الإسلام > الجنايات والحدود > أقسام الجناية > إذا شهد رجلان على رجل بما يوجب قتله فقتل بشهادتهما ثم رجعا
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 14 دقيقة قراءةوعن عائِشةَ رضي الله عنها قالَتْ: «كانَ يُؤمَرُ العائِنُ أنْ يَتوضَّأَ، ثم يَغتسلُ منه المَعِينُ» (١).
إذا شَهدَ رَجلانِ على رَجلٍ بما يُوجِبُ قتْلَه فقُتِلَ بشَهادتِهِما ثمَّ رَجعَا:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو شَهِدَ شاهِدانِ على رَجلٍ بما يُوجبُ القَتلَ فقُتلَ بشَهادتِهما ثمَّ رجَعَا واعترَفَا بتَعمُّدِ القتلِ ظُلمًا في شهادَتِهما، هل يَجبُ عليهِما القِصاصُ أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه يَجبُ عليهِما القِصاصُ؛ لِما رَوى القاسِمُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ «أنَّ رَجلينِ شَهِدَا على رَجلٍ عندَ عَليٍّ أنه سرَقَ ثمَّ رجَعَا عن شَهادتِهما فقالَ: لو أعلَمُكُما تَعمَّدتُماهُ لَقطَعتُ أيدِيَكُما، وأغرَمَهُما دِيةَ يَدِه» (٢).
ولأنهما تَوصَّلَا إلى قَتلِه بسَببٍ يَقتلُ غالبًا، فوجَبَ عليهِما القِصاصُ كالمكرهِ، وكما لو جَرَحاهُ فماتَ (٣).
قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: ولو شَهِدا بجَرحٍ أو قَتلٍ أو ما يُوجِبُ رَجمًا فقُتلَ بشَهادتِهما ثمَّ اعتَرفَا بالزُّورِ اقتُصَّ منهُما، وإنْ قالَا: «شُبِّهَ عَلينَا» غَرِمَا
(١) «روضة الطالبين» (٦/ ٣٧٧)، و «عجالة المحتاج» (٤/ ١٥٩٤)، و «طرح التثريب» (٨/ ١٩٠).
(٢) رواه عبد الرزاق في «مصنفه» (١٨٤٦٠).
(٣) «المهذب» (٢/ ١٧٧)، و «البيان» (١١/ ٣٥٦)، و «المغني» (٨/ ٢١٣)، و «الكافي» (٤/ ١٨)، و «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٣٨٢، ٣٨٣).
الدِّيةَ في أموالِهما، وقد قيلَ: إنها دِيةٌ في أموالِهما على كُلِّ حالٍ ولا قِصاصَ، والأولُ أصَحُّ وبه يَقولُ أشهَبُ، فإنْ رجَعَ أحدُ الشُّهودِ الأربَعةِ في الزِّنى قبلَ أنْ يَقضيَ القاضي بشِهادتِهم حُدُّوا كلُّهم حَدَّ القَذفِ ولم يُقَمْ حَدُّ الزنى، وقد قيلَ: يُحَدُّ الراجعُ خاصَّةً، فإنْ رجَعَ أحَدُهم بعدَ الرَّجمِ غَرمَ رُبعَ الديَةِ، وإنْ رجَعَ الثاني غَرمَ نِصفَ الديَةِ، وهكذا على الحِسابِ أبدًا، ويُحَدُّونَ حدَّ الفِريةِ ولا يُحَدُّ قاذِفُهم، ولو كانَ الشُّهودُ على الزِّنى أكثَرَ مِنْ أربَعةٍ فرجَعَ بَعضُهم وبَقيَ مَنْ تَتمُّ به الشهادةُ فلا غُرمَ على مَنْ رجَعَ، وكلُّ مَنْ أتلَفَ بشَهادتِه شَيئًا مِنْ الأموالِ ثم رجَعَ عن شَهادتِه ضَمِنَ ما أتلَفَ، وإنْ كانَ شاهِدًا واحِدًا مع يَمينٍ ضَمنَ نِصفَ المُتلَفِ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: إذا شَهِدوا على رَجلٍ بما يُوجِبُ قتْلَه قِصاصًا أو برِدَّةٍ أو زِنًى وهو مُحصَنٌ فحكَمَ القاضي بشَهادتِهم وقتَلَه بمُقتَضاها ثم رجَعُوا وقالُوا: «تَعمَّدْنا وعَلِمْنا أنه يُقتلُ بشَهادتِنا» لَزمَهم القِصاصُ، ولو شَهِدوا بما يُوجبُ القَطعَ قِصاصًا أو في سَرقةٍ فقُطعَ ثم رجَعُوا وقالُوا: «تَعمَّدْنا» لَزمَهم القَطعُ، وإنْ سَرَى فعَليهِم القِصاصُ في النفسِ.
