ثالثا: إذا قتله خنقا

الإسلام > الجنايات والحدود > أقسام الجناية > ثالثا: إذا قتله خنقا

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 10 دقيقة قراءة

ثالثا: إذا قتله خنقا - الأقوال والأدلة

وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ مَنْ ضرَبَ غيرَه بعَصًا صَغيرةٍ أو بحَجرٍ صَغيرٍ أو لَطمةٍ ونحوِ ذلكَ ممَّا لا يَكونُ الغالِبُ فيه الهَلاكَ كالسَّوطِ ونحوِه إذا ضرَبَ ضَربةً أو ضَربتينِ ولم يُوالِ في الضَّرباتِ أنه شِبهُ عَمدٍ، ولا يَجبُ فيهِ القَصاصُ، وكذا إنْ ضرَبَه بالسَّوطِ الصَّغيرِ ويُوالي في الضَّرباتِ إلى أنْ يَموتَ، وهذا شِبهُ عَمدٍ بلا خِلافٍ عندَ فُقهاءِ الحَنفيةِ (١).

ثالثًا: إذا قتَلَه خَنقًا:

اختَلفَ الفُقهاءُ فيمَن قتَلَ غيرَه خَنقًا بيَدِه أو بحَبلٍ أو طرَحَ على وَجهِه مِخدةً أو مِنديلًا واتَّكأَ عليهِ حتى ماتَ، هل يُعتبرُ قتْلَ عَمدٍ ويُقتصُّ منه؟ أم هو شِبهُ عَمدٍ؟

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ والصاحِبانِ مِنْ الحَنفيةِ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ إلى أنَّ مَنْ قتَلَ غيرَه خَنقًا بيَدِه أو بحَبلٍ أو طرَحَ على وَجههِ مِخدةً أو مِنديلًا واتَّكأَ عليهِ حتَّى ماتَ فهوَ قَتلُ عَمدٍ، ويُقتَصُّ منهُ إذا فعَلَ ذلكَ مُدةً يَموتُ المَخنوقُ مِنْ مثلِها غالبًا، فيَجبُ على قاتِلِه القَودُ؛ لأنه تَعمَّدَ قتْلَه بما يَقتلُ غالِبًا؛ لقَولِ اللهِ جَلَّ ذِكرُه: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا … ﴾ [النساء: ٩٣]، وهذا قاتِلُ عَمدٍ، فعَليهِ القتلُ.

قالَ الصاحِبانِ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ: إذا خنَقَه حتى ماتَ فهو عَمدٌ وفيهِ القَودُ، وهذا إذا دامَ على الخَنقِ حتَّى ماتَ، أما إذا ترَكَه قبلَ المَوتِ يُنظَرُ؛ إنْ

(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ٢٣٣)، و «الاختيار» (٥/ ٣١، ٣٢)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ١٩٧)، و «اللباب» (٢/ ٢٣٧)، و «درر الحكام» (٥/ ٤٢٤).

دامَ على الخَنقِ بمِقدارِ ما يَموتُ منه الإنسانُ غالبًا يَجبُ القِصاصُ عندَهُما، وإلَّا فلا إجماعًا (١).

وقالَ المالِكيةُ: مَنْ خنَقَ غيرَه أو عصَرَ الأُنثَيينِ حتى ماتَ اقتُصَّ منه (٢).

وقالَ الشافِعيةُ: إنْ خنَقَه بيَدِه أو بحَبلٍ أو وضَعَ يَدَه على فيهِ ومنَعَه التنفُّسَ أو طرَحَ على وَجهِه مِخدةً أو مِنديلًا واتَّكأَ عليهِ حتى ماتَ فإنْ فعَلَ ذلكَ مُدةً يَموتُ المَخنوقُ مِنْ مثلِها غالبًا .. وجَبَ على قاتِلِه القَودُ؛ لأنه تَعمدَ قتْلَه بما يَقتلُ مثلَه غالبًا، وإنْ كانَ في مدَّةٍ يَجوزُ أنْ يَموتَ مثلُه في مثلِها ويَجوزُ أنْ لا يَموتَ والغالِبُ أنه لا يَموتُ .. لم يَجبْ عليهِ القَودُ، وعليهِ دِيةٌ مُغلَّظةٌ؛ لأنَّ فِعلَه عَمدُ خَطأٍ.

وإنْ خنَقَه خَنقًا يَموتُ مِثلُه مِنْ مِثلِه ثمَّ أرسَلَه حَيًّا ثمَّ ماتَ فإن كانَ قد أورَثَه الخَنقُ شَيئًا حتى لا يَخرجَ نَفَسُه أو بَقيَ مُتألِّمًا إلى أنْ ماتَ .. وجَبَ على الخانقِ القَودُ؛ لأنه ماتَ بسِرايةِ فِعلِه.

وإنْ خنَقَه وأرسَلَه حيًّا لا يَتألمُ ولا به ضنًى فصبَرَ فبَرأَ وصَحَّ ثم ماتَ .. فلا يَجبُ قَودٌ على الخانقِ ولا دِيةٌ؛ لأنه ماتَ بسَببٍ آخَرَ، كما لو جرَحَه فاندَملَ جُرحُه ثم ماتَ.

(١) «تبيين الحقائق» (٦/ ١٠١)، و «البحر الرائق» (٨/ ٣٣٣)، و «حاشية ابن عابدين» (٦/ ٥٤٣)، و «معين الحكام» ص (١٨١).
(٢) «التاج والإكليل» (٥/ ٢٢٢)، و «شرح مختصر خليل» (٨/ ٧)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ١٨٤)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٢٢٧)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (١٠/ ٤٣).

