الإسلام > الجنايات والحدود > أقسام الجناية > إذا وجد رجلا مع امرأته فقتله
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 19 دقيقة قراءةالقصاصُ على الشاهدَينِ والحاكِمِ؛ لأنَّ الجَميعَ مُتسبِّبونَ، وإنْ صارَ الأمرُ إلى الدِّيةِ فهي عليهِم أثلاثًا.
ويَحتملُ أنْ يَتعلَّقَ الحُكمُ بالحاكمِ وحْدَه؛ لأنَّ تَسبُّبَه أخَصُّ مِنْ تسبُّبِهم؛ فإنَّ حُكمَه واسِطةٌ بينَ شَهادتِهم وقَتلِه، فأشبَهَ المباشِرَ مع المتسبِّبِ، ولو كانَ الوليُّ المُقِرُّ بالتعمُّدِ لم يُباشِرِ القتلَ وإنما وكَّلَ فيه نَظَرْت في الوكيلِ؛ فإنْ أقَرَّ بالعِلمِ وتعمَّدَ القتلَ ظُلمًا فهو القاتلُ وحْدَه؛ لأنه مباشِرٌ للقَتلِ عَمدًا ظُلمًا مِنْ غير إكراهٍ، فتَعلَّقَ الحُكمُ به، كما لو أمرَ بالقتلِ في غيرِ هذهِ الصُّورةِ، وإنْ لم يَعترفْ بذلكَ فالحكمُ مُتعلِّقٌ بالوليِّ كما لو باشَرَه، واللهُ أعلَمُ (١).
إذا وجَدَ رَجلاً مع امرَأتِه فقتَلَه:
الرَّجلُ إذا قتَلَ رَجلًا وادَّعَى أنه وجَدَه مع امرَأتِه وأنه قتَلَه دِفاعًا عن نَفسِه أو أنه دخَلَ مَنزلَه يُكابِرُه عن مالِه فلَم يَقدرْ على دَفعِه إلا بالقتلِ فهذا لا يَخلو مِنْ حالتَينِ:
الحالةُ الأُولى: أنْ لا يَأتيَ ببيِّنةٍ أو لا يَعترفَ أولياءُ المَقتولِ بهذا:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنه إذا لم يَأتِ ببيِّنةٍ ولم يَعترفْ أولياءُ المَقتولِ بهذا فإنَّه لا يُقبلُ قَولُه ويَجبُ عليهِ القصاصُ، قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وبه قالَ الشافِعيُّ وأبو ثَورٍ وابنُ المُنذرِ، ولا أعلَمُ فيه مُخالِفًا، وسواءٌ وُجدَ في دارِ القاتلِ أو في غيرِها، أو وُجدَ معه سِلاحٌ أو لم يُوجدْ؛ لِما
(١) «المغني» (٨/ ٢١٣، ٢١٤)، والمَصادِر السابقَة.
رواهُ مالكٌ عن يَحيى بنِ سَعيدٍ عن سعيدِ بنِ المُسيبِ «أنَّ رَجلًا مِنْ أهلِ الشامِ يُقالَ له ابن خَيبَريٍّ وجَدَ مع امرَأتِه رَجلًا فقتَلَه أو قتَلَهُما معًا، فأشكَلَ على مُعاويةَ بنِ أبي سُفيانَ القَضاءُ فيه، فكتَبَ إلى أبي مُوسَى الأشعَريِّ يَسألُ له عليَّ بنَ أبي طالبٍ عن ذلكَ، فسألَ أبو مُوسَى عن ذلكَ عليَّ بنَ أبي طالبٍ فقالَ له عَليٌّ: إنَّ هذا الشَّيءَ ما هو بأرضِي، عَزَمتُ عليكَ لَتُخبرنِي، فقالَ له أبو مُوسَى: كتَبَ إليَّ مُعاويةُ بنُ أبي سُفيانَ أنْ أسألَكَ عن ذلكَ، فقالَ عَليٌّ: أنا أبو حَسنٍ، إنْ لم يَأتِ بأربَعةِ شُهداءَ فلْيُعطَ برُمَّتِه» (١). ولأن الأصل عدم ما يدعيه فلا يثبت بمجرد الدعوى (٢).
قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: وعلى قَولِ عليٍّ رضي الله عنه جَماعةُ فُقهاءِ الأمصارِ وأهلِ الرأيِ والآثارِ (٣).
