ على قِتالِ أهلِ الحَربِ، وقد جعَلَ الشَّيخُ مُوفَّقُ الدِّينِ رحمة الله عليه في هذه المَسألةِ أصلًا في اشتِراطِ الإسلامِ في عامِلِ الزَّكاةِ فدلَّ على أنَّها مَحلُّ وِفاقٍ.

وقالَ الإمامُ أحمدُ رحمة الله عليه في رِوايةِ أبي طالِبٍ وقد سأله: يُستعمَلُ اليَهوديُّ والنَّصرانِيُّ في أعمالِ المُسلِمينَ مِثلَ الخَراجِ؟

فقالَ: لا يُستَعانُ بهم في شَيءٍ.

فانظُرْ إلى هذا العُمومِ من الإمامِ أحمدَ نَظرًا منه إلى رَدِيءِ المَفاسدِ الحاصِلةِ بذلك وإِعدامِها، وهي -وإنْ لم تَكنْ لازمةً من وِلايَتِهم ولا رَيبَ في لُزومِها- لا رَيبَ في إِفضائِها إلى ذلك.

ومِن مَذهبِه اعتبارُ الوَسائلِ والذَّرائعِ تَحصيلًا للمأمورِ به شَرعًا من إذلالِهم وإهانتِهم والتَّضييقِ عليهم، وإذا أمَرَ الشارِعُ عليه الصلاة والسلام بالتَّضييقِ عليهم في الطَّريقِ المُشترَكةِ … فما نحن فيه أوْلى -هذا ممَّا لا إِشكالَ فيه- ولأنَّ هذه وِلاياتٌ بلا شكٍّ، ولهذا لا يَصحُّ تَفويضُها مع الفِسقِ والخِيانةِ، والكافِرُ ليسَ من أهلِها، بدَليلِ سائرِ الوِلاياتِ، وهذا في غايةِ الوُضوحِ؛ ولأنَّها إذا لم يَصحَّ تَفويضُها إلى فاسِقٍ فإلى كافرٍ أولى بلا نِزاعٍ.

ولهذا قد نَقولُ: يَصحُّ تَفويضُها إلى فاسِقٍ، إمَّا مُطلَقًا أو مع ضَمِّ أمينٍ إليه يُشارِفُه كما نَقولُ في الوَصيةِ، ولأنَّه إذا لم تَصحَّ وَصيةُ المُسلِمِ إلى كافرٍ في النَّظرِ في أمرِ أطفالِه أو تَفريقِ ثُلثِه مع أنَّ الوَصيَّ المُسلِمَ المُكلَّفَ العَدلَ يَحتاطُ لنَفسِه ومالِه، وهي مَصلحةٌ خاصةٌ يَقِلُّ حُصولُ الضَّررِ فيها، فمَسألتُنا أوْلى، هذا ممَّا لا يُحتاجُ فيه إلى تأمُّلٍ ونَظرٍ -واللهُ أعلَمُ- وقالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١].

وهذا من أعظَمِ السَّبيلِ، استَدلَّ الشَّيخُ وَجيهُ الدِّينِ وغيرُه من الأصحابِ بهذه الآيةِ على أنَّه لا يَجوزُ أنْ يَكونَ عامِلًا في الزَّكاةِ، وقد قالَ أصحابُنا في كاتِبِ الحاكِمِ: لا يَجوزُ أنْ يَكونَ كافرًا، واستدَلُّوا بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٨]. وبقِصةِ عُمرَ على أبي موسى.

وقالَ الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ في أوَّلِ الصِّراطِ المُستقيمِ في أثناءِ كَلامٍ له: ولهذا كانَ السَّلفُ يَستدلُّونَ بهذه الآيةِ على تَركِ الاستِعانةِ بهم في الوِلاياتِ.

فرَوى الإمامُ أحمدُ بإسنادٍ صَحيحٍ عن أبي موسى قالَ: قُلتُ لعُمرَ رضي الله عنه: إنَّ لي كاتِبًا نَصرانِيًّا قالَ: ما لك قاتَلَك اللَّهُ، أما سَمِعت اللَّهَ تَعالى يَقولُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة: ٥١] ألَا اتَّخذت حَنيفيًّا؟ قالَ: قُلتُ: يا أميرَ المُؤمِنين، لي كِتابَتُه وله دِينُه، قالَ: لا أُكرِمُهم إذ أَهانَهم اللهُ، ولا أُعِزُّهم إذ أَذلَّهم اللهُ، ولا أُدْنِيهم إذ أَقصاهُم اللهُ. انتَهى كَلامُه.