وإنما يَجبُ القصاصُ على الشُّهودِ بالرُّجوعِ، واعتِرافُهم بالتعمُّدِ لا بكَذبِهم، حتى لو تَيقَّنَّا كَذبَهم بأنْ شاهَدْنا المَشهودَ بقَتلِه حيًّا فلا قِصاصَ عليهِم؛ لاحتِمالِ أنهُم لم يَتعمَّدُوا، ولا يَلزمُهم القِصاصُ بالرُّجوعِ إلا إذا أخرَجَتْ شَهادتُهم مُباشَرةَ الوليِّ عن كَونِها عُدوانًا، أما إذا اعتَرفَ الوليُّ
(١) «الكافي» (١/ ٤٧٧).
بكَونِه عالِمًا بكَذبِهم فلا قِصاصَ عليهِم، وعلى الوليِّ القِصاصُ رَجَعوا أم لم يَرجِعوا (١).
وقالَ الحَنابلةُ: إذا شَهدَ اثنانِ فأكثَرَ على شَخصٍ بقَتلِ عَمدٍ أو ردَّةٍ حيثُ امتَنعَتِ التَّوبةُ أو شَهدَ أربَعةٌ فأكثَرَ بزنَا مُحصَنٍ ونحوِ ذلكَ ممَّا يُوجِبُ القتلَ فقُتلَ بشَهادتِهم ثم رَجَعوا واعتَرفُوا بتعمُّدِ القتلِ فعَليهِم القِصاصُ؛ لِما رَوى القاسِمُ بنُ عَبدِ الرَّحمنِ «أنَّ رَجلينَ شَهِدا على رجلٍ عندَ عليٍّ أنه سرَقَ فقطَعَه، ثم رَجَعا عن شَهادتِهما فقالَ عليٌّ: لو أعلَمُ أنكُمَا عَمَدتُما لَقطعْتُ أيدِيَكُما»، ولأنهُما توصَّلَا إلى قتلِه بسَببٍ يَقتلُ غالبًا، أشبَهَ المُكرَهَ، وقَولُه: «حَيثُ امتَنعَتِ التَّوبةُ» بأنْ شَهِدا أنه سَبَّ اللهَ أو رَسولَه ونحوَ ذلكَ، بخِلافِ ما تُقبلُ فيه التوبةُ؛ إذ يُمكِنُه دَفعُهما بالتوبةِ.
وكذلكَ الحاكِمُ إذا حكَمَ على شَخصٍ بالقَتلِ عالِمًا بكَذبِ البيِّنةِ مُتعمِّدًا فقُتلَ واعتَرفَ الحاكِمُ بذلكَ فعَليهِ القصاصُ؛ لأنه في معنَى الشهودِ، فكانَ الحاصلُ بسَببِه عَمدًا كالقتلِ الحاصلِ بسَببِ الشاهدَينِ.
ولو أنَّ الوليَّ الذي باشَرَ قتْلَه أقَرَّ بعِلمِه بكَذبِ الشُّهودِ وتَعمُّدِ قَتلِه فعَليهِ القِصاصُ وحْدَه؛ لأنه باشَرَ القتلَ عَمدًا بغيرِ حقٍّ.