وقالَ المِرداويُّ رحمة الله عليه: لو قتَلَ رَجلًا في دارِه وادَّعَى أنه دخَلَ يُكابِرُه على أهلِه أو مالِه فقتَلَه دَفعًا عن نَفسِه وأنكَرَ وَليُّه وجَبَ القِصاصُ، والقَولُ قولُ المُنكِرِ، وهذا المَذهبُ وعليهِ الأصحابُ.
قالَ في «الفُرُوع»: ويَتوجَّهُ عَدمُه في مَعروفٍ بالفَسادِ، قلتُ: وهو الصَّوابُ، ويُعمَلُ بالقَرائنِ والأحوالِ (٤).
(١) صَحِيحٌ: رواه الإمام مالك في «الموطأ» (١٤١٦).
(٢) «المغني» (٨/ ٢١٦)، و «مطالب أولي النهى» (٦/ ٤٢)، و «منار السبيل» (٣/ ٢٣١، ٢٣٢).
(٣) «الاستذكار» (٧/ ١٥٧).
(٤) «الإنصاف» (٩/ ٤٧٦).
ويُستدلُّ على هذا أيضًا بما رُويَ عن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رضي الله عنه قالَ: «إنَّا لَيلةَ الجمُعةِ في المَسجدِ إذ جاء رَجلٌ مِنْ الأنصارِ فقالَ: لو أنَّ رَجلًا وجَدَ مع امرَأتِه رَجلًا فتَكلَّمَ جَلدتُمُوهُ، أو قتَلَ قَتلتُمُوهُ، وَإنْ سكَتَ سكَتَ على غَيظٍ، واللهِ لَأسألَنَّ عنهُ رَسولَ اللهِ ﷺ، فلمَّا كانَ مِنْ الغَدِ أتَى رَسولَ اللهِ ﷺ فسَألَهُ فقالَ: لو أنَّ رَجلًا وجَدَ مع امرَأتِه رَجلًا فتَكلَّمَ جَلدتُمُوهُ، أو قتَلَ قَتلتُمُوهُ، وَإنْ سكَتَ سكَتَ على غَيظٍ … » (١).
وقالَ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: وبهذا نَقولُ، فإذا وجَدَ الرَّجلُ مع امرَأتِه رَجلًا فادَّعَى أنه يَنالُ منها ما يُوجِبُ الحدَّ وهُمَا ثيِّبانِ معًا فقتَلَهُما أو أحَدَهما لم يُصدَّقْ، وكانَ عليهِ القَودُ أيَّهما قتَلَ، إلا أنْ يَشاءَ أولياؤُه أخْذَ الديَةِ أو العفوَ (٢).
وقالَ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: قالَ الشافِعيُّ: «ولو قتَلَ رَجلٌ رجلًا فقالَ: «وجَدْتُه على امرأتِي» فقدْ أقَرَّ بالقَودِ وادَّعَى، فإنْ لم يُقِمْ بيِّنةً قُتلَ، قالَ سَعدٌ: «يا رَسولَ اللهِ أرَأيتَ إنْ وُجَدتُ مع امرَأتي رَجلًا أُمهِلُه حتَّى آتِيَ بأرَبعةِ شُهداءَ؟ فقالَ عليه الصلاة والسلام: نعَمْ».
وقالَ عليُّ بنُ أبي طالبٍ رضي الله عنه: «إنْ لم يَأتِ بأربَعةِ شُهداءَ فلْيُعطَ برُمَّتِه».
قالَ الماوَرديُّ: أما إذا وجَدَ الرجلُ مع امرَأتِه رَجلًا يَزني بها أو مع بِنتِه أو أُختِه أو مع ابنِه يَلوطُ به فواجِبٌ عليهِ أنْ يَدفعَه عنه ويَمنعَه منه، ورُويَ
(١) أخرجه مسلم (١٤٩٥).
(٢) «الأم» (٦/ ٣٠).
عن النبيِّ ﷺ «أنه لعَنَ الرَّكانَة» وهو الذي لا يَغارُ على أهلِه، ورُويَ عنه ﷺ أنه قالَ: «إنَّ اللهَ تعالَى يَغارُ للمُسلمِ، فلْيغِرْ».
