دية العمد في مال القاتل أو الجاني

الإسلام > الجنايات والحدود > أقسام الجناية > دية العمد في مال القاتل أو الجاني

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 11 دقيقة قراءة

دية العمد في مال القاتل أو الجاني - الأقوال والأدلة

كانُوا عليهِ مِنْ شِدةِ التَّقليدِ، حتى اضطرَّ أنْ يَضعَ في ذلكَ قولًا يَنتصرُ فيه لهذا المَذهبِ، وهو مَوجودٌ بأيدي الناسِ (١).

دِيةُ العَمدِ في مالِ القاتِلِ أو الجانِي:

إذا أُخذَتِ الدِّيةُ في القتلِ العَمدِ فهي مِنْ مالِ الجانِي بالإجماعِ؛ لقَولِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: «لا تَحمِلُ العاقِلةُ عَمدًا، ولا عَبدًا، ولا صُلحًا، ولا اعتِرافًا» (٢).

قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ رحمة الله عليه: وأجمَعُوا على أنَّ العاقِلةَ لا تَحملُ دِيةَ العَمدِ، وأنها تَحملُ ديةَ الخَطأِ (٣).

وسَيأتي بَيانُ ذلكَ في كِتابِ الدِّياتِ.

الكفَّارةُ في قَتلِ العَمدِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ فيمَن قتَلَ غيرَه عَمدًا، هل يَجبُ عليهِ الكفَّارةُ -وهي عِتقُ رَقبةٍ، فإنْ لم يَجدْ فصِيامُ شَهرينِ مُتتابعَينِ-؟ أم لا يَجبُ عليهِ؟

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه لا كفَّارةَ في قَتلِ العَمدِ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى ذكَرَ العَمدَ وحُكمَه، فقالَ تعالَى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣]،

(١) «بداية المجتهد» (٢/ ٣٠١).
(٢) حَسَنٌ: رواه البيهقي (٨/ ١٠٤).
(٣) «الإجماع» (٧٠٥).

ولمْ يَذكرِ الكفَّارةَ، وذكَرَ الخَطأَ وحُكمَه، فبَيَّنَ الكفَّارةَ في الخَطأِ، فلو كانَتْ واجِبةً في العَمدِ كوُجوبِها في الخَطأِ لَبيَّنَها.

ولأنَّ اللهَ تعالَى قالَ: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، فنَصَّ على إيجابِ الكفَّارةِ في قَتلِ الخَطأِ، وذكَرَ قتْلَ العَمدِ في قَولِه تعالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨]، وقالَ: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ وخصَّهُ بالعَمدِ، فلمَّا كانَ كلُّ واحِدٍ مِنْ القَتيلينِ مَذكورًا بعَينِه ومَنصوصًا على حُكمِه لم يَجُزْ لنا أنْ نَتعدَّى ما نَصَّ اللهُ تعالَى علينا فيهِما؛ إذ غيرُ جائزٍ قِياسُ المَنصوصاتِ بعضِها على بَعضٍ؛ لأنَّ الكفَّارةَ لا تَجبُ إلا حَيثُ أوجَبَها اللهُ؛ لأنَّ الكفَّاراتِ عباداتٌ، ولا يَجوزُ التمثيلُ عليها، وليسَ يَجوزُ لأحَدٍ أنْ يَفرضَ فَرضًا يُلزِمُه عِبادَ اللهِ إلا بكِتابٍ أو سُنةٍ أو إجماعٍ، وليسَ مع مَنْ فرَضَ على القاتلِ عَمدًا كفَّارةً حُجةٌ مِنْ حَيثُ ذكَرْتُ.

ولأنه معنًى مُوجِبٌ للقَتلِ، فلَم يُوجِبْ على فاعِلِه كفَّارةً، أصلُه الزنا مع الإحصانِ، ولأنَّ القتلَ لو تَعلَّقتْ به كفَّارةٌ لم يَتعلَّقْ به قَودٌ، ألَا تَرى أنَّ قتْلَ الخَطأِ لمَّا نزَلَتْ به كَفارةٌ لم يَلزمْ به قَودٌ (١).

وذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ وأحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ الكفَّارةَ تَجبُ في قَتلِ العَمدِ وشِبهِ العَمدِ والخَطأِ وفي القَتلِ بالسَّببِ كما في المُباشَرةِ،

(١) «المبسوط» (٢٧/ ٨٤، ٨٥)، و «أحكام القرآن» (٣/ ٢٢١)، و «العناية شرح الهداية» (١٥/ ١٢٠، ١٢١)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٤/ ١٦٣)، و «تفسير القرطبي» (٥/ ٣٣١)، و «المغني» (٨/ ٤٠٢).

فتَجبُ على حافرِ البئرِ عُدوانًا ومَن نصَبَ شَبكةً فهلَكَ بها شَخصٌ وعلى المُكرِهِ وشاهِدِ الزُّورِ.

