الإسلام > الجنايات والحدود > أقسام الجناية > الحالة الثانية: أن يأتي ببينة أو يعترف أولياء المقتول
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 16 دقيقة قراءةوالثيِّبِ مثلَ قولِ ابنِ القاسِمِ، وقد اختُلفَ في ذلكَ إذا كانَ المَقتولُ منهُما بكرًا على أربَعةِ أقوالٍ:
أحَدُها: أنه لا يُقتلُ ويَكونُ دَمُه هَدرًا، وهو قَولُ المُغيرةِ وعبدِ الرَّحمنِ، وظاهرُ قولِ ابنِ القاسمِ ورِوايتُه عن مالكٍ في هَذهِ الروايةِ، وقالَ ابنُ عبدِ الحَكمِ: إذا عُلِمَ التشكِّي منه به قبلَ ذلكَ.
والثاني: أنه لا يُقتلُ به وتَكونُ الديَةُ فيه على عاقِلتِه، وهو قولُ ابنِ القاسِمِ في كِتابِ ابنِ الموَّازِ وفي المَدنيةِ وفي تَفسيرِ ابنِ مزينَ مِنْ روايةِ أصبَغَ عنه.
والثالِثُ: أنه لا يُقتلُ وتكونُ الديَةُ عليهِ في مالِهِ، وهو قَولُ أصبَغَ مِنْ رِوايتِه في تَفسيرِ ابنِ مزينَ.
والرابعُ: أنه يُقتلُ به، وهو قَولُ ابنِ الماجشُونَ.
فوجهُ القَولِ الأولِ أنَّ مَنْ أصابَه مثلُ هذا يُدركُه مِنْ الغَضبِ ما يَفقدُ معَه عقْلَه، فيَكونُ حُكمُه في ذلكَ حُكمَ المَجنونِ الذي لا يَعقلُ، وقد قيلَ فيه: إنَّ جِنايتَه في المالِ والدَّمِ هَدرٌ … (١).
الحالةُ الثانيةُ: أنْ يَأتيَ ببَينةٍ أو يَعترفَ أولياءُ المَقتولِ:
نَصَّ الحَنابلةُ على أنه إذا قتَلَه وأتَى ببيِّنةٍ أنه كانَ مع زَوجتِه أو قتَلَه دِفاعًا عن نَفسِه أو اعتَرفَ الوليُّ بذلكَ فإنه لا قِصاصَ عليهِ ولا ديَةَ؛ لِما رُويَ عن عُمرَ رضي الله عنه «أنه كانَ يَومًا يَتغدَّى إذْ جاءَه رَجلٌ يَعدُو وفي يَدِه
(١) «البيان والتحصيل» (١٦/ ٢٧٢، ٢٧٣).
سَيفٌ مُلطخٌ بالدمِ ووَراءَه قَومٌ يَعدُونَ خَلفَه، فجاءَ حتى جلَسَ مع عُمرَ، فجاءَ الآخَرونَ فقالُوا: يا أميرَ المُؤمنينَ إنَّ هذا قتَلَ صاحِبَنا، فقالَ له عُمرُ: ما يَقولونَ؟ فقالَ يا أميرَ المُؤمنينَ إني ضَرَبتُ فَخِذَي امرَأتِي، فإنْ كانَ بينَهُما أحَدٌ فقدْ قتَلتُه، فقالَ عُمرُ: ما يقول؟ قالُوا: يا أميرَ المُؤمنينَ إنه ضرَبَ بالسَّيفِ فوقَعَ في وَسطِ فَخِذَي المَرأةِ، فأخَذَ عُمرُ سَيفَه فهَزَّه ثم دفَعَه إليه وقالَ: إنْ عادُوا فعُدْ» (١)، ورُويَ عن الزُّبيرِ «أنه كانَ يومًا قد تَخلَّفَ عن الجَيشِ ومعَه جارِيةٌ له، فأتاهُ رَجلانِ فقالَا: أعِطَنا شَيئًا، فألقَى إليهِما طَعامًا كانَ معَه، فقالَا: خَلِّ عنِ الجارِيةِ، فضرَبَهُما بسَيفِه فقطَعَهُما بضَربةٍ واحِدةٍ»، ولأنَّ الخَصمَ اعتَرفَ بما يُبيحُ قتْلَه، فسقَطَ حَقُّه كما لو أقَرَّ بقَتلِه قِصاصًا أو في حَدٍّ يُوجِبُ قتْلَه، وإنْ ثبَتَ ذلكَ ببيِّنةٍ فكذلكَ (٢).
