الإسلام > الجنايات والحدود > أقسام الجناية > إذا حبسه ومنع عنه الطعام والشراب حتى مات
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 11 دقيقة قراءةوإنْ ترَكَه في نارٍ يُمكنُه التَّخلصُ منها لقِلَّتِها أو كَونِه في طَرفٍ منها يُمكنُه الخُروجُ بأدنَى حَركةٍ فلَم يَخرجْ حتَّى ماتَ فلا قوَدَ؛ لأنَّ هذا لا يَقتلُ غالبًا، وهل يَضمنُه؟ فيه وَجهانِ:
أحَدُهما: لا يَضمنُه؛ لأنه مُهلكٌ لنَفسِه بإقامتِه، فلَم يَضمنْه كما لو ألقاهُ في ماءٍ يَسيرٍ، لكنْ يَضمنُ ما أصابَتِ النارُ منه.
والثاني: يَضمنُه؛ لأنه جاءَ بالإلقاءِ المُفضِي إلى الهَلاكِ، وتَركُ التخلُّصِ لا يُسقطُ الضَّمانَ، كما لو فصَدَه فتَركَ شَدَّ فِصادِه مع إمكانِه، أو جرَحَه فتَركَ مُداواةَ جُرحِه، وفارَقَ الماءَ؛ لأنه لا يَهلكُ بنَفسِه، ولهذا يَدخلُه الناسُ للغُسلِ والسِّباحةِ والصَّيدِ، وأما النارُ فيَسيرُها يُهلكُ، وإنما تُعلَمُ قُدرتُه على التَّخلصِ بقَولِه: «أنا قادِرٌ على التَّخلصِ» أو نحوَ هذا؛ لأنَّ النارَ لها حَرارةٌ شَديدةٌ، فرُبَّما أزعَجَتْه حَرارتُها عن مَعرفةِ ما يَتخلصُ به، أو أذهَبَتْ عَقْلَه بألمِها ورُوعتِها (١).
إذا حبَسَه ومنَعَ عنه الطَّعامَ والشَّرابَ حتَّى ماتَ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ مَنْ حبَسَ إنسانًا ولم يَمنعْه الطَّعامَ ولا الشَّرابَ فماتَ في حَبسِه فإنه لا شَيءَ عليهِ مِنْ قِصاصٍ ولا دِيةٍ.
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا فيمَن حبَسَ غيرَه في مَكانٍ ومنَعَ عنه الطَّعامَ والشَّرابَ حتَّى ماتَ في الحَبسِ، هل يُقتصُّ منه؟ أم يَجبُ عليهِ الدِّيةُ؟ أم لا يَجبُ عليهِ شَيءٌ أصلًا؟
(١) «المغني» (٨/ ٢١٠، ٢١١)، و «الكافي» (٤/ ٥٩)، و «المبدع» (٨/ ٢٤٥)، و «الإنصاف» (٩/ ٤٣٨)، و «كشاف القناع» (٥/ ٥٩٧)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ٩)
فذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ رحمة الله عليه إلى أنَّ مَنْ حبَسَ إنسانًا فماتَ منه مِنْ الجُوعِ أو العَطشِ لا يَضمنُ؛ لأنَّ الجُوعَ والعَطشَ مِنْ لَوازمِ الإنسانِ فلا يُضافُ للجاني؛ لأنَّ سبَبَه لا يُؤدِّي إلى التَّلفِ، وإنما ماتَ بسَببٍ آخَرَ، وهو فَقدُ الطَّعامِ والماءِ، فلمْ تَبْقَ إلا اليَدُ، والحُرُّ لا يُضمَنُ باليدِ.
وذهَبَ الإمامانِ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ -رحمهما الله- إلى أنَّ عليهِ الدِّيةَ؛ لأنه سَببٌ أدَّاهُ إلى التَّلفِ كسَقيِ السُّمِّ (١).
وقالَ المالِكيةُ: إذا منَعَه الطَّعامَ والشَّرابَ قاصِدًا قتْلَه فإنه يُقتلُ به، وقيلَ: يُقتلُ وإنْ لم يَقصدْ قتْلَه؛ لأنَّ قصْدَ القَتلِ ليسَ شَرطًا في القِصاصِ، وحِينئذٍ يَجبُ عليهِ القِصاصُ وإنْ قصَدَ به التَّعذيبَ لا القتلَ.
وكذا مَنْ منَعَ فضْلَ مائِه مُسافرًا عالِمًا بأنه لا يَحلُّ مَنعُه وأنه يَموتُ إنْ لم يَسقِه قُتلَ به وإنْ لم يَلِ قتْلَه بيَدِه (٢).