وإنْ جعَلَ في رَقبتِه خِراطةَ حَبلٍ وتَحتَ رِجلَيهِ كُرسيًّا وشَدَّ الحَبلَ إلى سَقفِ بَيتٍ وما أشبَهَه ونزَعَ الكُرسيَّ مِنْ تَحتِ رجلَيهِ فانخنَقَ وماتَ .. وجَبَ عليهِ القَودُ؛ لأنه أوحَى الخَنقِ.

وكذا لو عصَرَ خِصيتيهِ عَصرًا شَديدًا إلى أنْ ماتَ وجَبَ القَودُ؛ لأنَّ ذلكَ يَقتلُ في الغالِبِ (١).

وقالَ الحَنابلةُ: إذا منَعَ خُروجَ نفَسِه فهو نَوعانِ:

أحَدُهما: أنْ يَجعلَ في عُنقِه خِراطةً -ما يُعرَفُ اليَومَ بالمِشنقةِ- ثمَّ يُعلِّقَه في خَشبةٍ أو شَيءٍ بحَيثُ يَرتفعُ عن الأرضِ فيَختنقُ ويَموتُ فهذا عَمدٌ، سَواءٌ ماتَ في الحالِ أو بَقيَ زَمنًا؛ لأنَّ هذا أوحَى أنواعِ الخَنقِ، وهو الذي جرَتِ العادةُ بفِعلِه مِنْ الوُلاةِ في اللُّصوصِ وأشباهِهم مِنْ المُفسدينَ.

والثاني: أنْ يَخنقَه وهو على الأرضِ بيَديهِ أو مِنديلٍ أو حَبلٍ أو يَغمَّه بوِسادةٍ أو شَيءٍ يَضعُه على فيهِ وأنفِه أو يَضعَ يَديهِ عليهِما فيَموتَ فهذا إنْ فعَلَ به ذلكَ مُدةً يَموتُ في مثلِها غالبًا فماتَ فهو عَمدٌ فيه القِصاصُ.

وإنْ فعَلَه في مُدةٍ لا يَموتُ في مثلِها غالبًا فماتَ فهو عَمدُ الخطأِ، إلا أنْ يكونَ ذلكَ يَسيرًا في العادةِ بحَيثُ لا يُتوهمُ المَوتُ منه فلا يُوجِبُ ضَمانًا؛ لأنه بمَنزلةِ لَمسِه.

(١) «المهذب» (٢/ ١٧٦)، و «البيان» (١١/ ٣٣٨، ٣٣٩)، و «روضة الطالبين» (٦/ ١٣٥).

وإنْ خنَقَه وترَكَه مَثلًا حتى ماتَ ففيهِ القَودُ؛ لأنه ماتَ مِنْ سِرايةِ جِنايتِه، فهو كالمَيتِ مِنْ سِرايةِ الجُرحِ، وإنْ تَنفَّسَ وصَحَّ ثم ماتَ فلا قوَدَ؛ لأنَّ الظاهِرَ أنه لم يَمُتْ منه، فأشبَهَ ما لو اندَملَ الجُرحُ ثم ماتَ (١).

وذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ رحمة الله عليه إلى أنَّ مَنْ خنَقَ غيرَه حتى ماتَ فليسَ فيه قِصاصٌ، وإنما هو شِبهُ عَمدٍ تَجبُ فيه الدِّيةُ مُغلَّظةً على عاقِلتِه، ولا يَجبُ فيه القِصاصُ على عاقِلتِه؛ لأنَّ الآلةَ فيها قُصورٌ يُوجِبُ التردُّدَ في أنه قصَدَ قتْلَه بهذا الفِعلِ أو قصَدَ المُبالَغةَ في إيلامِه وإدخالَ الضَّررِ على نَفسِه، فاتَّفقَ مَوتُه وعَدمُ احتِمالِه لذلكَ.

لكنْ إنْ خنَقَ غيرَ مَرةٍ قُتلَ الآنَ؛ لأنه ظهَرَ قَصدُه إلى القتلِ بالتَّخنيقِ حَيثُ عُرفَ إفضاؤُه إلى القَتلِ ثمَّ صارَ يَعتمَّدُه، ولأنه صارَ ساعِيًا في الأرضِ بالفَسادِ، وكلُّ مَنْ كانَ كذلكَ يُدفعُ شَرُّه بالقَتلِ.

لكنْ إنْ كانَ خنَّاقًا مَعروفًا قد خنَقَ غيرَ واحِدٍ فعَليهِ القتلُ؛ لأنه ظهَرَ قَصدُه إلى القتلِ بالتَّخنيقِ حَيثُ عُرفَ إفضاؤُه إلى القَتلِ ثمَّ صارَ يَعتمَّدُه، ولأنه صارَ ساعِيًا في الأرضِ بالفَسادِ، وكلُّ مَنْ كانَ كذلكَ يُدفعُ شَرُّه بالقَتلِ حَدًّا لا قِصاصًا (٢).

(١) «المغني» (٨/ ٢١٠)، و «الكافي» (٤/ ١٣)، و «كشاف القناع» (٥/ ٥٩٨)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ١٠)، و «مطالب أولي النهى» (٦/ ٩).
(٢) «المبسوط» (٢٦/ ١٥٣)، و «بدائع الصنائع» (٧/ ٢٣٤)، و «الهداية» (٢/ ١٣٤)، و «شرح فتح القدير» (٥/ ٤٣٢)، و «تبيين الحقائق» (٦/ ١٠١)، و «البحر الرائق» (٨/ ٣٣٣)، و «حاشية ابن عابدين» (٦/ ٥٤٣)، و «معين الحكام» ص (١٨١).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 155 - 158

ارجع إلى أقسام الجناية للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 5.7 / 29.5
الإضاءة 32%
البدر بعد 9 يوم
الله أكبر