فإنْ أقَرَّ الشاهِدانِ والوليُّ والحاكِمُ جَميعًا بالكَذبِ والتعمُّدِ بقَتلِه فعَلى الوليِّ المباشِرِ للقتلِ القِصاصُ وحْدَه أيضًا؛ لأنه باشَرَ القتلَ عمدًا عُدوانًا،
(١) «روضة الطالبين» (٦/ ١٣٨).
ويَنبغي أنْ لا يَجبَ على غيرِه شَيءٌ؛ لأنهُم مُتسبِّبونَ، والمُباشَرةُ تُبطِلُ حُكمَ التسبُّبِ، كالدافعِ مع الحافرِ.
وإنْ كانَ الوليُّ لم يُباشِرِ القتلَ وإنما باشَرَ وَكيلُه فإنْ كانَ الوكيلُ عالِمًا فعَليهِ القِصاصُ وحْدَه؛ لأنه المباشِرُ، وإنْ لم يَكنِ الوكيلُ عالِمًا فعَلى الوليُّ القصاصُ كما لو باشَرَ، فيَختصُّ مُباشرٌ عالمٌ بالقَودِ ثم وليٌّ عالمٌ ثم بيِّنةٌ وحاكِمٌ، ومتى لَزمَتِ الديَةُ الحاكمَ والبيِّنةَ فهي بَينَهم سَواءٌ، على الحاكِمِ مثلُ واحِدٍ منهُم؛ لأنَّ الجميعَ مُتسبِّبونَ.
ولو رجَعَ الوليُّ والبيِّنةُ ضَمِنَه الوليُّ وحْدَه؛ لمُباشَرتِه القتلَ.
ولو قالَ بَعضُهم: «عَمَدْنا قتْلَه» وقالَ بَعضُهم: «أخطَأْنا» يُريدُ كلُّ قائلٍ نفْسَه دونَ البعضِ الآخَرِ، أو قالَ واحِدٌ: «عَمَدتُ قتْلَه» وقالَ الآخَرُ: «أخطَأْتُ» فلا قوَدَ على المُتعمِّدِ؛ لأنَّ القتلَ لم يَتمحضْ مُوجبًا، وعلى المُتعمِّدِ حصَّتُه مِنْ الديَةِ المغلَّظةِ؛ مُؤاخَذةً له بإقرارِه، وعلى المُخطئِ حصَّتُه مِنْ الديَةِ المُخفَّفةِ.
ولو قالَ كلُّ واحدٍ منهُم: «تَعمَّدتُ وأخطَأَ شَريكِي»، أو قالَ واحِدٌ: «عَمَدْنا جَميعًا» وقالَ الآخَرُ: «عَمدْتُ وأخطَأَ صاحِبي»، أو قالَ واحدٌ: «عَمدتُ ولا أدرِي ما فعَلَ صاحِبي»؛ فعَليهِما القَودُ؛ لاعتِرافِ كلٍّ منهُما بالقَتلِ عُدوانًا.
ولو قالَ واحِدٌ: «عَمَدْنا» حالَ كونِه مُخبِرًا عنه وعمَّن معَه وقالَ الآخَرُ: «أخطَأْنا» مُخبِرًا عنه وعمَّن معَه لَزمَ المُقِرَّ بالعَمدِ القودُ؛ مُؤاخَذةً له بإقرارِه،
ولَزمَ الآخرَ نِصفُ الديَةِ مخفَّفةً إذا كانَا اثنَينِ، فإنْ كانُوا ثَلاثةً فأكثرَ فقالَ واحِدٌ منهُم: «عَمدْنا» وقالَ آخَرُ: «أخطَأْنا» فلا قوَدَ، وعلى مَنْ قالَ: «عَمدْنا» حصَّتُه مِنْ الدِّيةِ المغلَّظةِ، والآخَر حِصتُه مِنْ الديةِ المخفَّفةِ، ولو قالَ: «عَمدْنا الإشهادَ دونَ القَتلِ» فالديةُ، وإنْ قالَا: «أخطَأْنا» فعَليهِما الديةُ مُخفَّفةً (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنه إذا شَهدَ شاهِدانِ على رَجلٍ بقَتلٍ عَمدًا وقُبلَتْ شَهادتُهما ثم رجَعَا فعَليهِما الديَةُ في مالِهما؛ لأنَّ الشاهدَ سَببٌ للقَتلِ، والسببُ لا يُوجبُ القِصاصَ كحَفرِ البئرِ؛ وهذا لأنه يُعتبَرُ في القصاصِ المُساواةُ، ولا مُساواةَ بينَ السَّببِ والمُباشَرةِ.
