د- إذا قال: أوصيت لمن يقتلني

الإسلام > الجنايات والحدود > أقسام الجناية > د- إذا قال: أوصيت لمن يقتلني

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 28 دقيقة قراءة

د- إذا قال: أوصيت لمن يقتلني - الأقوال والأدلة

فقالَ أبو حَنيفةَ ومُحمدٌ -رحمهما الله-: إذا أجازُوها جازَتْ؛ لأنَّ الامتِناعَ لحَقِّ الوَرثةِ؛ لأنَّ نفْعَ بُطلانِها يَعودُ إليهِم كنَفعِ بُطلانِ المِيراثِ، فإذا أجازُوها جازَتْ.

وقالَ أبو يُوسفَ رحمة الله عليه: لا تَجوزُ؛ لأنه مِنْ الوَصيةِ على طريقِ العُقوبةِ، فهو كحِرمانِ المِيراثِ وهو لا يَقفُ على إجازَتِهم، فكذا الوَصيةُ (١).

د- إذا قالَ: أوصَيتُ لمَن يَقتلُني:

نَصَّ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ على أنه لا تَصحُّ الوَصيةُ لمَن يَقتلُه، فإذا قالَ: «أوصَيتُ لمَن يَقتلُني» لم تَصحَّ، قالَ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: قَولًا واحِدًا؛ لأمرَينِ:

أحَدُهما: لأنها وَصيةٌ عَقدتْ على مَعصيةٍ.

والثاني: أنَّ فيها إغراءً بقَتلِه (٢).

قَتلُ الجَماعةِ بالواحِدِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في الجَماعةِ إذا اشتَركُوا في قتْلِ إنسانٍ مَعصومٍ وتَعاوَنوا عليهِ وقامَتْ على ذلكَ البيِّنةُ أو كانَ الإقرارُ، هل يُقتَلونَ بهِ إذا كانَ مُكافِئًا لهُم؟ أم لا يُقتَلونَ وتَجبُ الدِّيَةُ؟

(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ٣٣٩)، و «مختصر اختلاف العلماء» (٥/ ١٩، ٢٠)، و «الهداية» (٤/ ٢٣٢)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ٤٢١)، و «العناية» (١٦/ ٦٦)، و «الجوهرة النيرة» (٦/ ٣٧٨)، و «الاختيار» (٥/ ٧٨، ٧٩).
(٢) «الحاوي الكبير» (٨/ ١٩١)، و «بدائع الصنائع» (٧/ ٣٣٩)، و «مختصر اختلاف العلماء» (٥/ ١٩، ٢٠)، و «الهداية» (٤/ ٢٣٢)، و «كشاف القناع» (٤/ ٤٣٤).

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الجَماعةَ إذا اشتَركُوا في قَتلِ مَعصومٍ وتَعاوَنوا عليهِ وكانَ فِعلُ كلِّ واحِدٍ مِنهُم لوِ انفَردَ وجَبَ عليهِ القِصاصُ فإنَّهُم يُقتَلونَ بهِ وإنْ كَثرُوا.

واستَدلُّوا على ذلكَ بما يَلي:

قَولِه تعالَى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣]، فلا فرْقَ بيْنَ أنْ يَكونَ القاتِلُ واحِدًا أو جَماعةً؛ لوُقوعِ اسمِ القَتلةِ عليهِم، ولأنَّ اللهَ تعالَى جعَلَ الحُجَّةَ لوَليِّ المَقتولِ عليهِم.

وقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]، وسَببُ الحَياةِ أنَّه إذا عَلِمَ القاتِلُ بوُجوبِ القِصاصِ عليهِ إذا قتَلَ كَفَّ عنِ القَتلِ، فحَي القاتِلُ والمَقتولُ؛ لأنَّه لو لم تُقتَلِ الجَماعةُ بالواحِدِ لأدَّى ذلكَ إلى رفْعِ الحَياةِ في القِصاصِ الذي جعَلَه اللهُ حَياةً.