ورَواه البَيهقيُّ وعندَه: «فانتهَرَني وضرَبَ على فخِذي»، وعندَه أيضًا فقالَ أبو موسى: «واللهِ ما تَولَّيتُه إنَّما كانَ يَكتبُ، فقالَ عُمرُ له: «أمَا وَجدتَ في أهلِ الإسلامِ مَنْ يَكتبُ؟ لا تُدنِهم إذ أَقصاهم اللهُ، ولا تَأمَنْهم إذ أَخانَهم اللهُ، ولا تُعِزَّهم بعدَ إذْ أَذلَّهم اللهُ».

ورَوى الإمامُ أحمدُ عن عُمرَ رضي الله عنه أنَّه قالَ: «لا تَستعمِلوا اليَهودَ والنَّصارى؛ فإنَّهم يَستحلُّون الرِّشاءَ في دينِهم ولا تَحلُّ الرِّشاءُ».

وقطَع الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ في مَوضعٍ آخَرَ بأنَّه يَجبُ على وَليِّ الأمرِ مَنعُهم من الوِلاياتِ في جَميعِ أرضِ الإسلامِ، وقالَ أيضًا: الوِلايةُ إعزازٌ وأمانةٌ، وهُم مُستحِقُّون للذُّلِّ والخيانةِ، واللهُ يُغني عنهم المُسلِمينَ، فمِن أعظَمِ المَصائبِ على الإسلامِ وأهلِه أنْ يَجعَلوا في دَواوينِ المُسلِمينَ يَهوديًّا أو سامِريًّا أو نَصرانيًّا.

وقالَ أيضًا: لا يَجوزُ استِعمالُهم على المُسلِمينَ؛ فإنَّه يُوجِبُ إعلاءَهم على المُسلِمينَ خِلافَ ما أمَرَ اللهُ ورَسولُه ؛

والنَّبيُّ قد نَهى أنْ يُبدَؤوا بالسَّلامِ، وأمَرَ إذا لقيهم المُسلِمونَ أنْ يَضطرُّوهم إلى أضيقِ الطُّرقِ، وقالَ: «الإسلامُ يَعلو ولا يُعلَى عليه».

وقد مُنعوا من تَعليةِ بِنائِهم على المُسلِمينَ؛ فكيف إذا كانُوا وُلاةً على المُسلِمينَ فيما يُقبَضُ منهم ويُصرَفُ إليهم، وفيما يُؤمَرونَ به من الأُمورِ الماليةِ، ويُقبَلُ خَبرُهم في ذلك فيَكونونَ هُمْ الآمِرينَ الشاهِدينَ عليهم؟! هذا من أعظَمِ ما يَكونُ من مُخالفةِ اللهِ ورَسولِه .

وقد قدِمَ أبو موسى على عُمرَ رضي الله عنهما بحِسابِ العِراقِ فقالَ: «ادْعُ كاتبَك يَقرَؤُه علَيَّ» فقالَ: «إنَّه لا يَدخلُ المَسجدَ» قالَ: «ولمَ؟» قالَ: «لأنَّه نَصرانِيٌّ» فضرَبَه عُمرُ رضي الله عنه بالدِّرةِ فلو أَصابَتْه لأَوجَعتْه ثم قالَ: «لا تُعِزُّوهم بعدَ أنْ أَذلَّهم اللهُ، ولا تَأمَنوهم بعدَ أنْ خوَّنَهم اللهُ، ولا تُصدِّقوهم بعدَ أنْ أَكْذَبهم اللهُ».