وقالَ الإمامُ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: ولو أقَرَّ أولياءُ المَقتولِ منهُما أنه كانَ معَها في الثَّوبِ وتَحرَّكَ تَحرُّكَ المُجامِعِ وأنزَلَ ولم يَقِرُّوا بما يُوجِبُ الحدَّ لم يَسقطْ عنه القَودُ، ولو أقَرُّوا بما يُوجِبُ الحدَّ وكانَ المَقتولُ بكرًا بدَعوَى أوليائِه إخوَتِه أو ابنِه فادَّعى القاتِلُ أنه ثيِّبٌ فالقَولُ قَولُ أوليائِه، وعلى القاتِلِ القَودُ؛ لأنه ليسَ على البِكرِ قَتلٌ في الزِّنى، فإنْ جاءَ ببيِّنةٍ أنه كانَ ثَيبًا سقَطَ عنه العَقلُ والقَودُ.
(١) رواه سعيد في «سُنَنِه» عن هشيمٍ عن مُغيرةَ عن إبراهيمَ عن عُمرَ مُرسَلًا.
ذكَرَ إسنادَ سَعيدٍ المُوفَّقُ في «المُغنِي» (٨/ ٣٣٢).
(٢) «المغني» (٨/ ٢١٦)، و «منار السبيل» (٣/ ٢٣١، ٢٣٢).
ويَسعُه فيما بينَه وبينَ اللهِ ﷿ قَتلُ الرَّجلِ وامرَأتِه إذا كانَا ثيِّبينِ وعَلِمَ أنه قد نالَ منها ما يُوجِبُ القَتلَ، ولا يُصدَّقُ بقَولِه فيما يُسقطُ عنه القَودُ، وهكذا لو وَجَده يَتلوَّطُ بابنِه أو يَزنِي بجارِيتِه لا يَختلفُ ولا يَسقطُ عنه القَودُ والعَقلُ والقَودُ في القَتلِ، إلا بأنْ يَفعلَ ما يُحِلُّ دَمَه، ولا يَحِلُّ دَمُه وأنْ يُعمدَ قَتلُه إلا بكُفرٍ بعدَ إيمانٍ أو زِنًا بعدَ إحصانٍ أو قَتلِ نَفسٍ بغيرِ نَفسٍ.
ولو أنَّ رَجلًا وجَدَ مع امرَأتِه رَجلًا يَنالُ منها ما يُحَدُّ به الزاني فقتَلَهُما والرَّجلُ ثَيبٌ والمَرأةُ غيرُ ثَيبٍ فلا شَيءَ في الرَّجلِ وعليهِ القَودُ في المَرأةِ، ولو كانَ الرَّجلُ غيرَ ثَيبٍ والمَرأةُ ثَيبًا كانَ عليهِ في الرَّجلِ القَودُ ولا شَيءَ عليهِ في المَرأةِ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ رحمة الله عليه: وقَولُه في الحَديثِ: «لو أنَّ رَجلًا وجَدَ معَ امرَأتِه رَجلًا يَقتلُه فتَقتلونَه به؟» دَليلٌ على أنَّ مَنْ قتَلَ رَجلًا في دارِه وادَّعَى أنه وجَدَه معَ امرَأتِه أو حَريمِه قُتلَ فيه، ولا يُقبَلُ قَولُه؛ إذ لو قُبلَ قَولُه لَأُهدِرَت الدماءُ وكانَ كلُّ مَنْ أرادَ قتْلَ رَجلٍ أدخَلَه دارَه وادَّعَى أنه وجَدَه مع امرَأتِه.
ولكنْ هاهُنا مَسألتانِ يَجبُ التَّفريقُ بينَهُما:
إحداهُما: هل يَسعُه فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالَى أنْ يَقتلَه أم لا؟
والثانيةُ: هل يُقبلُ قَولُه في ظاهرِ الحُكمِ أم لا؟
(١) «الأم» (٦/ ٣٠).