ولأنَّ منْعَه مِنْ الفاحِشةِ حقٌّ مِنْ حُقوقِ اللهِ تعالَى وحقُّ نَفسِه في أهلِه وحَقُّ امرَأتِه إنْ كانَتْ مُكرَهةً، فلَم يَسَعْه إضاعةُ هذهِ الحقوقِ بالكفِّ والإمساكِ، فأمَّا إنْ كانَ وجَدَه يَزني بأجنَبيةٍ ليسَتْ مِنْ أهلِه فعَليهِ أنْ يَمنعَه منها ويَكفَّه عنها، فإنْ كانَتْ مُكرَهةً تَفرَّدَ المنعُ به دونَها، وإنْ كانَتْ مُطاوِعةً توجَّهَ المنعُ إليهِما والإنكارُ عليهِما؛ لِما يَلزمُ مِنْ صِيانةِ مَحارمِ اللهِ تعالَى وحِفظِ حُقوقِه والكفِّ عن مَعاصيهِ، والفَرقُ بينَ أنْ يَرَى ذلكَ في أهلِه وبينَ أنْ يَراهُ في غيرِ أهلِه أنَّ فرْضَه في أهلِه مُتعيِّنٌ عليهِ، وفي غَيرِ أهلِه على الكِفايةِ.
فإذا تَقرَّرَ ما ذكَرْنا مِنْ وُجوبِ الدفعِ نُظِرَ حالُ الرجلِ الزاني؛ فإنْ لم يَكنْ قد أولَجَ فعَلى الزَّوجِ أنْ يَدفعَه بما قدَرَ عليهِ، ولا يَجوزُ أنْ يَنتهيَ إلى القَتلِ إلا أنْ لا يَقدرَ على دَفعِه بغيرِ القَتلِ، كما قُلنَا في دَفعِه عن طَلبِ النَّفسِ والمالِ، ويُنظَرْ؛ فإنْ لم يَكنْ قد وقَعَ عليها ففي الدَّفعِ أناةٌ، وإنْ وقَعَ عليهَا تَعجَّلَ الدَّفعُ وتغلَّظَ، وإنْ كانَ قد أولَجَ جازَ أنْ يَبدأَ في دَفعِه بالقَتلِ ولا يَترتَّبُ على ما قَدَّمْناه؛ لأنه في كلِّ لَحظةٍ تَمرُّ عليهِ مُواقِعًا له بالزِّنا لا يَستدرِكُ بالأناةِ، فجازَ لأجْلِها أنْ يُعجِّلَ القتلَ، رُويَ أنَّ رَجلًا قالَ لعَليِّ بنِ أبي طالبٍ عليه السلام: «إنني وَجَدتُ مع امرَأتِي رَجلًا فلَم أقتُلْه، فقالَ عليٌّ: أمَا إنه لو كانَ أبا عبدِ اللهِ لَقتَلَتُه»، يَعنِي الزُّبيرَ بنَ العوَّامِ، فدَلَّ ذلكَ مِنْ قَولِه على وُجوبِ قَتلِه، وفي هذا القَتلِ وَجهانِ مُحتملانِ:
أحَدُهما: أنه قَتلُ دَفعٍ، فعَلى هذا يَختصُّ بالرَّجلِ دونَ المَرأةِ، ويَستوِي فيه البِكرُ والثيِّبُ.
والوَجهُ الثاني: أنه قَتلُ حَدٍّ يَجوزُ أنْ يَنفردَ به دونَ السُّلطانِ؛ لأمرَينِ: أحَدُهما: لتَفرُّدِه بالمُشاهَدةِ التي لا تَتعدَّاهُ، والثاني: لاختِصاصِه فيه بحَقِّ نفسِه في إفسادِ فراشِه عليهِ في الزِّنا بزَوجتِه، فعَلى هذا يَجوزُ فيه بينَ الرَّجلِ والمَرأةِ إنْ كانَتْ مُطاوِعةً، إلا أنَّ المَرأةَ يُفرَّقُ فيها بينَ البِكرِ والثيِّبِ، فتُقتلُ إنْ كانَتْ ثَيبًا، وتُجلدُ إنْ كانَتْ بِكرًا، وأما الرَّجلُ ففيهِ وَجهانِ:
أحَدُهما: أنه يُفرَّقُ فيه بينَ البِكرِ والثيِّبِ؛ لأنه حَدُّ زنًا كالمَرأةِ.
والوَجهُ الثاني وهو أظهَرُ: أنه لا يُفرَّقُ فيه بينَ البِكرِ والثيِّبِ، ويُقتلُ في الحالَينِ؛ لأمرَينِ: أحَدُهما: أنَّ قتْلَه حَدًّا أغلَظُ مِنْ قَتلِه دَفعًا، ويَجوزُ لتَغليظِ حالِه أنْ يُقتلَ دَفعًا، فجازَ أنْ يُقتلَ حَدًّا.