وقالَ الشافِعيةُ: إنْ حبَسَ حُرًّا في بَيتٍ فماتَ جُوعًا أو عَطشًا نُظرَ؛ إنْ كانَ عِندَه فلَم يَتناولْه خَوفًا أو حُزنًا أو أمكَنَه طَلبُه ولو بالسُّؤالِ فلَم يَفعلْ لم يَجبْ على حابسِه قِصاصٌ ولا ضَمانٌ؛ لأنَّ المَحبوسَ قتَلَ نفْسَه.
وإنْ منَعَه الطَّعامَ والشَّرابَ ومنَعَه الطلَبَ حتى ماتَ نُظرَ:
(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ٢٣٤، ٢٣٥)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ١٩٤)، و «حاشية ابن عابدين» (٦/ ٦٢٤).
(٢) «التاج والإكليل» (٥/ ٢٢٢)، و «شرح مختصر خليل» (٨/ ٧)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ١٨٤، ١٨٥)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٢٢٧).
إنْ مضَتْ مُدةٌ يَموتُ مِثلُه فيها غالبًا بالجُوعِ أو العَطشِ وجَبَ القِصاصُ؛ لأنه قتَلَه بما يَقتلُ مثلُه غالبًا، فهو كما لو قتَلَه بالسيفِ، وتَختلفُ المُدةُ باختِلافِ حالِ المَحبوسِ قُوةً وضَعفًا والزَّمانِ حَرٍّ أو بَردٍ؛ لأنَّ فقْدَ الماءِ في الحَرِّ ليسَ كفَقدِه في البَردِ.
وإنْ لم تَمضِ مُدةٌ يَموتُ في مثلِها غالبًا وماتَ فإنْ لم يَكنْ به جُوعٌ أو عَطشٌ سابقٌ فهو شِبهُ عَمدٍ.
وإنْ كانَ به بَعضُ جُوعٍ أو عَطشٍ ففِي وُجوبِ القِصاصِ ثَلاثةُ أقوالٍ:
أظهَرُها: أنه إنْ عَلِمَ الحابسُ جُوعَه السابقَ لَزمَه القِصاصُ، وإلا فهو شِبهُ عَمدٍ في الأظهَرِ؛ لأنه لم يَقصدْ هَلاكَه ولا أتَى بما هو مُهلكٌ، كما لو دفَعَه دَفعًا خَفيفًا فسقَطَ على سِكينٍ وراءَهُ وهو جاهِلٌ فإنه لا قِصاصَ.
والثاني: هو عَمدٌ ويَجبُ القِصاصُ؛ لحُصولِ الهَلاكِ به كما لو ضرَبَ المَريضَ ضَربًا يُهلكُه ولا يُهلِكُ الصَّحيحَ وهو جاهِلٌ بمَرضِه.
والثالث: عَكسُه.
فإنْ أوجَبْنا القِصاصَ وجَبَتْ دِيةُ عَمدٍ بكَمالِها إنْ كانَ عالِمًا، ودِيةُ شِبهِ عَمدٍ إنْ كانَ جاهِلًا، وإنْ لم نُوجِبِ القِصاصَ فقَولانِ:
أحَدُهما: تَجبُ الدِّيةُ بكَمالِها، وإنما سقَطَ القِصاصُ للشُّبهةِ.
وأظهَرُهمُا وبه قطَعَ الأكثَرونَ: تَجبُ نِصفُ دِيةِ العَمدِ أو شِبهِ العَمدِ.
ولو منَعَه الشَّرابَ دُونَ الطَّعامِ فلَم يَأكلِ المَحبوسُ خَوفًا مِنْ العَطشِ
فماتَ فلا قِصاصَ قَطعًا، ولا ضَمانَ أيضًا على الأصحِّ، وبه قطَعَ البَغويُّ؛ لأنه المُهلِكُ نفسَه، وقالَ القفَّالُ: يَجبُ.
ولو حبَسَه وراعاهُ بالطَّعامِ والشَّرابِ فماتَ في الحَبسِ فإنْ كانَ عَبدًا ضَمِنَه باليَدِ، وإنْ كانَ حُرًّا فلا ضَمانَ أصلًا، سَواءٌ ماتَ حتْفَ أنفِه أو بانهِدامِ سَقفٍ أو جِدارٍ عليهِ، أو بلَسعِ حيَّةٍ ونَحوِها.