ولو عَلِمَ الجَماعةُ أنهُم إذا قتَلَوا واحِدًا لم يُقتلُوا لَتعاونَ الأعداءُ على قَتلِ أعدائِهم بالاشتِراكِ في قَتلِهم وبَلَغوا الأملَ مِنْ التشفِّي منهُم.

وأيضًا فإنَّ النَّفسَ لا تَتبعَّضُ في الإتلافِ؛ بدَليلِ أنه لا يُقالَ: «قاتِلُ بَعضِ نَفسٍ»؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ قد حصَلَ مِنْ جِهتِه فِعلُ ما يَتعلقُ به خُروجُ الرُّوحِ عندَه، وهذا لا يَتبعضُ؛ لامتِناعِ أنْ يَكونَ بعضُ الرُّوحِ خرَجَ بفِعلِ أحَدِهم وبَعضُها بفِعلِ الباقينَ، فكانَ كلُّ واحدٍ منهُم قاتِلَ نَفسٍ، ومثلُ هذا لو أنَّ جَماعةً دَفَعوا حَجرًا لَكانَ كلُّ واحدٍ منهُم دافِعًا له؛ لأنَّ الحجَرَ لا يَتبعضُ كما أنَّ النَّفسَ لا تَتبعضُ.

وقولُه تعالَى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] الألفُ واللامُ للجِنسِ، فتَقديرُه: الأنفُسُ بالأنفُسِ، وكذلكَ قولُه: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ [البقرة: ١٧٨] تَقديرُه: الأحرارُ بالأحرارِ، فلا فرْقَ بينَ جَماعةٍ قَتَلوا واحِدًا أو جَماعةً.

ورَوى ابنُ المُسيبِ أنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ رضي الله عنه قتَلَ نَفرًا خَمسةً أو سَبعةً برَجلٍ واحدٍ قَتَلوهُ قتْلَ غِيلةٍ، وقالَ عُمرُ: «لو تَمالأَ عليهِ أهلُ صَنعاءَ لَقَتلتُهم جَميعًا» (١).

(١) رواه مالك في «الموطأ» (١٥٦١)، وروى البيهقي في «السنن الكبرى» (١٥٧٥٤): عن جَريرِ بنِ حازمٍ أنَّ المُغيرةَ بنَ حَكيمٍ الصنعانِيَّ حَدَّثَه عن أبيه «أنَّ امرأةً بصَنعاءَ غابَ عنها زوجُها وترَكَ في حِجرِها ابنًا له مِنْ غيرِها غلامُ يقالُ له أصيلٌ، فاتَّخذتِ المرأةُ بعدَ زوجِها خَليلًا، فقالتْ لخَليلِها: إنَّ هذا الغلامَ يَفضحُنا فاقتُلْه، فأبَى فامتَنعتْ منه، فطاوَعَها واجتَمعَ على قتلِه الرجلُ ورَجلُ آخرُ والمرأةُ وخادمُها، فقَتلوهُ ثم قَطعوهُ أعضاءَ وجَعلوهُ في عَيبةٍ مِنْ أدمٍ فطَرحوهُ في رَكيَّةٍ في ناحيةِ القريةِ وليسَ فيها ماءٌ، ثم صاحَتِ المرأةُ فاجتمَعَ الناسُ فخَرَجوا يَطلبونَ الغُلامَ، قالَ: فمَرَّ رَجلٌ بالرَّكيةِ التي فيها الغلامُ فخرَجَ منها الذبابُ الأخضَرُ، فقُلنا: واللهِ إنَّ في هذهِ لجيفةً، ومعنَا خَليلُها، فأخذَتْه رَعدةٌ فذَهبْنا به فحَبَسناهُ وأرسَلْنا رَجلًا فأخرَجَ الغلامَ، فأخَذْنا الرجلَ فاعتَرفَ فأخبَرَنا الخبَرَ فاعتَرفَتِ المرأةُ والرجلُ الآخرُ وخادمُها، فكتبَ يَعلى وهو يَومئذٍ أميرُ بشَأنِهم فكتَبَ إليه عمرُ رضي الله عنه بقَتلِهم جَميعًا وقالَ: واللهِ لو أنَّ أهل صَنعاءَ شَرِكوا في قَتلِه لَقَتلتُهم أجمعَينَ»، وروينَا عن أبي إسحاقَ السَّبيعيِ عن سَعيدِ بنِ وَهبٍ قالَ: «خرَجَ قومٌ وصَحِبَهم رَجلٌ، فقَدِموا وليسَ معَهم فاتَّهمَهم أهلُه، فقالَ شُريحٌ: شُهودُكم أنهُم قَتَلوا صاحبَكم وإلا حَلَفوا باللهِ ما قَتَلوهُ، فأتَوا بهم عليًّا رضي الله عنه، قالَ سعيدٌ: وأنا عندَه، ففرَّقَ بينَهُم فاعتَرَفوا، قالَ: فسَمعتُ عليًّا رضي الله عنه يقولُ: أنا أبو حَسنٍ القَرمُ، فأمَرَ بهم عليٌّ رضي الله عنه فقُتلوا».

