الصورة الثانية: القتل بغير المحدد مما يغلب على الظن حصول الزهوق به عند استعماله

الإسلام > الجنايات والحدود > أقسام الجناية > الصورة الثانية: القتل بغير المحدد مما يغلب على الظن حصول الزهوق به عند استعماله

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 12 دقيقة قراءة

الصورة الثانية: القتل بغير المحدد مما يغلب على الظن حصول الزهوق به عند استعماله - الأقوال والأدلة

الصُّورةُ الثانِيةُ: القَتلُ بغَيرِ المحدَّدِ ممَّا يَغلبُ على الظَّنِّ حُصولُ الزُّهوقِ به عندَ استِعمالِه:

اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو قتَلَ إنسانًا بغَيرِ مُحدَّدٍ ممَّا يَغلبُ على الظنِّ حُصولُ الزُّهوقِ به، كمَن ضرَبَ آخَرَ بحَديدٍ أو خَشبٍ أو ألقَى عليهِ حائِطًا أو حَجرًا كَبيرًا لا حَدَّ فيه أو رَضَّ رَأسَه بحَجرٍ، هل هو عَمدٌ يُوجِبُ القِصاصَ؟ أم ليسَ بعَمدٍ ولا يُوجبُ القِصاصَ؟

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ وأبو يُوسفَ ومُحمدٌ مِنْ الحَنفيةِ إلى أنه عَمدٌ يُوجِبُ القِصاصَ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣]، وهذا مَقتولٌ ظُلمًا.

وقالَ اللهُ تعالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨].

ورَوى أنسٌ رضي الله عنه «أنَّ يَهوديًّا قتَلَ جارِيةً على أوضَاحٍ لها فقتَلَها بحَجرٍ، فجِيءَ بها إلى النبيِّ وبها رَمقٌ فقالَ: أقتَلَكِ فُلانٌ؟ فأشارَتْ برَأسِها أنْ لا، ثمَّ قالَ الثانِيةَ، فأشارَتْ برَأسِها أنْ لا، ثمَّ سَألَها الثالِثةَ، فأشارَتْ برَأسِها أنْ نَعمْ، فقتَلَه النبيُّ بحَجرَينِ» (١).

وروَى أبو هُريرةَ رضي الله عنه قالَ: قامَ رَسولُ اللهِ فقالَ: «ومَن قُتلَ له قَتيلٌ فهو بخَيرٍ النَّظرينِ: إما يُودَى، وإمَّا أنْ يُقادَ» (٢)، ولأنه يَقتلُ غالِبًا، فأشبَهَ المُحدَّدَ.

(١) أخرجه البخاري (٦٤٨٥)، ومسلم (١٦٧٢).
(٢) أخرجه البخاري (١١٢)، ومسلم» (١٣٥٥).

وعن عَمرِو بنِ دِينارٍ أنه سَمعَ طاوُسًا عن ابن عبَّاسٍ عن عُمرَ أنه سَألَ عن قَضيةِ النبيِّ في ذلكَ، فقامَ حمَلُ بنُ مالكِ بنِ النابِغةِ فقالَ: «كُنْتُ بينَ امرَأتينِ فضرَبَتْ إحداهُما الأُخرى بمِسطحٍ فقتَلَتْها وجَنينَها، فقَضَى رَسولُ اللهِ في جَنينِها بغُرَّةٍ وأنْ تُقتلَ بها» (١)، قالَ أبو عُبيدٍ: المِسطحُ: عُودٌ مِنْ أعوَادِ الخِباءِ، أي: خَشبةٌ كَبيرةٌ تُركزُ في وَسطِ الخَيمةِ.