وكتَبَ إليه خالِدُ بنُ الوَليدِ: «إنَّ بالشامِ كاتِبًا نَصرانيًّا لا يَقومُ خَراجُ الشامِ إلا به، فكتَبَ إليه: «لا تَستعمِلْه». فكتَبَ: إنَّه لا غِنى بِنا عنه. فكتَبَ إليه عُمرُ: «لا تَستعمِلْه»، فكتَبَ إليه: إذا لم نُولِّه ضاعَ المالُ. فكتَبَ إليه عُمرُ رضي الله عنه: «مات النَّصرانِيُّ، والسَّلامُ». يَعني: قدِّرْ مَوتَه، فمَن ترَكَ للهِ شَيئًا عوَّضَه اللهُ خَيرًا منه، إلى أنْ قالَ: وقد يُشيرونَ عليهم بالآراءِ التي يَظنُّونَ أنَّها مَصلحةٌ ويَكونُ فيها من فِسادِ دِينِهم ودُنياهم ما لا يَعلمُه إلا اللهُ، وهو يَتديَّنُ بخِذلانِ الجُندِ وغِشِّهم، يَرى أنَّهم ظالِمونَ وأنَّ الأرضَ مُستحَقةٌ للنَّصارى، ويَتمنى أنْ يَتملَّكها النَّصارى.

وقالَ أيضًا: كانَ صَلاحُ الدِّينِ وأهلُ بَيتِه يُذلُّونَ النَّصارى، ولم يَكونوا يَستعمِلونَ منهم أحدًا؛ ولهذا كانُوا مُؤيَّدينَ مَنصورينَ على الأَعداءِ مع قِلةِ المالِ والعَددِ، وإنَّما قوِيَت شَوكةُ النَّصارى والتَّتارِ بعدَ مَوتِ العادلِ حتى قامَ بعضُ المُلوكِ فأَعطاهم بعضَ مَدائِنِ المُسلِمينَ، وحدَثَت حَوادثُ بسَببِ التَّفريطِ فيما أمَرَ اللهُ به ورَسولُه ؛ فإنَّ اللهَ تَعالى يَقولُ: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠].

إلى أنْ قالَ: وهُم إلى ما في بِلادِ المُسلِمينَ أحوَجُ من المُسلِمينَ إلى ما في بِلادِهم، بل مَصلحةُ دِينِهم لا تَقومُ إلا بما في بِلادِ المُسلِمينَ، والمُسلِمونَ وللهِ الحَمدُ مُستَغنونَ عنهم في دِينِهم ودُنياهم، ففي ذِمةِ المُسلِمينَ من عُلماءِ النَّصارى ورُهبانِهم من يَحتاجُ إليهم، أولئك النَّصارى، وليسَ عندَ النَّصارى مُسلِمٌ يَحتاجُ إليه المُسلِمونَ مع أنَّ افتِداءَ الأُسراءِ من أعظَمِ الواجِباتِ، وأنَّ كلَّ مُسلمٍ يَعلمُ أنَّهم لا يَتَّجِرون إلى بِلادِ المُسلِمينَ إلا لأغراضِهم لا لنَفعِ المُسلِمينَ، ولو منَعَهم مُلوكُهم من ذلك لكانَ حِرصُهم على المالِ يَمنعُهم من الطاعةِ؛ فإنَّهم أرغَبُ الناسِ في المالِ؛ ولهذا يَتقامَرونَ في الكَنائسِ وهُم طَوائفُ، كلُّ طائِفةٍ تُضادُّ الأُخرى.

ولا يُشيرُ على وَليِّ الأمرِ بما فيه إِظهارُ شِعارِهم في دارِ الإسلامِ أو تَقويةُ أَيدِيهم بوَجهٍ من الوُجوهِ إلا رَجلٌ مُنافِقٌ أو له غَرضٌ فاسِدٌ أو في غايةِ الجَهلِ لا يَعرِفُ السياسةَ الشَّرعيةَ التي تَنصرُ سُلطانَ المُسلِمينَ على أَعدائِه وأَعداءِ الدِّينِ.

ولْيعتبِرِ المُعتبِرُ بسيرةِ نُورِ الدِّينِ وصَلاحِ الدِّينِ ثم العادلِ كيفَ مكَّنَهم اللهُ وأيَّدَهم وفتَحَ لهم البِلادَ وأذَلَّ لهم الأَعداءَ لمَّا قامُوا من ذلك بما قامُوا، ولْيعتبِرْ بسِيرةِ مَنْ والى النَّصارى كيف أذَلَّه وكبَتَه (١).

وقالَ ابنُ القَيمِ رحمة الله عليه: فَصلٌ: في المَنعِ من استِعمالِ اليَهودِ والنَّصارى في شَيءٍ من وِلاياتِ المُسلِمينَ وأُمورِهم.

