الحرمان من الوصية

الإسلام > الجنايات والحدود > أقسام الجناية > الحرمان من الوصية

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 9 دقيقة قراءة

الحرمان من الوصية - الأقوال والأدلة

الحِرمانُ مِنْ الوَصيةِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في جَوازِ الوَصيةِ للقاتِلِ، هل تَجوزُ أم لا؟ وهل هُناكَ فَرقٌ بينَ القَتلِ العَمدِ والخَطأِ أم لا؟

فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في الأظهَرِ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنه لا يُشترطُ لصِحةِ الوَصيةِ أنْ لا يَكونَ المُوصَى له قاتِلًا للمُوصي، سَواءٌ كانَ عَمدًا أو خَطأً؛ لعُمومِ قولِه تعالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢] ولم يُفرِّقْ، ولقَولِه تعالَى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ [البقرة: ١٨١] وإبطالُ الوَصيةِ تَبديلٌ.

ولأنه تَمليكٌ يَفتقرُ إلى القَبولِ، فلَم يَمنعِ القَتلُ منه كالبيعِ، ولأنها هِبةٌ، فالقَتلُ لا يَمنعُها اعتِبارًا بحالِ الحياةِ، ولأنه تَملُّكٌ، فصَحَّ في القاتلِ كإسقاطِ الحُقوقِ.

وأما حَديثُ: «ليسَ لقاتِلٍ وَصيةٌ» باطِلٌ مُنكَرٌ، والقياسُ على الإرثِ مُنتقِضٌ بأمِّ الولدِ إذا قتَلَتْ سيِّدَها فإنها تُعتَقُ.

قالَ ابنُ المُنذرِ رحمة الله عليه: لا نَعلمُ حُجةً تَمنعُ منه (١).

(١) «الإشراف» (٤/ ٤٣١)، ويُنظَر: «الاستذكار» (٨/ ٥٨)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٥/ ١٨١)، و «الذخيرة» (٧/ ٢٨، ٢٩)، و «الحاوي الكبير» (٨/ ١٩١)، و «البيان» (٨/ ١٦٣)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٣٧١، ٣٧٢)، و «النجم الوهاج» (٦/ ٢٢٩، ٢٣٠)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٧٢)، و «الشرك الكبير» (٦/ ٤٧٨)، و «الإنصاف» (٧/ ٢٣٢، ٢٣٣).

قالَ المالِكيةُ: يَصحُّ الإيصاءُ مِنْ المَقتولِ إلى قاتِلِه بشَرطِ أنْ يعلَمَ أنه هو الذي قتَلَه، سَواءٌ كانَ القَتلُ عَمدًا أو خَطأً، وتَكونُ الوَصيةُ في الخَطأِ في مالِ المُوصي والدِّيةُ -أي المَأخوذةُ مِنْ عاقِلةِ القاتِلِ، فتكونُ الوَصيةُ في ثُلثِهما، وفي العَمدِ في المالِ فقطْ، أي في ثُلثِه، إلا أنْ يُنفِذَ مَقاتِلَه ويَقبلَ وارثُه الديَةَ ويعلَمَ بها.

فإنْ لم يَعلَمِ المُوصي بأنَّ المُوصَى له هو الذي قتَلَه فهل تَنفذُ الوَصيةُ له أو تَبطلُ؟ فيه تَأويلانِ:

أصَحُّهما: لا شَيءَ له، وهو قَولُ ابنِ القاسمِ؛ لأنَّ المُوصيَ لو عَلِمَ أنَّ هذا القاتِلَ له لم يُوْصِ له؛ لأنَّ الشأنَ أنَّ الإنسانَ لا يُحسِنُ لمَن أساءَ إليه.

والثاني: الوَصيةُ نافِذةٌ له، عَلِمَ أو لم يَعلمْ؛ لأنَّ الوَصيةَ بعدَ الضَّربِ، فلا يُتَّهمُ على الاستِعجالِ، وتكونُ في المالِ وفي دِيةِ الخَطأِ فقطْ.

وأما لو قالَ: «أعطُوا مِنْ قَتلَني» فتَصحُّ اتفاقًا (١).

وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في مُقابلِ الأظهَرِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه يُشترطُ في المُوصَى له أنْ لا يَكونَ قاتِلًا للمُوصِي، فإذا قتَلَ المُوصيَ بطَلَتْ الوَصيةُ؛ لِما رَواهُ الدارقُطنيُّ مَرفوعًا: «ليسَ لقاتِلٍ وصِيةٌ» (٢)، ولأنه

(١) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٤٩٠، ٤٩١)، و «التاج والإكليل» (٥/ ٤٣٩)، و «شرح مختصر خليل» (٨/ ١٧١)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٥٣١، ٥٣٢).
(٢) رواه الدارقطني (٤٦٢٨)، وقالَ: مُبشرُ بنُ عُبيدٍ مَتروكُ الحَديثِ يَضعُ الأحادِيثَ، ورواه البيهقي في «السنن الكبرى» (١٢٤٣٢)، وقالَ: تفرَّدَ به مُبشرُ بنُ عُبيدٍ الحِمصيُّ وهو مَنسوبٌ إلى وَضعِ الحَديثِ.

استَعجلَ ما أخَّرَه اللهُ، فيُحرَمُ الوَصيةَ كما يُحرَمُ المِيراثَ؛ لأنَّ حِرمانَ القاتلِ عن المِيراثِ بسَببِ مُغايَظةِ الوَرثةِ مُقاسَمةَ قاتلِ أبيهم في تَركتِه، والمُوصَى له يُشاركُه في هذا المعنَى، فجازَ القياسُ عليهِ، والمُشابَهةُ بينَ المَقيسِ والمَقيسِ عليهِ مِنْ كلِّ وَجهٍ غيرُ مُلتزَمٍ.

وقد رُويَ عن النبيِّ أنه قالَ: «ليسَ لقاتِلٍ شيءٌ» (١)، ذكَرَ الشَّيءَ نَكرةً في مَحلِّ النفيِ، فتَعمُّ المِيراثَ والوَصيةَ جَميعًا، وبه تبيَّنَ أنَّ القاتلَ مَخصوصٌ عن عُموماتِ الوَصيةِ؛ ولأنَّ الوَصيةَ أختُ المِيراثِ، ولا مِيراثَ للقاتلِ، والوَصيةُ بمَنزلةِ المِيراثِ، ولأنَّ الوَرثةَ تتأذَّى بوَضعِ الوَصيةِ في القاتلِ كما يَتأذَّى البعضُ بوَضعِها في البَعضِ، فيُؤدِّي إلى قَطعِ الرَّحمِ وأنه حَرامٌ، ولأنَّ المَجروحَ إذا صارَ صاحِبَ فِراشٍ فقدْ تعلَّقَ حَقُّ الوَرثةِ بمالِه نَظرًا لهُم؛ لئلَّا يُزيلَ المُورِّثُ مِلكَه إلى غَيرِهم لعَداوةٍ أو أذًى لَحِقَه مِنْ جِهتِهم فيَتضرَّرونَ بذلكَ، لكنْ مع بَقاءِ مِلكِ المُورِّثِ نَظرًا له لحاجتِه إلى دَفعِ حَوائجِه الأصليةِ، وسَببُ ثُبوتِ حقِّهم في مرضِ المَوتِ ما هو سَببُ ثُبوتِ مِلكِهم بعدَ المَوتِ وهو القَرابةُ، فكانَ يَنبغِي أنْ لا يَملكَ التَّبرعَ بشَيءٍ مِنْ مالِه، إلا أنه ملَكَ ذلكَ على غيرِ القاتلِ والوَارثِ، بخِلافِ القياسِ، فيَبقى الأمرُ فيهما على أصلِ القياسِ، ولأنَّ القتلَ بغَيرِ حَقٍّ جِنايةٌ عَظيمةٌ، فتَستدعِي الزجرَ بأبلَغِ الوُجوهِ، وحِرمانُ الوَصيةِ يَصلحُ زاجِرًا لحِرمانِ المِيراثِ، فيَثبتُ (٢).

(١) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه مالك في «الموطأ» (١٥٥٧)، وأحمد (١٧٧٨١)، وأبو داود (٤٥٦٤)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٦٣٦٨).
(٢) «بدائع الصنائع» (٧/ ٣٣٩)، و «مختصر اختلاف العلماء» (٥/ ١٩، ٢٠)، و «الهداية» (٤/ ٢٣٢)، و «العناية» (١٦/ ٦٦)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ٤٢١)، و «الجوهرة النيرة» (٦/ ٣٧٨)، و «الاختيار» (٥/ ٧٨، ٧٩)، و «الحاوي الكبير» (٨/ ١٩١)، و «البيان» (٨/ ١٦٢)، و «المغني» (٦/ ١٢٦)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٥٧٨)، و «الإنصاف» (٧/ ٢٣٢، ٢٣٣)، و «القواعد» ص (٢٦١)، و «المبدع» (٦/ ٣٧)، و «كشاف القناع» (٤/ ٤٣٤)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٤٦٥).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 242 - 244

ارجع إلى أقسام الجناية للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 5.7 / 29.5
الإضاءة 32%
البدر بعد 9 يوم
أستغفر الله