الإسلام > الجنايات والحدود > أقسام الجناية > الحالة الثانية: أن يقدم له السم ولا يكرهه على تناوله
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 12 دقيقة قراءةﷺ أَهدَتْ له يَهودِيةٌ بخَيبَرَ شاةً مَصليَّةً، قالَ: فماتَ بِشرُ بنُ البَراءِ بنِ مَعرورٍ الأنصاريُّ، فأرسَلَ إلى اليَهوديةِ … فأمَرَ بها رَسولُ اللهِ ﷺ فقُتلَتْ» (١)، ولأنَّ هذا يَقتلُ غالبًا ويُتخذُ طَريقًا إلى القَتلِ كَثيرًا، فأوجَبَ القِصاصَ كما لو أكرَهَه على شُربِه.
وقالَ الشافِعيةُ: إنْ كانَ الطَّعامُ أو الشَّرابُ قد كسَرَ حِدةَ السُّمِّ فصارَ لا يَقتلُ غالبًا لم يَجبْ عليهِ القَودُ، وإنْ لم يَكسرْ حِدَّتَه فهو كما لو سَقاهُ السُّمَّ مُنفردًا فعَليهِ القودُ.
وقالَ الحَنفيةُ: ولو أطعَمَ غيرَه سُمًّا فماتَ فإنْ كانَ تَناولَ بنَفسِه فلا ضَمانَ على الذي أطعَمَه؛ لأنه أكَلَه باختِيارِه، لكنَّه يُعزَّرُ ويُضرَبُ ويُؤدَّبُ؛ لأنه ارتَكبَ جِنايةً ليسَ لها حَدٌّ مُقدَّرٌ، وهي الغُرورُ.
فإنْ أوجَرَه السُمَّ فعَليهِ الدِّيةُ (٢).
الحالةُ الثانيةُ: أنْ يُقدِّمَ له السُّمَّ ولا يُكرِهَه على تَناولِه:
إذا قدَّمَ له السمَّ ولم يُكرِهْه على ذلكَ وإنما ناوَلَه إياهُ فشَربَه وهو عالِمٌ به فلا ضَمانَ على الدافعِ؛ لأنه قتَلَ نفسَه باختِيارِه أو بتَفريطِه كما نَصَّ على ذلكَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ.
وإنْ خلَطَه بطَعامٍ أو شَرابٍ وقدَّمَه إليه فأكَلَه أو أهداهُ إليهِ أو خلَطَه بطَعامِ رَجلٍ ولم يَعلمْ ذلكَ وجَبَ عليهِ القَودُ عندَ المالِكيةِ والشافِعيةِ في
(١) حَسَنٌ: رواه أبو داود (٥٤١١).
(٢) «بدائع الصنائع» (٧/ ٢٣٥).
قَولٍ والحَنابلةِ؛ لِما رواهُ أبو داودَ عن أبي سَلمةَ «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ أَهدَتْ له يَهودِيةٌ بخَيبَرَ شاةً مَصليَّةً، قالَ: فماتَ بِشرُ بنُ البَراءِ بنِ مَعرورٍ الأنصاريُّ، فأرسَلَ إلى اليَهوديةِ … فأمَرَ بها رَسولُ اللهِ ﷺ فقُتلَتْ» (١)، ولأنَّ هذا يَقتلُ غالبًا ويُتخذُ طَريقًا إلى القَتلِ كَثيرًا، فأوجَبَ القِصاصَ كما لو أكرَهَه على شُربِه.
ولأنَّ العادةَ جرَتْ أنَّ مَنْ قُدِّمَ إليه الطَّعامُ .. فإنه يَأكلُ منه، فصارَ كأنَّه ألجَأَه إلى أكلِه، فوجَبَ عليهِ القَودُ كما لو أكرَهَه عليهِ.
والقَولِ الثاني عندَ الشافِعيةِ: لا يَجبُ عليهِ القَودُ؛ لأنه أكَلَه باختِيارِه، فصارَ كما لو قتَلَ نفْسَه بسِكينٍ، وهل تَجبُ عليهِ الدِّيةُ؟ فيه قَولانِ:
أحَدُهما: لا تَجبُ عليهِ الدِّيةُ؛ لأنه هو الجانِي على نَفسِه.
والثاني وهوَ المَذهبُ: تَجبُ عليهِ الديَةُ؛ لأنَّ التلَفَ حصَلَ بسَببٍ منهُ، فصارَ كما لو حفَرَ بِئرًا في طَريقِ الناسِ فهلَكَ فيها إنسانٌ.