ولأنها آلةٌ يُقصدُ بها القَتلُ في الغالِبِ، فجازَ أنْ يَجبَ القَودَ بها، أصلُه المُحدَّدُ، ولأنه تَعمَّدَ قتْلَ مُكافِئٍ لدَمِه ظُلمًا، فأشبَهَ أنْ يَحرقَه بالنارِ، ولأنَّ في إسقاطِ ذلكَ ذَريعةً إلى التَّسرعِ إلى القَتلِ (٢).

(١) صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٤٥٧٢)، والنسائي (٤٧٣٩)، وابن ماجه (٢٦٤١)، وأحمد (١٦٧٧٥).
(٢) «شرح مشكل الآثار» (١٢/ ٤٦٦، ٤٧٠)، و «بدائع الصنائع» (٧/ ٢٣٤)، و «الهداية» (٤/ ١٥٨، ١٥٩)، و «الاختيار» (٥/ ٣١)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ١٩٥، ١٩٧)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ٣٧٠)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٤/ ٩١)، و «شرح مختصر خليل» (٨/ ٧)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ١٨٣، ١٨٥)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٢٢٧)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (١٠/ ٤٣)، و «الحاوي الكبير» (١٢/ ٣٥، ٣٧)، و «المهذب» (٢/ ١٧٦)، و «البيان» (١١/ ٣٣٥، ٣٣٦)، و «شرح صحيح مسلم» (١١/ ١٥٧، ١٥٨)، و «روضة الطالبين» (٦/ ١٣٣، ١٣٤)، و «النجم الوهاج» (٨/ ٣٣٠)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٢١٣)، و «تحفة المحتاج» (٩/ ٢٩٢)، و «نهاية المحتاج» (٧/ ٢٨٩)، و «الديباج» (٤/ ٩، ١٠)، و «المغني» (٨/ ٢٠٩)، و «الكافي» (٤/ ١٢).

وذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ إلى أنه لا قوَدَ في ذلكَ، ولا قوَدَ إلا إذا قتَلَه بمُحدَّدٍ أو قتَلَه بالنارِ، ولا قتْلَ في مُثقَّلِ الخَشب ولا غَيرِه، وعنهُ في مُثقلِ الحَديدِ رِوايتانِ: المَذهبُ أنَّ فيه القوَدَ.

لقَولِ النبيِّ : «قَتيلُ الخَطأِ شِبهِ العَمدِ قَتيلُ السَّوطِ والعَصَا، مِائةٌ مِنْ الإبِلِ، أربَعونَ مِنها خَلفةٌ في بُطونِها أولادُها» (١)، فسَمَّاهُ عمْدَ الخَطأِ وأوجَبَ فيه الديَةَ دونَ القِصاصِ، ولأنَّ العَمدَ لا يُمكنُ اعتِبارُه بنَفسِه، فيَجبُ ضَبطُه بمَظنَّتِه، ولا يُمكنُ ضَبطُه بما يَقتلُ غالِبًا؛ لحُصولِ العَمدِ بدُونِه في الجُرحِ الصَّغيرِ، فوجَبَ ضَبطُه بالجُرحِ.

ولأنَّ القَتلَ بآلةٍ غيرِ مُعدَّةٍ للقَتلِ دَليلُ عَدمِ القَصدِ؛ لأنَّ تَحصيلَ كلِّ فِعلٍ بالآلةِ المُعدَّةِ له، فحُصولُه بغَيرِ ما أُعِدَّ له دَليلُ عَدمِ القَصدِ، والمُثقَّلُ وما يَجرِي مَجراهُ ليسَ بمُعَدٍّ للقَتلِ عادةً، فكانَ القَتلُ به دَلالةَ عَدمِ القَصدِ، فيَتمكنُ في العَمديةِ شُبهةُ العَمدِ، بخِلافِ القتلِ بحَديدٍ لا حَدَّ له؛ لأنَّ الحَديدَ آلةٌ مُعدَّةٌ للقَتلِ، قالَ اللهُ تبارك وتعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد: ٢٥]، والقَتلُ بالعَمودِ مُعتادٌ، فكانَ القَتلُ به دَليلَ القَصدِ، فيَتمحَّضُ عَمدًا (٢).