والغِيلةُ: الحِيلةُ، وهو أنْ يَحتالُوا له بالتمكُّنِ مِنْ الاستِخفاءِ حتى يَقتلوهُ.

ورُويَ عن عليٍّ رضي الله عنه «أنه قتَلَ ثَلاثةً قَتَلوا واحِدًا، وكتَبَ إلى أهلِ النَّهروانِ حينَ قَتَلوا عامِلَه خبَّابَ بنَ الأرَتِّ: سَلِّموا إليَّ قاتِلَه، قالُوا: كُلُّنا قتَلَه، قالَ: فاستَسلِمُوا إذِنْ أُقِدْ مِنكُم، وسارَ إليهِم فقتَلَ أكثَرَهم».

وقتَلَ المُغيرةُ بنُ شُعبةَ سَبعةً بواحِدٍ.

وقالَ ابنُ عبَّاسٍ: «إذا قتَلَ جَماعةٌ واحِدًا قُتِلوا به ولو كانُوا مائةً»، وهذا قَولُ أربَعةٍ مِنْ الصَّحابةِ فيهِم إمامانِ عَمِلَا بما قالَا به.

ولأنَّ قتْلَ النَّفسِ أغلَظُ مِنْ هَتكِ العِرضِ بالقَذفِ، فلمَّا حُدَّ الجَماعةُ بقَذفِ الواحدِ كانَ أَولى أنْ يُقتَلوا بقَتلِ الواحدِ.

ولأنَّ كلَّ واحِدٍ مِنْ الجَماعةِ يَنطلقُ اسمُ القَتلِ عليهِ، فوجَبَ أنْ يَجريَ عليهِ حُكمُه كالواحِدِ، ولأنَّ ما وجَبَ في قَتلِ الواحِدِ لم يَسقطْ في قَتلِ الجَماعةِ كالديَةِ.

ولأنَّ حُرمةَ الواحِدِ كحُرمةِ الجَماعةِ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]، فوجَبَ أنْ يَكونَ القَودُ فيهِما واحِدًا.

وسَواءٌ قَتَلوهُ بمُحدَّدٍ أو مُثقلٍ أو أَلقَوهُ مِنْ شاهِقٍ أو في بَحرٍ أو جَرَحوهُ جِراحاتٍ مُجتمعةً أو مُتفرِّقةً.

