الإسلام > الجنايات والحدود > أقسام الجناية > الإكراه على القتل
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 15 دقيقة قراءةوفي «الخانيَّة»: لا قِصاصَ عليهِ ولا دِيةَ؛ لأنه شَربَ باختيارِه، إلا أنَّ الدافعَ خدَعَه، فلا يَجبُ عليهِ إلا التَّعزيرُ والاستِغفارُ (١).
وكذا لو قالَ لآخَرَ: «كُلْ هذا الطَّعامَ فإنه طيِّبٌ» فأكَلَه فإذا هو مَسمومٌ فماتَ لم يَضمنْ (٢).
وهذا الخِلافُ السابقُ فيما لو قدَّمَ له السُمَّ وهو عالِمٌ أنه سُمٌّ، فإنْ لم يَعلمِ المُقدِّمُ فلا قِصاصَ عليهِ، وفيه الدِّيةُ؛ لأنه قَتلُ خَطأٍ.
وقالَ المالِكيةُ: مَنْ قدَّمَ لشَخصٍ طَعامًا أو شَرابًا أو لباسًا مَسمومًا فأكَلَه فماتَ فإنه يُقتصُّ منه إذا كانَ عالِمًا بذلكَ وإنْ لم يَعلمْ به الآكِلُ، فإنْ لم يَعلمْ مُقدِّمُه بأنه سُمٌّ أو مَسمومٌ أو عَلِمَ به الآكلُ فلا قِصاصَ ولا شَيءَ عليهِ؛ لأنَّ المُتناوِلَ إذا عَلِمَ فهو القاتلُ لنَفسِه، وإذا لم يَعلمِ المُقدِّمُ فهو مَعذورٌ (٣).
الإكراهُ على القَتلِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ مَنْ أُكرِهَ على قَتلِ غَيرِه أنه لا يَجوزُ له الإقدامُ على قَتلِه ولا انتِهاكُ حُرمتِه بجَلدٍ أو غَيرِه، ويَصبِرُ على البَلاءِ الذي نزَلَ به، ولا يَحلُّ له أنْ يَفديَ نفسَه بغَيرِه ولا يسَعُه الإقدامُ عليهِ؛ لأنَّ ذلكَ مِنْ حُقوقِ
(١) «البحر الرائق» (٨/ ٣٣٥، ٣٣٦)، و «مجمع الضمانات» ص (٣٩٣).
(٢) «الفتاوى الهندية» (٦/ ٦).
(٣) «التاج والإكليل» (٥/ ٢٢٤)، و «شرح مختصر خليل» (٨/ ٩)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ١٨٨)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٢٢٩، ٢٣٠)، و «الشرح الصغير مع حاشية الصاوي» (١٠/ ٤٧).
النَّاسِ، وهُمَا مُتساوِيانِ في الحُقوقِ، فلا يَجوزُ إحياءُ نفسِه بقَتلِ غَيرِه بغيرِ استِحقاقٍ؛ لأنه ليسَ حِفظُ نفسِه بقَتلِ ذلكَ المَعصومِ أَولى مِنْ العَكسِ، فليسَ له أنْ يَظلمَ غيرَه فيَقتلُه لِئلَّا يُقتلَ هو؛ لِما فيه مِنْ طاعةِ المَخلوقِ في مَعصيةِ الخالقِ وإيثارِ رُوحِه على رُوحِ مَنْ هو مِثلُه في الحُرمةِ، وذلكَ لا يَجوزُ.
قالَ الإمامُ القُرطبيُّ رحمة الله عليه: أجمَعَ العُلماءُ على أنَّ مَنْ أُكرِهَ على قَتلِ غيرِه أنه لا يَجوزُ له الإقدامُ على قَتلِه ولا انتِهاكُ حُرمتِه بجَلدٍ أو غَيرِه، ويَصبِرُ على البَلاءِ الذي نزَلَ به، ولا يَحلُّ له أنْ يَفديَ نفسَه بغيرِه، ويَسألُ اللهَ العافيةَ في الدُّنيا والآخِرةِ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ رَجبٍ الحَنبليُّ رحمة الله عليه: واتَّفقَ العُلماءُ على أنه لو أُكرهَ على قَتلِ مَعصومٍ لم يَصحَّ له أنْ يَقتلَه، فإنه إنَّما يَقتلُه باختِيارِه افتِداءً لنَفسِه مِنْ القَتلِ، هذا إجماعٌ مِنْ العُلماءِ المُعتدِّ بهم (٢).