وبهذا التَّفريقِ يَزولُ الإشكالُ فيما نُقلَ عن الصَّحابةِ رضي الله عنهم في ذلكَ، حتى جعَلَها بعضُ العُلماءِ مَسألةَ نِزاعٍ بينَ الصَّحابةِ وقالَ: «مَذهبُ عُمرَ رضي الله عنه أنه لا يُقتلُ به، ومَذهبُ عَليٍّ أنه يُقتلُ بهِ»، والذي غَرَّه ما رَواهُ سَعيدُ ابنُ مَنصورٍ في سُننِه «أنَّ عُمرَ بنَ الخَطابِ رضي الله عنه بينَا هو يَومًا يَتغدَّى إذ جاءَه رَجلٌ يَعدُو وفي يَدِه سَيفٌ مُلطخٌ بدَمٍ ووَراءَه قَومٌ يَعدُونَ، فجاءَ حتَّى جلَسَ مع عُمرَ، فجاءَ الآخَرونَ فقالُوا: يا أميرَ المُؤمنينَ إنَّ هذا قتَلَ صاحِبَنا، فقالَ له عُمرُ رضي الله عنه: ما تَقولُ؟ فقالَ له: يا أميرَ المُؤمنينَ إني ضَرَبتُ بينَ فَخِذَي امرَأتِي، فإنْ كانَ بينَهُما أحَدٌ فقدْ قَتلتُه، فقالَ عُمرُ: ما تَقولونَ؟ فقالُوا: يا أميرَ المُؤمنينَ إنه ضرَبَ السيفَ فوقَعَ في وَسطِ الرَّجلِ وفَخِذَي المَرأةِ، فأخَذَ عُمرُ رضي الله عنه سَيفَه فهَزَّه ثم دفَعَه إليهِ وقالَ: إنْ عادُوا فعُدْ»، فهذا ما نُقلَ عن عُمرَ رضي الله عنه.
وأمَّا عليٌّ فسُئلَ عمَّن وجَدَ مع امرَأتِه رَجلًا فقتَلَه فقالَ: «إنْ لم يَأتِ بأربَعةِ شُهداءَ فلْيُعطَ برُمَّتِه»، فظَنَّ أنَّ هذا خِلافُ المَنقولِ عن عُمرَ، فجعَلَها مَسألةَ خِلافٍ بينَ الصَّحابةِ، وأنتَ إذا تأمَّلتَ حُكمَيهِما لم تَجدْ بينَهُما اختِلافًا؛ فإنَّ عُمرَ إنما أسقَطَ عنه القوَدَ لمَّا اعتَرفَ الوليُّ بأنه كانَ مع امرَأتِه، وقد قالَ أصحابُنا واللَّفظُ لصاحِبِ «المُغنِي»: «فإنِ اعتَرفَ الوليُّ بذلكَ فلا قِصاصَ ولا دِيةَ؛ لِما رُويَ عن عُمرَ» ثم ساقَ القِصةَ، وكَلامُه يُعطِي أنه لا فرْقَ بينَ أنْ يَكونَ مُحصنًا وغيرَ مُحصنٍ، وكذلكَ حكَمَ عُمرُ في هذا القَتيلِ، وقَولُه أيضًا: «فإنْ عادُوا فعُدْ» ولم يُفرِّقْ بينَ المُحصَنِ وغيرِه، وهذا هو
الصَّوابُ، وإنْ كانَ صاحِبُ «المُستَوعب» قد قالَ: وإنْ وجَدَ مع امرَأتِه رَجلًا يَنالُ منها ما يُوجِبُ الرَّجمَ فقتَلَه وادَّعَى أنه قتَلَه لأجْلِ ذلكَ فعَليهِ القِصاصُ في ظاهرِ الحُكمِ، إلا أنْ يَأتِيَ ببيِّنةٍ بدَعواهُ فلا يَلزمُه القِصاصُ، قالَ: وفي عَددِ البيِّنةِ رِوايتانِ: إحداهُما: شاهِدانِ، اختارَها أبو بَكرٍ؛ لأنَّ البيِّنةَ على الوُجودِ لا على الزِّنى، والأخرى: لا يُقبَلُ أقلُّ مِنْ أربعةٍ، والصَّحيحُ أنَّ البيِّنةَ متَى قامَتْ بذلكَ أو أقَرَّ به الوليُّ سقَطَ القِصاصُ، مُحصنًا كانَ أو غيرَه، وعليهِ يَدلُّ كَلامُ عليٍّ؛ فإنه قالَ «فيمَن وجَدَ مع امرَأتِه رَجلًا فقتَلَه: إنْ لم يَأتِ بأربَعةِ شُهداءَ فلْيُعطَ برُمتِه»؛ وهذا لأنَّ هذا القتلَ ليسَ بحَدِّ الزِّنى، ولو كانَ حدًّا لَمَا كانَ بالسَّيفِ ولَاعتُبِرَ له شُروطُ إقامةِ الحدِّ وكَيفيتُه، وإنما هو عُقوبةٌ لمَن تَعدَّى عليهِ وهتَكَ حَريمَه وأفسَدَ أهلَه، وكذلكَ فعَلَ الزبيرُ رضي الله عنه «لمَّا تَخلَّفَ عن الجَيشِ ومعَه جاريةٌ له، فأتاهُ رَجلانِ فقالَا: أعطِنا شَيئًا، فأعطاهُما طَعامًا كانَ معه، فقالَا: خَلِّ عن الجارِيةِ، فضَربَهُما بسَيفِه فقطَعَهما بضَربةٍ واحدةٍ» …