فإذا ثبَتَ قتلُ الجَماعةِ بالواحدِ كانَ الوَليُّ فيه بالخِيارِ عندَ الشافِعيةِ والحَنابلةِ بينَ ثَلاثةِ أحوالٍ:

إما أنْ يَقتصَّ مِنْ جَميعِهم، أو يَعفُوَ عن جَميعِهم إلى الديَةِ فتُقسَّطُ الديَةُ الواحِدةُ بينَهُم على أعدادِهِم، أو يَعفوَ عن بَعضِهم ويَقتصَّ مِنْ بَعضِهم ويَأخذَ ممَّن عفَى عنه مِنْ الدِّيةِ بقِسطِه.

وفي قَولٍ عندَ الحَنابلةِ: إذا عَفَا الوليُّ عنهُم يَأخذُ مِنْ كلِّ واحِدٍ منهُم دِيةً.

وعندَ الحَنفيةِ في قَولٍ: إذا عَفَا الوليُّ عن أحَدِ القاتِلينَ أو صالَحَه لم يَكنْ له أنْ يَقتصَّ مِنْ غيرِه.

وفي القَولِ الثاني وهوَ الصَّحيحُ: أنَّ العَفوَ عن أحَدِ القاتِلينَ لا يُبطلُ القوَدَ عن الآخَرِ، وكذلكَ الصُّلحُ مع أحَدِهما؛ لأنَّ القِصاصَ لَزمَهما بالقَتلِ ثم سقَطَ أحَدُهما بالعَفوِ، ودَمُ أحَدِهما مُتميِّزٌ عن دَمِ الآخَرِ، فسُقوطُه عن أحَدِهما لا يُورثُ شُبهةً في حَقِّ الآخَرِ، بخِلافِ ما إذا لم يَجبِ القِصاصُ على أحَدِ القاتِلينِ؛ لأنَّ هُناكَ الفِعلانِ اجتَمعَا في مَحلٍّ واحِدٍ وأحَدُهما مُوجِبٌ والآخَرُ غيرُ مُوجبٍ، ودمُ المَقتولِ لا يَتميزُ بعضُه عن بعضٍ.

واتَّفقَ الجَميعُ -الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ- على أنه لا يُعتبَرُ في وُجوبِ القِصاصِ على المُشتركينَ التَّساوِي في سَببِه، فلو جرَحَه رَجلٌ جُرحًا والآخَرُ مائِةً، أو جرَحَه أحَدُهما مُوضِحةً والآخَرُ آمَّةً، أو أحَدُهما جائِفةً والآخَرُ غيرَ جائِفةٍ، فماتَ كانَا سَواءً في القِصاصِ والدِّيةِ؛ لأنَّ اعتبارَ التَّساوي يُفضي إلى سُقوطِ القِصاصِ عن المُشتركينَ؛ إذْ

لا يَكادُ جُرحانِ يَتساويانِ مِنْ كلِّ وَجهٍ، ولو احتُملَ التَّساوي لم يَثبتِ الحُكمُ؛ لأنَّ الشرطَ يُعتبَرُ العلمُ بوُجودِه، ولا يُكتفَى باحتمالِ الوُجودِ، بل الجَهلُ بوُجودِه كالعِلمِ بعَدمِه في انتِفاءِ الحُكمِ، ولأنَّ الجُرحَ الواحِدَ يُحتملُ أنْ يَموتَ منه دُونَ المائةِ كما يُحتملُ أنْ يَموتَ مِنْ المُوضِحةِ دونَ الآمَّةِ، ومِن غيرِ الجائِفةِ دونَ الجائفةِ، ولأنَّ الجِراحَ إذا صارَتْ نفسًا سقَطَ اعتِبارُها، فكانَ حُكمُ الجَماعةِ كحُكمِ الواحِدِ، ألَا ترَى أنه لو قطَعَ أطرافَه كلَّها فماتَ وجَبَتْ دِيةٌ واحِدةٌ كما لو قطَعَ طرَفَه فماتَ، وهذا باتِّفاقِهم جَميعًا.

وقالَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في القِصاصِ مِنْ الجَماعةِ بالواحدِ: لا تُقتَلُ الجَماعةُ بالواحِدِ إلَّا إذا جَنَى كلُّ واحِدٍ مِنهُم جنايَةً لوِ انفَردَ بها وماتَ أُضِيفَ القَتلُ إليهِ ووَجبَ القِصاصُ عليهِ، فأمَّا إنْ كانَتْ جِنايةُ أحَدِهم لا تَقتلُ وجِنايةُ الآخَرِ تَقتلُ فلا قِصاصَ على الَّذي جِنايتُه لا تَقتلُ.

فإنْ قطَعَ أحَدُهما يَدَه وحَزَّ الآخَرُ رَقبتَه أو قطَعَ حُلقومَه ومَريئَه أو شَقَّ بطْنَه فأخرَجَ حَشوتَه فالأوَّلُ قاطعٌ يَجبُ عليهِ ما يَجبُ على القاطِعِ، والثاني قاتلٌ؛ لأنَّ الثاني قطَعَ سِرايةَ القَطعِ، فصارَ كما لو اندَملَ الجُرحُ ثم قتَلَه الآخَرُ، وإنْ قطَعَ أحَدُهما حُلقومَه ومَريئَه أو شَقَّ بطْنَه وأخرَجَ حَشوتَه ثم حَزَّ الآخَرُ رَقبتَه فالقاتِلُ هو الأولُ؛ لأنه لا تَبقَى بعدَ جِنايتِه حَياةٌ مُستقِرةٌ، وإنَّما يَتحركُ حَركةَ مَذبوحٍ، ولهذا يَسقطُ حُكمُ كَلامِه في الإقرارِ والوَصيةِ والإسلامِ والتَّوبةِ.

وإنِ اشتَركَ جَماعةٌ في القَتلِ وجِنايةُ بعضِهم عَمدٌ وجِنايةُ البَعضِ خَطأٌ لم يَجبِ القِصاصُ على واحدٍ منهُم؛ لأنه لم يَتمحَّضْ قَتلُ العَمدِ، فلَم يَجبِ القِصاصُ (١).

وقالَ المالِكيةُ: الجَماعةُ المُتمالئَةُ على قتلِ شَخصٍ يُقتلونَ وإنْ لم يَضرِبوهُ بآلةٍ تَقتلُ كاليَدِ والسَّوطِ، بل ولو لم يَلِ القَتلَ إلا واحدٌ بشَرطِ أنْ يكونُوا بحَيثُ لو استُعينَ بهِم أعانُوا، كما أنَّ المُتسبِّبَ يُقتلُ مع المُباشِرِ، كمَن حفَرَ بِئرًا ليقَعَ فيها شَخصٌ مُعيَّنٌ فوقَفَ على شَفيرِها فردَّاهُ غيرُ الحافرِ.

فيُقتَلونَ جَميعًا بشَرطِ أنْ يَقصِدوا جَميعًا إلى قَتلِه على هذا الوَجهِ؛ لقَولِ عُمرَ رضي الله عنه، وهذا إذا ضَرَبوهُ عَمدًا عُدوانًا وماتَ مَكانَه، أو رُفعَ مَغمورًا واستَمرَّ حتى ماتَ، أو مَنفوذَ المَقاتلِ ولم تَتميَّزِ الضَّرباتُ، أو