وإنْ خلَطَ السمَّ بطَعامٍ وقدَّمَه إلى رَجلٍ وقالَ: «فيهِ سُمٌّ يَقتلُ غالِبًا» فأكَلَه فماتَ .. فلا قوَدَ عليهِ ولا ديَةَ؛ لأنه قتَلَ نفْسَه، وهذا باتِّفاقِ المَذاهبِ الأربَعةِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: فأما إنْ خلَطَ السمَّ بطَعامِ نَفسِه وترَكَه في مَنزلِه فدخَلَ إنسانٌ فأكَلَه فليسَ عليهِ ضَمانٌ بقِصاصٍ ولا دِيةٍ؛ لأنه لم يَقتلْه، وإنما الداخِلُ قتَلَ نفسَه، فأشبَهَ ما لو حفَرَ في دارِه بئرًا فدخَلَ رَجلٌ فوقَعَ فيها،
(١) حَسَنٌ: رواه أبو داود (٥٤١١).
وسَواءٌ قصَدَ بذلكَ قتْلَ الآكِلِ مِثلَ أنْ يَعلمَ ظالِمًا يُريدُ هُجومَ دارِه فتَركَ السُّمَّ في الطعامِ ليَقتلَه، فهو كما لو حفَرَ بئرًا في دارِه ليَقعَ فيها اللصُّ إذا دخَلَ ليَسرقَ منها.
ولو دخَلَ رَجلٌ بإذنِه فأكَلَ الطَّعامَ المَسمومَ بغيرِ إذنِه لم يَضمنْه لذلكَ، وإنْ خلَطَه بطَعامِ رَجلٍ أو قدَّمَ إليه طَعامًا مَسمومًا وأخبَرَه بسُمِّه فأكَلَه لم يَضمنْه؛ لأنه أكَلَه عالِمًا بحالِه، فأشبَهَ ما لو قدَّمَ إليه سِكينًا فوجَأَ بها نفْسَه، وإنْ سَقَى إنسانًا سُمًّا أو خلَطَه بطَعامِه فأكَلَه ولم يَعلمْ به وكانَ ممَّا لا يَقتلُ مثلُه غالبًا فهو شِبهُ عَمدٍ، فإنِ اختُلفَ فيهِ هل يَقتلُ مِثلُه غالبًا أو لا؟ وثَمَّ بَينةٌ تَشهدُ عُملَ بها، وإنْ قالَتِ البَينةُ: «هو يَقتلُ النَّضوَ الضَّعيفَ دُونَ القويِّ» أو غيرَ هذا عُمِلتْ على حَسبِ ذلكَ، وإنْ لم يَكنْ مع أحَدِهما بَينةٌ فالقَولُ قولُ الساقي؛ لأنَّ الأصلَ عَدمُ وُجوبِ القِصاصِ، فلا يَثبتُ بالشكِّ، ولأنه أعلَمُ بصِفةِ ما سَقَى، وإنْ ثبَتَ أنه قاتِلٌ فقالَ: «لم أعلَمْ أنه قاتِلٌ» ففيه وَجهانِ:
أحَدُهما: عليهِ القَودُ؛ لأنَّ السمَّ مِنْ جِنسِ ما يَقتلُ به غالبًا، فأشبَهَ ما لو جرَحَه وقالَ: «لم أعلَمْ أنه يَموتُ منه».
والثاني: لا قوَدَ عليهِ؛ لأنه يَجوزُ أنْ يَخفَى عليهِ أنه قاتِلٌ، وهذهِ شُبهةٌ يَسقطُ بها القَودُ (١).
(١) «المغني» (٨/ ٢١٢)، ويُنظَر: «المهذب» (٢/ ١٧٦)، و «البيان» (١١/ ٣٤٥، ٣٤٨)، و «الحاوي الكبير» (١٢/ ٨٥، ٨٦)، و «النجم الوهاج» (٨/ ٣٣٤، ٣٣٥)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٢١٨، ٢١٩)، و «كشاف القناع» (٥/ ٥٩٩، ٦٠٠)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ١٠).