ولو حبَسَه وعرَّاهُ حتَّى ماتَ بالبَردِ فهو كما لو حبَسَه، ومنَعَه الطَّعامَ والشَّرابَ.
ولو أخَذَ طَعامَه أو شَرابَه أو ثِيابَه في مَفازةٍ فماتَ جُوعًا أو عَطشًا أو بَردًا فلا ضَمانَ؛ لأنه لم يُحدثْ فيه صُنعًا.
ولو قتَلَه بالدُّخانِ بأنْ حبَسَه في بَيتٍ وسَدَّ مَنافذَه فاجتَمعَ عليهِ الدُّخانُ فضاقَ نفَسَه فماتَ وجَبَ القوَدُ، وكذا لو منَعَ مَنْ افتَصدَ مِنْ شَدِّ فِصادِه حتى ماتَ (١).
وقالَ الحَنابلةُ: لو أنَّ رَجلًا حبَسَ آخَرَ في مَكانٍ ومنَعَه الطَّعامَ والشَّرابَ أو أحدَهُما -أي الطَّعامَ وحْدَه أو الشَّرابَ- مُدةً لا يَبقَى فيها حتَّى يَموتَ ففيهِ القَودُ؛ لأنَّ هذا يَقتلُ غالبًا، وهذا يَختلفُ باختِلافِ الناسِ والزَّمانِ والأحوالِ، فإذا كانَ عَطشانَ في شِدةِ الحَرِّ ماتَ في الزَّمنِ القَليلِ وإنْ كانَ ريَّانَ والزَّمنُ باردٌ ومُعتدلٌ لم يَمتْ إلا في زَمنٍ طَويلٍ، فيُعتبَرُ هذا فيهِ، وإنْ
(١) «المهذب» (٢/ ١٧٦)، و «البيان» (١١/ ٣٤١، ٣٤٢)، و «روضة الطالين» (٦/ ١٣٥، ١٣٦)، و «النجم الوهاج» (٨/ ٣٣١، ٣٣٢)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٢١٦، ٢١٧).
المجموع شرح المهذب · النووي · كتاب الجنايات
باب ما يجب به القصاص من الجنايات
ولهذا لما طعن أبو لؤلوة المجوسى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي بطنه فجاءه الطبيب وسقاه لبنا فخرج اللبن من بطنه، فقال له اعهد إلى الناس، فعهد عمر رضى الله عنه ثم مات فعملت الصحابة رضوان الله عليهم بعهده فصار كالصحيح، والله تعالى أعلم بالصواب
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
(بَابُ مَا يجب به القصاص من الجنايات)
إذا جرحه بما يقطع الجلد واللحم كالسيف والسكين والسنان، أو بما حدد من الخشب والحجر والزجاج وغيرها أو بما له مور وبعد غور كالمسلة والنشاب وما حدد من الخشب والقصب ومات منه وجب عليه القود، لانه قتله بما يقتل غالبا، وإن غرز فيه إبرة - فإن كان في مقتل كالصدر والخاصرة والعين وأصول الاذن فمات منه - وجب عليه القود، لان الاصابة بها في المقتل، كالاصابة بالسكين والمسلة في الخوف عليه، وإن كان في غير مقتل كالالية والفخذ نظرت - فإن بقى منه ضمنا إلى أن مات - وجب عليه القود، لان الظاهر أنه مات منه وان مات في الحال فَفِيهِ وَجْهَانِ
(أَحَدُهُمَا)
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ أنه يجب عليه القود لان له غورا وسراية في البدن.
وفي البدن مقاتل خفية
(والثانى)
وهو قول أبى العباس وأبى سعيد الاصطخرى أنه لا يجب لانه لا يقتل في الغالب فلا بجب به القود، كما لو ضربه بمثقل صغير، ولان في المثقل فرقا بين الصغير والكبير، فكذلك في المحدد (الشرح) اللغات: المور الموج والاضطراب والجريان، ومار الدم يمور مورا جرى، وأماره أساله، ومار السنان في المطعون إذا قطعه ودخل فيه.
قال الشاعر: وأنتم أناس تغمضون من القنا إذا مار في أكتافكم وتأطرا ويقولون: فلان لا يدرى ما سائر من مائر، فالمائر السيف القاطع الذي يمور
في الضربية مورا، والسائر بيت الشعر المروى المشهور.
أما الغور فهو قعر كل شئ وقوله " ضمنا " هو الذي به الزمانة في جسده من بلاء أو كسر أو غيره.
ارجع إلى أقسام الجناية للاطلاع على جميع المسائل.