(١) «المبسوط» (٢٦/ ١٥٧)، و «بدائع الصنائع» (٧/ ٢٣٩)، و «الاختيار» (٥/ ٣٧)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٢٢٥، ٢٢٦)، و «الدر المختار مع حاشية ابن عابدين» (٦/ ٥٥٦، ٥٥٧)، و «شرح صحيح البخاري» (٨/ ٥٢٦، ٥٢٧)، و «الكافي» ص (٥٨٩)، و «أحكام القرآن» (١/ ١٩٥)، و «تفسير القرطبي» (١/ ٢٥١)، و «الذخيرة» (١٢/ ٣٤١)، و «القوانين الفقهية» (١/ ٢٢٧)، و «الأم» (٦/ ٢٢)، و «الحاوي الكبير» (١٢/ ٢٨، ٢٩)، و «المهذب» (٢/ ١٧٤، ١٧٥)، و «الإشراف» (٧/ ٣٥٤، ٣٥٥)، و «روضة الطالبين» (٦/ ١٧٠، ١٧٥)، و «الإفصاح» (٢/ ٢٢٠)، و «المغني» (٨/ ٢٣٠، ٢٣١)، و «شرح الزركشي» (٣/ ١٤، ١٥)، و «المبدع» (٨/ ٢٥٣)، و «الإنصاف» (٩/ ٤٤٨)، و «كشاف القناع» (٥/ ٦٠٦، ٦٠٧)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ١٧، ١٨).

تَميَّزتْ واستَوتْ، أو اختَلفَتْ ولم يُعلَمْ عَينُ مَنْ ضَربَتْه هيَ التي يَنشأُ عنها المَوتُ، فإنْ تَأخرَ مَوتُه غيرَ مَنفوذِ مَقتلٍ ولا مَغمورٍ قُتلَ واحِدٌ فقطْ بقَسامةٍ؛ إذ لا يُقتلُ بالقَسامةِ أكثرُ مِنْ واحِدٍ.

وإنْ تَميَّزتْ جِناياتُ كلِّ واحدٍ منهُم فإنَّه يُقتصُّ ممَّن ماتَ مِنْ ضَربتِه إنْ عُلِمَ واقتُصَّ مِنْ الباقي مِثلُ فِعلِه، فيُقتصُّ ممَّن جرَحَ أو قطَعَ، ويُؤدَّبُ مَنْ لم يَجرحْ، فإنْ لم تَتميَّزِ الضرَباتُ بأنْ تَساوتْ أو لم يُعلَمِ الأقوَى قُتلَ الجَميعُ إنْ ماتَ مَكانَه حَقيقةً أو حُكمًا، وإلا فواحِدٌ بقَسامةٍ.

وإنْ قصَدَ كلُّ واحدٍ منهُم ضرْبَه بدُونِ تَمالؤٍ ولم يَقصدْ أحدٌ منهُم قتْلَه ثم إنهُم قَتَلوهُ مُجتمِعينَ وماتَ مِنْ ضَربِهم فإنهُم لا يُقتلونَ؛ لأنَّ قصْدَ الضربِ ليسَ مثلَ قصدِ القتلِ بالنِّسبةِ للجماعةِ.

وقيلَ: إنَّ قصْدَ الضَّربِ مثلُ قصدِ القتلِ، فيُقتلونَ به.

هذا إذا كانَ جَميعُ المُتمالِئينَ مُكلَّفينَ، فإنِ اشتَركَ مُكلَّفٌ مع صبيٍّ في قَتلِ مَعصومِ الدمِ فعَلى المُكلَّفِ القِصاصُ، وعلى عاقِلةِ الصبيِّ نِصفُ الديَةِ إنْ تَمالَآ على قَتلِه (١).

وذهَبَ الحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنه لا تُقتلُ الجَماعةُ بالواحِدِ، وتَجبُ الدِّيةُ دونَ القَودِ.

(١) «التاج والإكليل» (٥/ ٢٢٥)، و «شرح مختصر خليل» (٨/ ١٠)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ١٨٩)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٢٣٢)، و «منح الجليل» (٩/ ٢٦).

وهذا قَولُ ابنِ الزُّبيرِ والزُّهريِّ وابنِ سِيرينَ وحَبيبِ بنِ أبي ثابتٍ وعبدِ اللهِ ورَبيعةَ وداودَ وابنِ المُنذرِ، وحكاهُ ابن أبي مُوسَى عن ابنِ عبَّاسٍ.

