الإسلام > الجنايات والحدود > أقسام الجناية > ثانيا: أن يضربه بمثقل صغير كالعصى والسوط والحجر الصغير
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 9 دقيقة قراءةعاقِلتِها بالدِّيةِ، وكانَتْ حامِلًا فقَضَى في الجَنينِ بغُرَّةٍ، فقالَ بعضُ عصَبَتِها: أنَدِي مِنْ لا طَعِمَ ولا شَرِبَ ولا صاحَ فاستَهلَّ، ومِثلُ ذلكَ يُطلُّ؟ قالَ: فقالَ: سَجعٌ كسَجعِ الأعرَابِ» (١).
والعاقِلةُ لا تَحملُ العَمدَ، فدَلَّ على أنَّ القَتلَ بعَمودِ الفُسطاطِ ليسَ بعَمدٍ، وإنْ كانَ أعظَمَ منه فهو عَمدٌ؛ لأنه يَقتلُ غالِبًا.
ومِن هذا النَّوعِ أنْ يُلقيَ عليهِ حائِطًا أو صَخرةً أو خَشبةً عَظيمةً أو ما أشبَهَ ممَّا يُهلكُه غالِبًا فيُهلكَه ففيهِ القَودُ؛ لأنه يَقتلُ غالِبًا (٢).
ثانيًا: أنْ يَضربَه بمُثقلٍ صَغيرٍ كالعَصَى والسَّوطِ والحَجرِ الصَّغيرِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو ضرَبَه بمُثقَّلٍ صَغيرٍ كالحَجرِ الصَّغيرِ أو السَّوطِ أو العصَى فماتَ، هل يَجبُ فيه القِصاصُ أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ -في الجُملةِ- المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ مَنْ ضرَبَ غيرَه بمُثقَّلٍ صَغيرٍ كالعصَى والسَّوطِ والحَجرِ الصَّغيرِ فماتَ وجَبَ فيه القِصاصُ.
قالَ المالِكيةُ: شَرطُ القَتلِ المُوجِبِ للقِصاصِ أنْ يَقصدَ القاتلُ الضَّربَ، ولا يُشترطُ قَصدُ القَتلِ، فإذا قصَدَ ضرْبَه بما يَقتلُ غالِبًا فماتَ مِنْ ذلكَ فإنه يُقتصُّ له، وكذا إذا قصَدَ ضرْبَه بما لا يَقتلُ غالبًا كضَربِه بحَجرٍ أو بلَطمةٍ أو
(١) أخرجه مسلم (١٦٨٢).
(٢) «المغني» (٨/ ٢٠٩، ٢١٠)، و «الكافي» (٤/ ١٤)، و «كشاف القناع» (٥/ ٥٩٥، ٥٩٦)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ٧، ٨).
وَكزةٍ أو بُندُقةٍ أو قَضيبٍ أو عصًا أو غيرِ ذلكَ فماتَ مِنْ ذلكَ فإنه يُقتصُّ له منه، وإنْ لم يَكنْ يَقصدُ قتْلَه فمُجرَّدُ قَصدِ الضَّربِ كافٍ لوُجوبِ القِصاصِ.
فإنْ لم يَقصدْ ضرْبَه وثبَتَ ذلكَ إما ببَينةٍ أو بإقرارِ المَجنِي عليهِ فإنه لا قَودَ عليهِ؛ لأنه خَطأٌ، وفيهِ الدِّيةُ على العاقِلةِ.
وسَواءٌ قصَدَ الشَّخصَ المَضروبَ نفْسَه أو قصَدَ أنْ يَضربَ شَخصًا عُدوانًا فأصابَ غيرَه، فإنه يُقتلُ به، وما قِيلَ: «إنه مِنْ الخَطأِ» ضَعيفٌ.
وأما لو قصَدَ ضرْبَ مَنْ يَحلُّ له ضَربُه فأصابَ غيرَه فهو خَطأٌ، بشَرطِ ضَربِ اللَّعبِ أو الأدَبِ، وكذا إنْ ضرَبَ غيرَه على وَجهِ اللَّعبِ فهو خَطأٌ على الصَّحيحِ، ومِثلُه إذا قصَدَ به الأدبَ الجائِزَ بأنْ كانَ بآلةٍ يُؤدبُ بها، وأما إنْ كانَ الضَّربُ للتأديبِ والغَضبِ فالمَشهورُ أنه عَمدٌ يُقتصُّ منه، إلا في الأبِ ونَحوِه فلا قِصاصَ، بل فيه دِيةٌ مُغلَّظةٌ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: إنْ ضرَبَه بسَوطٍ أو عَصًا خَفيفةٍ أو رَماهُ بحَجرٍ صَغيرٍ نُظرَ؛ إنْ وَالَى به الضَّربَ بأنْ بلَغَ عَددًا يَقتلُ مِثلُه في الغالبِ على حَسبِ حالِ المَضروب حتَّى ماتَ أو اشتَدَّ الألمُ وبَقيَ مُتألِّمًا حتَّى ماتَ وجَبَ القِصاصُ، وإنْ لم يُوالِ واقتَصرَ على سَوطٍ أو سَوطينِ فإنْ كانَ في مَقتلٍ أو في شِدةِ الحَرِّ أو البَردِ المُعِينينِ على الهَلاكِ أو كانَ المَضروبُ صَغيرًا أو
(١) «التاج والإكليل» (٥/ ٢٢١)، و «شرح مختصر خليل» (٨/ ٧)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ١٨٢، ١٨٤)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٢٢٦، ٢٢٧)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (١٠/ ٤٣).