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا فيما لو أُكرهَ شَخصٌ إكراهًا تامًّا على قَتلِ إنسانٍ، هل يُقتصُّ مِنْ المُكرِهِ؟ أم مِنْ المُكرَهِ؟ أم منهُما جَميعًا؟ أم لا قِصاصَ على واحِدٍ منهُما؟
فذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ ومُحمدٌ والشافِعيةُ في قَولٍ -قالَ النَّوويُّ في «الرَّوضَة»: وهو الصَّحيحُ المَنصوصُ- ورِوايةٌ للحَنابلةِ إلى أنه لا قِصاصَ
(١) «تفسير القرطبي» (١٠/ ١٨٣)، ويُنظَر: «أحكام القرآن» (٥/ ١٦)، و «المبسوط» (٢٤/ ٤٥).
(٢) «جامع العلوم والحكم» ص (٣٧٦).
على المُستكرَهِ، وإنما يُقتصُّ مِنْ المُكرِهِ دونَ المُباشرِ، ويُعزَّرُ المُستكرَهُ فقط؛ لقَولِه عليه الصلاة والسلام: «إنَّ اللهَ وضَعَ عن أمِّتي الخَطأُ والنِّسيانُ وما استُكرِهوا عَليهِ» (١).
ولأنَّ المُستكرَهَ مُجرَّدُ آلةٍ للمُكرِهِ؛ إذ القاتِلُ في المَعنَى هو المُكرِهِ، وإنَّما المَوجودُ مِنْ المُستكرَهِ صُورةُ القَتلِ، فأشبَهَ المُستكرَهُ الآلةَ، ولا قِصاصَ على الآلةِ، ولأنه قتَلَه لاستبقاءِ نَفسِه، فلَم يَجبْ عليهِ القَودُ، كما لو قصَدَ رجلٌ نفسَه، فلَم يُمكنْه دَفعُه إلا بقَتلِه.
ولأنه مَحمولٌ على القَتلِ بطَبعِه إيثارًا لحَياتِه، فيَصيرُ آلةً للمُكرِهِ فيما يَصلحُ أنْ يَكونَ آلةً له، وهو الإتلافُ دونَ الإثمِ؛ وهذا لأنَّ الآلةَ هي التي تَعملُ بطَبعِها، كالسَّيفِ فإنَّ طبْعَه القَطعُ عندَ الاستِعمالِ في مَحلِّه، وكالنارِ فإنَّ طبْعَها الإحراقُ، وكالماءِ فإنَّ طبْعَه الإغراقُ، وباستِعمالِ الآلةِ يَجبُ القِصاصُ على المُستعمِلِ، فكذا هنا، والدَّليلُ على أنَّ الآمِرَ هو المُستعمِلُ له والمَأمورُ جارٍ على مُوجِبِ طَبعِه أنَّ ضَمانَ المالِ المُتلَفِ يَجبُ على الآمرِ، ولولا أنه هو المُتلِفُ بالاستِعمالِ لَمَا وجَبَ عليهِ، فعُلِمَ بهذا أنَّ الإتلافَ مَنسوبٌ إلى الآمرِ، وأنَّ المأمورَ آلةٌ له؛ إذْ لا وجْهَ لنِسبتِه إليهِ إلا بهذا الطَّريقِ، فكأنَّ الآمرَ مُباشِرٌ للإتلافِ لا مُتسبِّبٌ له؛ لأنه لو كانَ مُتسبِّبًا لَمَا وجَبَ عليه الضَّمانُ، وإنما كانَ يَجبُ على المأمورِ؛ لأنَّ المُباشِرَ والمُتسبِّبَ إذا اجتمَعَا على الإتلافِ كانَ الضَّمانُ على المُباشِرِ دونَ
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: تَقدَّم.