ورُويَ عن مُعاذِ بنِ جَبلٍ وابنِ الزُّبيرِ وابنِ سِيرينَ والزُّهريِّ أنه يُقتلُ منهُم واحدٌ ويُؤخذُ مِنْ الباقينَ حِصَصُهم مِنْ الديَةِ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهُم مُكافئٌ له، فلا تُستوفَى أبدالٌ بمُبدَلٍ واحدٍ، كما لا تَجبُ ديَاتٌ لمَقتولٍ واحِدٍ، ولأنَّ اللهَ تعالَى قالَ: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ [البقرة: ١٧٨]، وقالَ: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، فمُقتضاهُ أنه لا يُؤخَذُ بالنفسِ أكثَرُ مِنْ نَفسٍ واحِدةٍ، ولأنَّ التَّفاوتَ في الأوصافِ يمنَعُ؛ بدَليلِ أنَّ الحُرَّ لا يُؤخَذُ بالعبدِ، والتفاوتُ في العَددِ أَولى.

قالَ ابنُ المُنذرِ رحمة الله عليه: لا حُجةَ مع مَنْ أوجَبَ قتْلَ جَماعةٍ بواحِدٍ (١).

قالَ الإمامُ أبو عُمرَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: اختَلفَ الفُقهاءُ في قتلِ الجَماعةِ بالواحِدِ، فقالَ جَماعةُ فُقهاءِ الأمصارِ منهُم الثَّوريُّ والأوزاعيُّ والليثُ ومالكٌ وأبو حَنيفةَ والشافِعيُّ وأصحابُهم وأحمَدُ وإسحاقُ وأبو ثَورٍ: تُقتلُ الجَماعةُ بالواحِدِ إذا قَتَلوهُ، كَثُرتِ الجَماعةُ أو قلَّتْ إذا اشتَركَتْ في قَتلِ الواحدِ.

ويُروَى ذلكَ عن عُمرَ وعليٍّ والمُغيرةِ بنِ شُعبةَ وابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهم، قالَ ابنُ عبَّاسٍ: «لو أنَّ مِائةً قَتَلوا واحِدًا قُتِلوا به»، وبه قالَ إبراهيمُ والشعبيُّ وقَتادةُ وأبو سَلمةَ والحَسنُ وسُليمانُ بنُ مُوسَى.

(١) «الإشراف» (٧/ ٣٥٤، ٣٥٥)، و «الإفصاح» (٢/ ٢٢٠)، و «المغني» (٨/ ٢٣٠، ٢٣١)، و «شرح الزركشي» (٣/ ١٤، ١٥)، و «المبدع» (٨/ ٢٥٣).

وقالَ داودُ: لا تُقتلُ الجَماعةُ بالواحِدِ، ولا يُقتلُ بنَفسٍ واحدةٍ أكثَرُ مِنْ واحدٍ، وهو قَولُ ابنِ الزُّبيرِ.

ذكَرَ عبدُ الرزَّاقِ عن ابنِ جُريجٍ عن عَمرِو بنِ دِينارٍ قالَ: كانَ ابنُ الزُّبيرِ وعبدُ المَلكِ لا يَقتُلانِ منهم إلا واحِدًا، وما عَلِمتُ أحَدًا يَقتلُهم جَميعًا إلا ما قالُوا في عُمرَ، ورُويَ ذلكَ عن مُعاذِ بنِ جَبلٍ.

ذكَرَ أبو بكرٍ قالَ: حَدَّثني عُبيدُ اللهِ بنُ موسَى عن حَسنِ بنِ صالحٍ عن سِمَاكَ عن دُهلِ بنِ كَعبٍ أنَّ مُعاذًا قالَ لعُمرَ: «ليسَ لكَ أنْ تَقتلَ نَفسَينِ بنَفسٍ واحِدةٍ»، وبه قالَ مُحمدُ بنُ سِيرينَ وابنُ شهابٍ والزهريُّ وحَبيبُ بنُ أبي ثابتٍ.