فإذا لم يَجبِ القَودُ عَليهِما كانَ عليهِما الديَةُ في مالِهما إنْ رجَعَا؛ لأنَّ الشَّهادةَ منهُما بمَنزلةِ الإقرارِ منهُما بالإتلافِ، والعاقِلةُ لا تَعقلُ الإقرارَ.
وإنْ رجَعَ أحَدُهما فعَليهِ نِصفُ الديةِ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهُما سَببٌ لإتلافِ نصفِ النفسِ.
فإنْ رجَعَ الوليُّ معَهُما أو جاءَ المَشهودُ بقَتلِه حيًّا فلوليِّ المَقتولِ الخيارُ بينَ أنْ يُضمِّنَ الشاهدَينِ الديَةَ وبينَ أنْ يُضمِّنَ القاتلَ؛ لأنَّ القاتلَ مُتلِفٌ للنفسِ حَقيقةً والشُّهودَ مُتلِفونَ له حُكمًا، والإتلافُ الحُكميُّ في
(١) «المغني» (٨/ ٢١٣)، و «الكافي» (٤/ ١٨)، و «المبدع» (٨/ ٢٤٨)، و «كشاف القناع» (٥/ ٦٠١، ٦٠٢)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ١١، ١٢)، و «مطالب أولي النهى» (٦/ ١١، ١٢).
المجموع شرح المهذب · النووي · كتاب الجنايات
باب تحريم القتل
قال المصنف رحمه لله تعالى
باب تحريم القتل
ومن يجب عليه القصاص ومن لا يجب عليه القتل بغير حق حرام وهو من الكبائر العظام، والدليل عليه قوله عز وجل (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما) وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى الله عليه وسلم قال " لقتل مؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا " وروى ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " لَوْ أَنَّ أهل السموات والارض اشتركوا في قتل مؤمن لعذبهم الله عز وجل الا أن لا يشاء ذلك " (الشرح) قوله تعالى (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جنهم خالدا فيها)
الاية.
في صحيح البخاري عن أبن جبير قال، اختلف فيها أهل الكوفة فرحلت إلى ابن عباس فسألته عنها فقال نزلت هذه الآية (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم) هي آخر ما نزل وما نسخها شئ، وكذا رواه مسلم والنسائي من طرق عن شبعة به ورواه أبو داود عن أحمد بن حنبل بسنده عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ في الاية فقال ما نسخها شئ وقال ابن جرير بإسناده عن يحيى الجابري عن سالم بن أبى الجعد قال " كنا عند ابن عباس بعد ما كف بصره فأتاه رجل فناداه يا عبد الله ما ترى في رجل قتل مؤمنا متعمدا؟ فقال جزاؤه جهنم خالدا فيها الخ آخر الاية، قال أفرأيت إن تاب وعمل صالحا ثم اهتدى؟ قال ابن عباس " ثكلته أمه، وأنى له التوبة والهدى؟ والذي نفسي بيده لقد سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: ثكلته أمه قاتل مؤمن متعمدا جاء يوم القيامة أخذه بيمينه أو بشماله.
تشخب أوداجه من قبل عرش الرحمن يلزم قاتله بشماله، وبيده الاخرى رأسه يقول يا رب سل هذا فيم قتلني؟ " وايم الذي نفس عبد الله بيده لقد أنزلت هذه الاية فما نسخها من آية حتى قبض نبيكم صلى الله عليه وسلم وما نزل بعدها من برهان.
وقد رواه
أحمد في مسنده.
ارجع إلى أقسام الجناية للاطلاع على جميع المسائل.