المُتسبِّبِ؛ وهذا لأنه يُمكِنُ أنْ يُجعلَ آلةً له في إتلافِ المالِ بالإجماعِ، بأنْ يَأخذَه ويُلقيَه في مالِ إنسانٍ، فكذا في النَّفسِ في حَقِّ الإتلافِ يَصلحُ أنْ يَكونَ آلةً له بهذا الطَّريقِ، بخِلافِ الإثمِ؛ فإنه لا يَصلحُ أنْ يَكونَ آلةً له في حقِّه؛ لأنَّ الإثمَ بالجِنايةِ على دِينِه، ولا يَقدرُ أحَدٌ أنْ يَجنِيَ على دِينِ غيرِه، فبَقيَ بالفِعلِ مَقصورًا في حَقِّه.
وذهَبَ زُفرُ مِنْ الحَنفيةِ والإمامُ أحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنه يَجبُ القِصاصُ على المُكرَهِ دونَ المُكرِهِ؛ لأنَّ القِصاصَ يَجبُ على القاتلِ، والقاتلُ هو المُكرَهُ حَقيقةً؛ لأنه هو المُباشِرُ، وكذا حُكمًا لأنه يَأثمُ به؛ وهذا لأنَّ القَتلَ فِعلٌ حسِّيٌّ، وقد تَحقَّقَ مِنْ المُكرَهِ، والأصلُ في الأفعالِ أنْ يُؤاخَذَ بها فاعلُها، إلا إذا سقَطَ حُكمُ فِعلِه شَرعًا وأُضيفَ إلى غَيرِه كما في الإكرَاهِ على إتلافِ مالِ الغَيرِ، فإنه سقَطَ حُكمُه وهو الإثمُ عن الفاعلِ وأُضيفَ إلى غَيرِه، وهُنا لم يَسقطْ حُكمُ فِعلِه، بل قُرِّرَ حُكمُ فِعلِه؛ بدَليلِ أنه يَأثمُ إِثمَ القتلِ، وإِثمُ القَتلِ يَكونُ على القاتلِ، وأما المُكرِهُ فهو مُتسبِّبٌ، ولا قِصاصَ بالتسبُّبِ.
وذهَبَ أبو يُوسفَ -وتُحكَى رِوايةً عندَ الحَنابلةِ- إلى أنه لا يُقتَصُّ مِنْ المُستكرِهِ ولا مِنْ المُكرَهِ؛ لأنَّ المُستكرِهَ ليسَ بقاتلٍ حَقيقةً، وإنما هو مُسبِّبٌ للقَتلِ، وإنما القاتِلُ هو المُستكرَهُ، ولمَّا لم يَجبِ القِصاصُ على المُستكرَهِ فلَأنْ لا يَجبَ على المُكرِهِ أَولى، وإنما الواجِبُ عليهِ فَقطْ هو الديَةُ، ولا يَرجعُ على المُستكرَهِ بشَيءٍ (١).
(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ١٧٩، ١٨٠)، و «تبيين الحقائق» (٥/ ١٨٦، ١٨٧)، و «حاشية ابن عابدين» (٦/ ١٢٩، ١٣٠)، و «البحر الرائق» (٨/ ٨٤)، والهداية شرح البداية» (٣/ ٢٧٨)، و «مجمع الضمانات» (٤٥٧)، و «الحاوي الكبير» (١٤/ ١٨٩)، و «المهذب» (٢/ ١٧٧)، و «البيان» (١١/ ٣٥٠، ٣٥٣)، و «روضة الطالبين» (٦/ ١٣٧)، و «النجم الوهاج» (٨/ ٣٤١، ٣٤٢)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٢٢٢، ٢٢٣).
وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في الأظهَرِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه يُقتَصُّ مِنْ المُكرِهِ والمُستكرَهِ؛ لأنَّ القِصاصَ شُرعَ لحِكمةِ الزَّجرِ والرَّدعِ، والقَتلُ بالإكراهِ مِنْ المُتغلِّبةِ غالبٌ، فلو لم يَجبِ القِصاصُ لَأدَّى إلى الفَسادِ، فيُوجَبُ على الكلِّ حَسمًا لمادَّتِه.
أما وُجوبُه على المُستكرَهِ فلِأنَّه وُجدَ منه القَتلُ حَقيقةً ظُلمًا لاستِبقاءِ نَفسِه، فأشبَهَ ما لو قتَلَه في المَخمصةِ ليَأكلَه، ولأنه يُمكِنُه الامتناعُ، ولذلكَ أَثِمَ بقَتلِه وحَرُمَ عليهِ بالإجماعِ.