والدليلُ عليهِ قولُ اللهِ تعالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، فنَصَّ على وُجوبِ الكفَّارةِ في قَتلِ الخَطأِ؛ ليُنبِّهَ على وُجوبِها في قَتلِ العَمدِ المَحضِ وعَمدِ الخَطأِ؛ لأنَّ الخطَأَ أخَفُّ حالًا مِنْ قَتلِ العَمدِ؛ لأنه لا قودَ فيه ولا إثمَ والديةَ فيه مُخفَّفةٌ، فإذا وجَبَتْ فيه الكفَّارةُ .. فلَأنْ تَجبَ في قتلِ العمدِ المَحضِ وعَمدِ الخطأِ أَولى.

ورَوى واثِلةُ بنُ الأسقَعِ قالَ: كنَّا مع النبيِّ في غَزوةِ تَبوكَ فأتاهُ نَفرٌ مِنْ بَنِي سُليمٍ فقالُوا: يا رَسولَ اللَّهِ إنَّ صاحِبًا لنا قد أوجَبَ -يعني النَّارَ- بالقتلِ، فقالَ رَسولُ اللَّهِ : «أَعتِقُوا عنه رَقبةً يُعتِقُ اللَّهُ بكلِّ عُضوٍ منها عُضوًا منهُ مِنْ النارِ» (١)، ولا يَستوجبُ النارَ إلا في قَتلِ العَمدِ.

ولأنها إذا وجَبَتْ في قتلِ الخَطأِ ففي العَمدِ أَولى؛ لأنه أعظَمُ إثمًا وأكبَرُ جُرمًا وحاجتُه إلى تَكفيرِ ذَنبِه أعظَمُ (٢).

(١) رواه ابن حبان في «صحيحه» (٤٣٠٧)، والنسائي في «الكبرى» (٤٨٩٢)، وضعفه الألباني.
(٢) «الحاوي الكبير» (١٣/ ٦٧)، و «البيان» (١١/ ٦٢٢، ٦٢٣)، و «روضة الطالبين» (٦/ ٤١٥)، و «النجم الوهاج» (٨/ ٥٩١، ٥٩٤)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٣٧٦، ٣٧٨)، و «تحفة المحتاج» (١٠/ ٥٨٥، ٥٩٠)، و «المغني» (٨/ ٤٠٢).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الجنايات
وجوب الدية

التَّحْرِيرُ فِيهِ تَوْبَةً.

(وَجْهُ) الْقَوْلِ الْآخَرِ أَنَّ هَذِهِ جِنَايَةٌ مُغَلَّظَةٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ فِيهَا ثَابِتَةٌ، بِخِلَافِ الْخَطَأِ فَلَا يَصْلُحُ التَّحْرِيرُ تَوْبَةً بِهَا كَمَا فِي الْعَمْدِ؟ وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.

وَأَمَّا الْقَتْلُ الْخَطَأُ فَيَخْتَلِفُ حُكْمُهُ بِاخْتِلَافِ حَالِ الْقَاتِلِ وَالْمَقْتُولِ فَنُفَصِّلُ الْكَلَامَ فِيهِ فَنَقُولُ: الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ إمَّا أَنْ يَكُونَا جَمِيعًا حُرَّيْنِ، وَإِمَّا أَنْ كَانَ الْقَاتِلُ حُرًّا، وَالْمَقْتُولُ عَبْدًا، وَإِمَّا أَنْ كَانَ الْقَاتِلُ عَبْدًا، وَالْمَقْتُولُ حُرًّا، وَإِمَّا أَنْ كَانَا جَمِيعًا عَبْدَيْنِ، فَإِنْ كَانَا حُرَّيْنِ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامٌ مِنْهَا وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ عِنْدَ وُجُودِ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ، وَهِيَ نَوْعَانِ: بَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْقَاتِلِ، وَبَعْضُهَا إلَى الْمَقْتُولِ، أَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْقَاتِلِ فَالْإِسْلَامُ، وَالْعَقْلُ، وَالْبُلُوغُ فَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْكَافِرِ، وَالْمَجْنُونِ، وَالصَّبِيِّ؛ لِأَنَّ الْكُفَّارَ غَيْرُ مُخَاطَبِينَ بِشَرَائِعَ هِيَ عِبَادَاتٌ، وَالْكَفَّارَةُ عِبَادَةٌ، وَالصَّبِيُّ، وَالْمَجْنُونُ لَا يُخَاطَبَانِ بِالشَّرَائِعِ أَصْلًا.

وَأَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْمَقْتُولِ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَقْتُولُ مَعْصُومًا فَلَا تَجِبُ بِقَتْلِ الْحَرْبِيِّ، وَالْبَاغِي لِعَدَمِ الْعِصْمَةِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 237 - 239

ارجع إلى أقسام الجناية للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 5.8 / 29.5
الإضاءة 33%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله وبحمده