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٤٥٤٧)، والنسائي (٤٧٩٤، ٤٧٩٦)، وابن ماجه (٢٦٢٧)، و «الإمام أحمد» (٢٣٥٤٠).
(٢) «بدائع الصنائع» (٧/ ٢٣٤)، و «شرح مشكل الآثار» (١٢/ ٤٦٦، ٤٧٠)، و «الهداية» (٤/ ١٥٨، ١٥٩)، و «الاختيار» (٥/ ٣١)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ١٩٥، ١٩٧)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ٣٧٠).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الجنايات
وجوب القصاص وشرائطه

مَحْضًا فَيُنْظَرُ إنْ أَمْكَنَ إيجَابُ الْقِصَاصِ يَجِبُ الْقِصَاصُ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ يَجِبْ الْأَرْشُ.

وَأَمَّا الْقَتْلُ الْخَطَأُ فَالْخَطَأُ قَدْ يَكُونُ فِي نَفْسِ الْفِعْلِ، وَقَدْ يَكُونُ فِي ظَنِّ الْفَاعِلِ أَمَّا الْأَوَّلُ: فَنَحْوُ أَنْ يَقْصِدَ صَيْدًا فَيُصِيبَ آدَمِيًّا، وَأَنْ يَقْصِدَ رَجُلًا فَيُصِيبَ غَيْرَهُ، فَإِنْ قَصْدَ عُضْوًا مِنْ رَجُلٍ فَأَصَابَ عُضْوًا آخَرَ مِنْهُ فَهَذَا عَمْدٌ، وَلَيْسَ بِخَطَأٍ.

وَأَمَّا الثَّانِي: فَنَحْوَ أَنْ يَرْمِيَ إلَى إنْسَانٍ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ حَرْبِيٌّ أَوْ مُرْتَدٌّ فَإِذَا هُوَ مُسْلِمٌ.

وَأَمَّا الَّذِي هُوَ فِي مَعْنَى الْخَطَأِ فَنَذْكُرُ حُكْمَهُ، وَصِفَتَهُ بَعْدَ هَذَا - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - فَهَذِهِ صِفَاتُ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ.

وَأَمَّا بَيَانُ أَحْكَامِهَا فَوُقُوعُ الْقَتْلِ بِإِحْدَى هَذِهِ الصِّفَاتِ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ عُلِمَ، وَإِمَّا أَنْ لَمْ يُعْلَمْ بِأَنْ وُجِدَ قَتِيلٌ لَا يُعْلَمُ قَاتِلُهُ فَإِنْ عُلِمَ ذَلِكَ.

وُجُوب الْقِصَاص وَشَرَائِطه

أَمَّا الْقَتْلُ الْعَمْدُ الْمَحْضُ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامٌ: مِنْهَا وُجُوبُ الْقِصَاصِ، وَالْكَلَامُ فِي الْقِصَاصِ فِي مَوَاضِعَ: فِي بَيَانِ شَرَائِطِ وُجُوبِ الْقِصَاصِ، وَفِي بَيَانِ كَيْفِيَّةِ وُجُوبِهِ، وَفِي بَيَانِ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْقِصَاصَ، وَفِي بَيَانِ مَنْ يَلِي اسْتِيفَاءَ الْقِصَاصِ، وَشَرْطِ جَوَازِ اسْتِيفَائِهِ، وَفِي بَيَانِ مَا يُسْتَوْفَى بِهِ الْقِصَاصُ، وَكَيْفِيَّةِ الِاسْتِيفَاءِ، وَفِي بَيَانِ مَا يُسْقِطُ الْقِصَاصَ بَعْدَ وُجُوبِهِ.

(أَمَّا) الْأَوَّلُ:.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 147 - 149

ارجع إلى أقسام الجناية للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
اللهم صل على محمد