ولأنه قتَلَ شَخصًا مُكافئًا له ظُلمًا بغَيرِ حَقٍّ، فأشبَهَ المُبتدئَ بالقَتلِ، ولأنَّ التلَفَ بضَرورةِ الجُوعِ مُتحقِّقٌ، وبالإكراهِ مَظنونٌ، ثمَّ في أشَدِّ الضَّرورتينِ يَجبُ القَودُ، ففي أضعَفِهما أَولى.
وأما وُجوبُه على المُكرِهِ الآمرِ فلِأنَّه مُتسبِّبٌ في القَتلِ، والمُتسبِّبُ كالمُباشرِ كما ثبَتَ شَرعًا، كما لو شَهدَ شاهِدانِ على رَجلٍ بالقَتلِ فقتَلَه الحاكِمُ فالحُكمُ يَتعلَّقُ بهمَا.
وإنْ صارَ الأمرُ إلى الديَةِ فهيَ عليهِما جَميعًا عندَ الشافِعيةِ والحَنابلةِ؛ لأنهُما شَريكانِ يَجبُ القِصاصُ عليهِما جَميعًا، فوجَبَتِ الدِّيةُ عليهِما
كالشَّريكينِ بالفِعلِ، فعَلى هذا إنْ أحَبَّ الوليُّ قتْلَ أحَدِهما وأخْذَ نِصفِ الدِّيةِ مِنْ الآخَرِ أو العَفوَ عنه فلهُ ذلكَ كما نَصَّ على ذلكَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ.
وقالَ الشافِعيةُ: وإنْ قُلنا: لا يَجبُ على المَأمورِ المُكرَهِ القَودُ .. فعليهِ نِصفُ الدِّيةِ؛ لأنه قد باشَرَ القَتلَ، ويَجبُ على كلِّ واحِدٍ منهُما الكفَّارةُ على القَولينِ مَعًا، هذا نَقلُ البَغداديينِ.
وقالَ الخُراسانيُّونَ: إذا قُلنَا: «لا يَجبُ على المَأمورِ القَودُ» .. فهلْ يَجبُ عليهِ نِصفُ الديَةِ؟ فيه وَجهانِ.
وقالَ أبو حَنيفةَ ومُحمدٌ: لا دِيةَ على المُكرَهِ؛ لأنه آلةٌ.
وهذا الخِلافُ فيما لو كانَ الإكراهُ تامًّا، وأمَّا إنْ كانَ الإكراهُ ناقِصًا فيَجبُ القِصاصُ على المُستكرَهِ بلا خِلافٍ؛ لأنَّ الإكراهَ الناقِصَ لا يَسلبُ الاختيارَ أصلًا، فلا يَمنعُ وُجوبَ القِصاصِ (١).
(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ١٧٩، ١٨٠)، و «الهداية شرح البداية» (٣/ ٢٧٨)، و «تبيين الحقائق» (٥/ ١٨٦، ١٨٧)، و «الجوهرة النيرة» (٦/ ٢٤٥، ٢٤٧)، و «حاشية ابن عابدين» (٦/ ١٢٩، ١٣٠)، و «البحر الرائق» (٨/ ٨٤، ٨٥)، و «مجمع الضمانات» (٤٥٧)، و «الفتاوى الهندية» (٥/ ٤٩، ٥٠)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٤/ ٩٢، ٩٣)، رقم (١٤٣٦)، و «التاج والإكليل» (٥/ ٢٢٥)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ١٩٠)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٢٣٢)، و «الحاوي الكبير» (١٤/ ١٨٩)، و «المهذب» (٢/ ١٧٧)، و «البيان» (١١/ ٣٥٠، ٣٥٣)، و «روضة الطالبين» (٦/ ١٣٧)، و «النجم الوهاج» (٨/ ٣٤١، ٣٤٢)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٢٢٢، ٢٢٣)، و «المغني» (٨/ ٢١٣)، و «الكافي» (٤/ ١٧)، و «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٨/ ٥٠٣)، و (٢٨/ ٥٤٠)، و «جامع العلوم والحكم» (٣٧٦)، و «الإنصاف» (٩/ ٤٥٣).
ارجع إلى أقسام الجناية للاطلاع على جميع المسائل.