قالَ أبو طالِبٌ: سأَلتُ أبا عبدِ اللهِ: يُستعمَلُ اليَهوديُّ والنصرانِيُّ في أعمالِ المُسلِمينَ مِثلَ الخَراجِ؟ قالَ: لا يُستعانُ بهم في شَيءٍ.

وكتَبَ عُمرُ بنُ الخَطابِ رضي الله عنه إلى عُمالِه: أمَّا بَعدُ: فإنَّه مَنْ كانَ قِبَلَه كاتِبٌ من المُشرِكينَ فلا يُعاشِرْه، ولا يُوازِرْه، ولا يُجالِسْه، ولا يَعتضِدْ برأيِه؛ فإنَّ رَسولَ اللهِ لمْ يَأمرْ باستِعمالِهم، ولا خَليفتُه من بعدِه.

وورَد عليه كِتابُ مُعاويةَ بنِ أبي سُفيانَ: أمَّا بَعدُ: «إنَّ بالشامِ كاتِبًا نَصرانيًّا لا يَقومُ خَراجُ الشامِ إلا به، فكتَبَ إليه: «لا تَستعمِلْه». فكتَبَ: إنَّه لا غِنى بِنا عنه. فكتَبَ إليه عُمرُ: «لا تَستعمِلْه»، فكتَبَ إليه: إذا لمْ نُولِّه ضاعَ المالُ. فكتَبَ إليه عُمرُ رضي الله عنه: «ماتَ النَّصرانِيُّ، والسَّلامُ».

وكانَ لعُمرَ رضي الله عنه عَبدٌ نَصرانِيٌ، فقالَ له: «أسلِمْ حتى نَستعينَ بك على بعضِ أُمورِ المُسلِمينَ؛ فإنَّه لا يَنبَغي لنا أنْ نَستعينَ على أمرِهم بمَن ليسَ منهم، فأَبى، فأعتَقه وقالَ: اذهَبَ حيثُ شِئتَ».

(١) «الآداب الشرعية» (٢/ ٤٣٣) وما بعدَها.

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الحدود
فصل في بيان مقدار الواجب من الحدود

وَحَقُّ اللَّهِ - تَعَالَى - هُوَ الَّذِي يَحْتَمِلُ التَّنْصِيفَ بِالرِّقِّ لَا حَقَّ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ حُقُوقَ اللَّهِ - تَعَالَى - تَجِبُ جَزَاءً لِلْفِعْلِ، وَالْجَزَاءُ يَزْدَادُ بِزِيَادَةِ الْجِنَايَةِ وَيُنْتَقَصُ بِنُقْصَانِهَا، وَالْجِنَايَةُ تَتَكَامَلُ بِكَمَالِ حَالِ الْجَانِي وَتُنْتَقَصُ بِنُقْصَانِ حَالِهِ، فَأَمَّا حَقُّ الْعَبْدِ فَإِنَّهُ يَجِبُ بِمُقَابَلَةِ الْمَحِلِّ وَلَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ حَالِ الْجَانِي، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ حَقُّ اللَّهِ - تَعَالَى - خَالِصًا أَوْ الْمُغَلَّبُ فِيهِ حَقُّهُ فَنَقُولُ: لَا يَصِحُّ الْعَفْوُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْعَفْوَ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ صَاحِبِ الْحَقِّ، وَلَا يَصِحُّ الصُّلْحُ وَالِاعْتِيَاضُ؛ لِأَنَّ الِاعْتِيَاضَ عَنْ حَقِّ الْغَيْرِ لَا يَصِحُّ وَلَا يَجْرِي فِيهِ الْإِرْثُ؛ لِأَنَّ الْإِرْثَ إنَّمَا يَجْرِي فِي الْمَتْرُوكِ مِنْ مِلْكٍ أَوْ حَقٍّ لِلْمُوَرَّثِ عَلَى مَا قَالَ « عليه الصلاة والسلام مَنْ تَرَكَ مَالًا أَوْ حَقًّا فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ» وَلَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَلَا يُوَرَّثُ وَلَا يَجْرِي فِيهِ التَّدَاخُلُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا، وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ فِي بَيَانِ مِقْدَارِ الْوَاجِبِ مِنْ الْحُدُودِ

(فَصْلٌ) :

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 558 - 573

ارجع إلى أحكام المعابد والبيع والكنائس وأقسام المعابد للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
اللهم صل على محمد