ضَعيفًا بأصلِ الخِلقةِ أو بعارضٍ وجَبَ القِصاصُ؛ لأنه مُهلِكٌ غالبًا، وإنْ لم يَكنْ شَيءٌ مِنْ ذلكَ فهو شِبهُ عَمدٍ وفيه الديَةُ (١).
وقالَ الحَنابلةُ: إنْ ضرَبَه بمُثقلٍ صَغيرٍ كالعَصَى والسَّوطِ والحَجرِ الصَّغيرِ، أو لكَزَه بيَديهِ في مَقتلٍ أو في حالِ ضَعفٍ مِنْ المَضروبِ لمَرضٍ أو صِغَرٍ، أو في زَمنٍ مُفرطِ الحَرِّ أو البَردِ بحَيثُ تَقتلُه تلكَ الضَّربةُ، أو كرَّرَ الضَّربَ حتى قتَلَه بما يَقتلُ غالبًا ففيهِ القَودَ؛ لأنه قتَلَه بما يَقتلُ مِثلُه غالبًا، فأشبَهَ الضَّربَ بمُثقلٍ كَبيرٍ.
وإنِ ادَّعَى المَرضَ في ذلكَ كلِّه لم يُقبلْ، وكذا إنْ قالَ: «لم أَقصدْ قتْلَه» لم يُصدَّقْ؛ لأنَّ الظاهِرَ خِلافُه.
ومِن هذا النَّوعِ لو عصَرَ خِصيتَه عَصرًا شَديدًا فقتَلَه بعَصرٍ يَقتلُ مِثلُه غالبًا فعليهِ القَودُ.
وإنْ لم يَكنِ الضَّربُ بذلكَ في مَقتلٍ ولا في حالَةِ ضَعفِ قُوةٍ ونحوِه فهو عَمدُ الخَطأِ، وفيه الدِّيةُ، إلا أنْ يَصغرَ جِدًّا كالضَّربةِ بالقَلمِ والأصبَعِ في غَيرِ مَقتلٍ ونحوِ هذا ممَّا لا يُتوهَّمُ القَتلُ به فلا قوَدَ فيه ولا ديَةَ؛ لأنه لم يَمتْ به، وكذلكَ إنْ مَسَّه بالكَبيرِ ولم يَضربْه به؛ لأنَّ الدِّيةَ إنما تَجبُ بالقَتلِ، وليسَ هذا بقَتلٍ (٢).
(١) «المهذب» (٢/ ١٧٦)، و «البيان» (١١/ ٣٣٧، ٣٣٨)، و «روضة الطالبين» (٦/ ١٣٤، ١٣٥)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٢١٥).
(٢) «المغني» (٨/ ٢١٠)، و «الكافي» (٤/ ١٢، ١٣)، و «كشاف القناع» (٥/ ٥٩٦)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ٧، ٨)، و «منار السبيل» (٣/ ٢١٩).
المجموع شرح المهذب · النووي · كتاب الجنايات
باب ما يجب به القصاص من الجنايات
ولهذا لما طعن أبو لؤلوة المجوسى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي بطنه فجاءه الطبيب وسقاه لبنا فخرج اللبن من بطنه، فقال له اعهد إلى الناس، فعهد عمر رضى الله عنه ثم مات فعملت الصحابة رضوان الله عليهم بعهده فصار كالصحيح، والله تعالى أعلم بالصواب
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
(بَابُ مَا يجب به القصاص من الجنايات)
إذا جرحه بما يقطع الجلد واللحم كالسيف والسكين والسنان، أو بما حدد من الخشب والحجر والزجاج وغيرها أو بما له مور وبعد غور كالمسلة والنشاب وما حدد من الخشب والقصب ومات منه وجب عليه القود، لانه قتله بما يقتل غالبا، وإن غرز فيه إبرة - فإن كان في مقتل كالصدر والخاصرة والعين وأصول الاذن فمات منه - وجب عليه القود، لان الاصابة بها في المقتل، كالاصابة بالسكين والمسلة في الخوف عليه، وإن كان في غير مقتل كالالية والفخذ نظرت - فإن بقى منه ضمنا إلى أن مات - وجب عليه القود، لان الظاهر أنه مات منه وان مات في الحال فَفِيهِ وَجْهَانِ
(أَحَدُهُمَا)
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ أنه يجب عليه القود لان له غورا وسراية في البدن.
وفي البدن مقاتل خفية
(والثانى)
وهو قول أبى العباس وأبى سعيد الاصطخرى أنه لا يجب لانه لا يقتل في الغالب فلا بجب به القود، كما لو ضربه بمثقل صغير، ولان في المثقل فرقا بين الصغير والكبير، فكذلك في المحدد (الشرح) اللغات: المور الموج والاضطراب والجريان، ومار الدم يمور مورا جرى، وأماره أساله، ومار السنان في المطعون إذا قطعه ودخل فيه.
قال الشاعر: وأنتم أناس تغمضون من القنا إذا مار في أكتافكم وتأطرا ويقولون: فلان لا يدرى ما سائر من مائر، فالمائر السيف القاطع الذي يمور
في الضربية مورا، والسائر بيت الشعر المروى المشهور.
أما الغور فهو قعر كل شئ وقوله " ضمنا " هو الذي به الزمانة في جسده من بلاء أو كسر أو غيره.
ارجع إلى أقسام الجناية للاطلاع على جميع المسائل.