قالَ مَعمرٌ عن الزُّهريِّ: «لا يُقتلُ الرَّجلانِ بالرَّجلِ، ولا تُقطعُ يَدانِ بيَدٍ».

قالَ أبو عُمرَ: اضطَردَ قولُ الزهريُّ وداودَ في أنه لا تُقطعُ يَدانِ بيَدٍ، ولا يُقتلُ رَجلانٍ برَجلٍ.

وكذلكَ اضطَردَ قولُ مالكٍ والشافِعيِّ وأحمَدَ وإسحاقَ وأبي ثورٍ في أنه تُقطعُ باليَدِ الواحدةِ يَدانِ وأكثَرُ إذا اشتَركُوا في قَطعِ اليدِ الواحِدةِ، كما تُقتلُ الجَماعةُ بالواحِدِ إذا قَتَلوه معًا.

وتَناقضَ أبو حَنيفةَ وأصحابُه فقالُوا: لا تُقطعُ يَدانِ بيَدٍ، وكذلكَ سائرُ الأعضاءِ، وهو قَولُ الثوريِّ، وهُم يَقولونَ: إنَّ الجَماعةَ تُقتلُ بالواحِدِ، ومِن حُجَّتِهم أنَّ النفسَ لا تَتجزَّأُ واليَدَ وسائِرَ الأعضاءِ تَتجزأُ، وإنما

قطَعَ كلُّ واحدٍ منهُم بعضَ العُضوِ، فمُحالٌ أنْ يُقطعَ منه عُضوٌ كاملٌ ولم يَقطعْه كامِلًا (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: وأما قَتلُ الجَماعةِ بالواحدِ فإنَّ جُمهورَ فُقهاءِ الأمصارِ قالُوا: تُقتلُ الجَماعةُ بالواحدِ، منهم مالكٌ وأبو حَنيفةَ والشافِعيُّ والثوريُّ وأحمَدُ وأبو ثَورٍ وغيرُهم، سَواءٌ كَثُرتِ الجَماعةُ أو قلَّتْ، وبه قالَ عُمرُ، حتى رُويَ أنه قالَ: «لو تَمالأَ عليهِ أهلُ صَنعاءَ لَقَتلتُهم جَميعًا».

وقالَ داودُ وأهلُ الظاهرِ: لا تُقتلُ الجَماعةُ بالواحدِ، وهو قَولُ ابنِ الزُّبيرِ، وبه قالَ الزهريُّ، ورُويَ عن جابرٍ.

وكذلكَ عندَ هذهِ الطائفةِ لا تُقطعُ أَيدٍ بيَدٍ، أعنِي إذا اشتَركَ اثنانِ فما فوقَ ذلكَ في قَطعِ يَدٍ.

وقالَ مالكٌ والشافِعيُّ: تُقطعُ الأيدِي باليَدِ.

وفرَّقَتِ الحَنفيةُ بينَ النَّفسِ والأطرافِ، فقالوا: تُقتلُ الأنفُسُ بالنَّفسِ ولا يُقطعُ بالطَّرفِ إلا طَرفٌ واحِدٌ، وسَيأتي هذا في بابِ القِصاصِ مِنْ الأعضاءِ.

فعُمدةُ مَنْ قتَلَ بالواحِدِ الجَماعةَ النظرُ إلى المَصلحةِ؛ فإنه مَفهومٌ أنَّ القتلَ إنما شُرعَ لنَفيِ القتلِ كما نبَّهَ عليهِ الكِتابُ في قَولِه تعالَى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٧٩]، وإذا كانَ ذلكَ كذلكَ فلو لم

(١) «الاستذكار» (٨/ ١٥٧، ١٥٨).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 248 - 258

ارجع إلى أقسام الجناية للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.5 / 29.5
الإضاءة 41%
البدر بعد 8 يوم
الحمد لله