والثاني: أنَّ السُّنةَ لم تُفرِّقْ في إباحتِه بينَ البِكرِ والثيِّبِ؛ لتَغليظِ حُكمِه في حَقِّ المُستَوفي.
فإذا ثبَتَ ما وَصَفْنا وادَّعَى القاتِلُ أنه قتَلَه لأنه وجَدَه على امرأتِه وأنكَرَ وَليُّه ذلكَ وادَّعَى قتْلَه لغَيرِ سَببٍ وجَبَ على القاتِلِ إقامةُ البيِّنةِ على ما ادَّعاهُ مِنْ وُجودِه على امرَأتِه، فإنْ أقامَها بَرئَ، وإنْ لم يُقِمْها أُحلفَ الوليُّ وأُقيدَ مِنْ القاتلِ؛ لأنه مُقِرٌّ بالقَتلِ ومُدَّعٍ سُقوطَ القَودِ، ورُويَ أنَّ سعدَ بنَ عُبادةَ قالَ: «يا رَسولَ اللهِ إنْ وَجَدتُ مع امرأتِي رَجلًا أقتُلُه أو لا حتَّى آتِيَ بأربَعةِ
شُهداءَ؟ قالَ: لا حتى تأتِيَ بأربَعةِ شُهداءَ، كفَى بالسَّيفِ شاهدًا»، يَعني شاهِدًا عَليكَ، ومعنَى هذا السؤالِ أنه سَألَ عن سُقوطِ القَودِ.
ورَوى سَعيدُ بنُ المُسيبِ أنَّ رَجلًا مِنْ أهلِ الشامِ يُقالَ له ابنُ خَيريٍّ وجَدَ مع امرَأتِه رَجلًا فقتَلَه وقتَلَها، فرُفعَ إلى مُعاويةَ فأشكلَ عليهِ، فكتَبَ إلى أبي مُوسَى الأشعَريٍّ ليَسألَ عليَّ بنَ أبي طالبٍ عليه السلام عن ذلكَ، فسَألَه فقالَ عليٌّ: ليسَ هذا بأرضِنَا، عَزَمتُ عليكَ لتُخبرنِي، فأخبَرَه فقالَ عليٌّ: يَرضُونَ بحُكمِنا ويَنقمونَ عَلينا! إنْ لم ما يَأتِ بأربَعةِ شُهداءَ فلْيُعطَ برُمَّتِه»، وفيهِ تَأويلانِ:
أحَدُهما: مَعناهُ: فلْيُضرَبْ على رُمَّتِه قَودًا.
والثاني: مَعناهُ: فلْتُبذَلْ رُمَّتُه للقَودِ استِسلامًا.
فإنْ قيلَ: فإنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ رضي الله عنه لم يُكلِّفْ في مِثلِ هذا البَينةَ وأهدَرَ الدَّمَ بشاهِدِ الحالِ فيما رُويَ «أنَّ رَجلًا خرَجَ في الجِهادِ وخَلفَ زوْجَتَه وأخاهُ، وكانَ له جارٌ يَهوديٌّ، فمَرَّ الأخُ ببابِ أخيهِ ذاتَ ليلةٍ فسَمعَ منها كَلامَ اليَهوديِّ وهو يُنشدُ:
وأشعَثَ غرَّهُ الإسلامُ مِنِّي … خَلَوتُ بعِرسِه ليلَ التَّمامِ
أبِيتُ على تَرائبِها وتُمسِي … على جَرداءَ لاحِقةِ الخِزامِ
كأنَ مَواضِعَ الرَّبَلاتِ منها … فِئامٌ يَنهضونَ إلى فِئامِ
فدخَلَ الدَّارَ فوجَدَه معَها فقتَلَه، فرُفعَ إلى عُمرَ فأهدَرَ دَمَه مِنْ غيرِ بيِّنةٍ».
فعَنهُ جَوابانِ: أحَدُهما: أنَّ اشتِهارَ الحالِ بالاستِفاضةِ أغنَى عن البيِّنةِ الخاصَّةِ.
والثاني: أنَّ إقامَةَ البيِّنةِ مَوقوفٌ على طَلبِ الوليِّ، فإذا لم يَطلبْ سقَطَ لُزومُها (١).