وتَفصيلُ مَذهبِ الحَنفيةِ حَكاهُ ابنُ نُجيمٍ رحمة الله عليه حَيثُ قالَ: وإذا سَقَى رَجلًا سُمًّا فماتَ مِنْ ذلكَ فهو على ثَلاثةِ أوجُهٍ: إما أنْ يَكونَ أَوجرَه على كُرهٍ، أو أكرَهَه على شُربهِ حتَّى شَربَ، أو ناوَلَه وشَربَه مِنْ غيرِ أنْ يُكرهَه عليهِ.
فإنْ أوجَرَه إيجارًا أو ناوَلَه وأكرَهَه على شُربِه حتى شَربَ فلا قِصاصَ، وعلى عاقِلتِه الدِّيةُ.
وفي «الذَّخيرَة» ذكَرَ المَسألةَ في «الأصل» مُطلقًا مِنْ غيرِ خِلافٍ، ولم يُفصِّلْ بينَ ما إذا كانَ مِقدارًا يَقتلُ مثلُه غالبًا أو لا يَقتلُ، وهذا الجَوابُ لا يُشكِلُ على قولِ أبي حَنيفةَ؛ وذلكَ لأنَّ القَتلَ حصَلَ بحالٍ لا يَخرجُ لا مِنْ حَيثُ الحَقيقةُ ولا مِنْ حَيثُ الاعتبارُ، فكانَ خَطأَ العَمدِ على مَذهبِه، وأما على قَولِ أبي يُوسفَ ومُحمدٍ فمِن مَشايخِنا مَنْ قالَ: الجَوابُ عندَهُما على التَّفصيلِ: إنْ كانَ ما أوجَرَه مِنْ السمِّ مِقدارَ ما يَقتلُ مثلُه غالبًا كانَ عَمدًا مَحضًا، وإنْ كانَ قَدرًا لا يَقتلُ مثلُه غالبًا فإنه يَكونُ خَطأَ العَمدِ، ومِن مَشايخِنا مَنْ قالَ بأنهُ على قَولِهم جَميعًا يَكونُ خَطأَ العَمدِ، سَواءٌ كانَ مما يَقتلُ مثلُه غالبًا أو لا يَقتلُ، وكانَ كمَن أوجَرَ رَجلًا سَقمونيَا لا تَحتملُه النُّفوسُ فماتَ لا يَكونُ عَمدًا مَحضًا.
وإذا تَناولَه فشَربَ مِنْ غيرِ أنْ أُكرهَ لم يَكنْ عليهِ قِصاصَ ولا دِيةَ، سَواءٌ عَلِمَ الشاربُ بكَونِه سُمًّا أو لم يَعلمْ.
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب السرقة)
(باب ما يجب فيه القطع من كتاب الحدود وغيره)
(كِتَابُ السَّرِقَةِ)
(بَابُ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ من كتاب الحدود وغيره)
(مسألة)
قَالَ الشَّافِعِيُّ: رَحِمَهُ اللَّهُ " الْقَطْعُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا لِثُبُوتِ الْخَبَرِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بذلك) .
قال الماوردي: والأصل فِي وُجُوبِ قَطْعِ السَّارِقِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} المائدة: ٣٨ وفي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ " وَالسَّارِقُونَ وَالسَّارِقَاتُ فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا) ، فَجَعَلَ حَدَّ السَّرِقَةِ قَطْعَ الْيَدِ لِتَنَاوُلِ الْمَالِ بِهَا، وَلَمْ يَجْعَلْ حَدَّ الزِّنَا قَطْعَ الذَّكَرِ لِمُوَاقَعَةِ الزِّنَا بِهِ لِثَلَاثَةِ مَعَانٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ لِلسَّارِقِ مِثْلَ يَدِهِ إِذَا قُطِعَتْ، وَلَيْسَ لِلزَّانِي مِثْلَ ذَكَرِهِ إِذَا قُطِعَ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْحُدُودَ زَجْرٌ لِلْمَحْدُودِ وَغَيْرِهِ، وَالْيَدُ تُرَى وَالذَّكَرِ لَا يُرَى.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ فِي قَطْعِ الذَّكَرِ إِبْطَالُ النَّسْلِ وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي قَطْعِ الْيَدِ، وَقَدْ قُطِعَ السَّارِقُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ حَكَمَ بِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ فأمر الله تعالى به في الإسلام فكان أول سارق قطع من الرجال في الإسلام الْخِيَارَ بْنَ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَمِنَ النِّسَاءِ مُرَّةَ بِنْتَ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ.
ارجع إلى أقسام الجناية للاطلاع على جميع المسائل.