وعلى هذا فيَجوزُ له فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالَى قَتلُ مَنْ اعتَدى على حَريمِه، سَواءٌ كانَ مُحصنًا أو غيرَ مُحصنٍ، مَعروفًا بذلكَ أو غيرَ مَعروفٍ، كما دَلَّ عليهِ كَلامُ الأصحابِ وفَتاوَى الصَّحابةِ، وقد قالَ الشافِعيُّ وأبو ثَورٍ: يَسعُه قَتلُه فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالَى إذا كانَ الزاني مُحصنًا، جَعَلاهُ مِنْ بابِ الحُدودِ.
وقالَ أحمَدُ وإسحاقُ: يُهدَرُ دَمُه إذا جاءَ بشاهدَينِ، ولم يُفصِلَا بينَ المُحصنِ وغيرِه.
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب القصاص
القسم الثاني النظر في الواجب في القصاص
وَالْجُمْهُورُ إِنَّمَا عَلَّلُوا دَرْءَ الْحَدِّ عَنِ الْأَبِ لِمَكَانِ حَقِّهِ عَلَى الِابْنِ، وَالَّذِي يَجِيءُ عَلَى أُصُولِ أَهْلِ الظَّاهِرِ أَنْ يُقَادَ، فَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ فِي الْمُوجِبِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي النَّظَرُ فِي الْوَاجِبِ فِي الْقِصَاصِ
وَأَمَّا الْقَوْلُ فِي الْوَاجِبِ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ لِوَلِيِّ الدَّمِ أَحَدَ شَيْئَيْنِ: الْقِصَاصُ، أَوِ الْعَفْوُ إِمَّا عَلَى الدِّيَةِ وَإِمَّا عَلَى غَيْرِ الدِّيَةِ.
وَاخْتَلَفُوا هَلِ الِانْتِقَالُ مِنَ الْقِصَاصِ إِلَى الْعَفْوِ عَلَى أَخْذِ الدِّيَةِ هُوَ حَقٌّ وَاجِبٌ لِوَلِيِّ الدَّمِ دُونَ أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ خِيَارٌ لِلْمُقْتَصِّ مِنْهُ، أَمْ لَا تَثْبُتُ الدِّيَةُ إِلَّا بِتَرَاضِي الْفَرِيقَيْنِ (أَعْنِي: الْوَلِيَّ وَالْقَاتِلَ) ، وَأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُرِدِ الْمُقْتَصُّ مِنْهُ أَنْ يُؤَدِّيَ الدِّيَةَ لَمْ يَكُنْ لِوَلِيِّ الدَّمِ إِلَّا الْقِصَاصُ مُطْلَقًا أَوِ الْعَفْوُ.
فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَجِبُ لِلْوَلِيِّ إِلَّا أَنْ يَقْتَصَّ أَوْ يَعْفُوَ عَنْ غَيْرِ دِيَةٍ إِلَّا أَنْ يَرْضَى بِإِعْطَاءِ الدِّيَةِ لِلْقَاتِلِ، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْهُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَجَمَاعَةٌ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَدَاوُدُ وَأَكْثَرُ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ: وَلِيُّ الدَّمِ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ اقْتَصَّ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الدِّيَةَ، رَضِيَ الْقَاتِلُ أَوْ لَمْ يَرْضَ، وَرَوَى ذَلِكَ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ، إِلَّا أَنَّ الْمَشْهُورَ عَنْهُ هِيَ الرِّوَايَةُ الْأُولَى.
ارجع إلى أقسام الجناية للاطلاع على جميع المسائل.