وقالَ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: وسُئلَ مالِكٌ عن تَفسيرِ حَديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ: «إنْ لم يَأتِ بأربَعةِ شُهداءَ فلُيْعطَ برُمَّتِه»، أي البِكرُ والثيِّبُ جَميعًا إذا أُتِيَ بأربَعةِ شُهداءَ خُلِّيَ سَبيلُه، قالَ: لا أدرِي ما هذا، لم أسمَعْ فيه شَيئًا، إنما أريدَ بهذا الحَديثِ مَوضعُ الشَّهادةِ الذي يدَّعي هذا الأمرَ للبَراءةِ له، قالَ ابنُ القاسِمِ: أرَى إذا قامَ أربَعةُ شُهداءَ في البِكرِ والثيِّبِ يَشهدونَ أنهُم رَأوهُ يَزني بها تُركَ، وهذا تَفسيرُ الحَديثِ.
قالَ مُحمدُ بنُ رُشدٍ: قَولُه في الحَديثِ: «فلْيُعطَ برُمَّتِه» مَعناهُ: فليُسلِّمْ بذاتِه للقَودِ منه بمَن قتَلَ منهُما، فنَصَّ رضي الله عنه على أنه يُقتلُ إنْ لم يَأتِ بأربَعةِ شُهداءَ، وسكَتَ عن الحُكمِ في ذلكَ إنْ أتَى بهم، فاقتَضَى دَليلُ قَولِه بحَملِه على عُمومِه ألَّا يُقتلَ إنْ أتَى بأربَعةِ شُهداءَ على مُعايَنةِ الزِّنا، كانَ المَقتولُ منهُما بِكرًا أو ثيِّبًا، وقد اختُلفَ في القَولِ بدَليلِ الخِطابِ، ولذلكَ توقَّفَ مالكٌ في ذلكَ فقالَ: لا أدرِي ما هذا، لم أسمَعْ فيه شَيئًا، ثم قالَ بعدَ ذلكَ: إنما أريدَ بهذا الحديثِ مَوضعُ الشَّهادةِ الذي يدَّعي هذا الأمرَ للبَراءةِ له، فرَأى بدَليلِ الخِطابِ ألا يُقتلَ إذا أتَى بأربعةِ شُهداءَ، ظاهِرُه في البِكرِ
(١) «الحاوي الكبير» (١٣/ ١٥٧، ١٥٩).
المجموع شرح المهذب · النووي · كتاب الجنايات
باب تحريم القتل
قال المصنف رحمه لله تعالى
باب تحريم القتل
ومن يجب عليه القصاص ومن لا يجب عليه القتل بغير حق حرام وهو من الكبائر العظام، والدليل عليه قوله عز وجل (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما) وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى الله عليه وسلم قال " لقتل مؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا " وروى ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " لَوْ أَنَّ أهل السموات والارض اشتركوا في قتل مؤمن لعذبهم الله عز وجل الا أن لا يشاء ذلك " (الشرح) قوله تعالى (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جنهم خالدا فيها)
الاية.
في صحيح البخاري عن أبن جبير قال، اختلف فيها أهل الكوفة فرحلت إلى ابن عباس فسألته عنها فقال نزلت هذه الآية (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم) هي آخر ما نزل وما نسخها شئ، وكذا رواه مسلم والنسائي من طرق عن شبعة به ورواه أبو داود عن أحمد بن حنبل بسنده عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ في الاية فقال ما نسخها شئ وقال ابن جرير بإسناده عن يحيى الجابري عن سالم بن أبى الجعد قال " كنا عند ابن عباس بعد ما كف بصره فأتاه رجل فناداه يا عبد الله ما ترى في رجل قتل مؤمنا متعمدا؟ فقال جزاؤه جهنم خالدا فيها الخ آخر الاية، قال أفرأيت إن تاب وعمل صالحا ثم اهتدى؟ قال ابن عباس " ثكلته أمه، وأنى له التوبة والهدى؟ والذي نفسي بيده لقد سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: ثكلته أمه قاتل مؤمن متعمدا جاء يوم القيامة أخذه بيمينه أو بشماله.
تشخب أوداجه من قبل عرش الرحمن يلزم قاتله بشماله، وبيده الاخرى رأسه يقول يا رب سل هذا فيم قتلني؟ " وايم الذي نفس عبد الله بيده لقد أنزلت هذه الاية فما نسخها من آية حتى قبض نبيكم صلى الله عليه وسلم وما نزل بعدها من برهان.
وقد رواه
أحمد في مسنده.
ارجع إلى أقسام الجناية للاطلاع على جميع المسائل.