الإسلام > الجنايات والحدود > أقسام الجناية > رابعا: إن رماه من شاهق
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 11 دقيقة قراءةرابِعًا: إنْ رَماهُ مِنْ شاهِقٍ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيمَن رَمَى غيرَه مِنْ شاهِقٍ أو مِنْ سَطحِ جَبلٍ فماتَ، هل يَجبُ عليهِ القِصاصُ؟ أم هو شِبهُ عَمدٍ ويَجبُ فيهِ الدِّيةُ؟ فهوَ على نَفسِ الخِلافِ السابقِ.
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ والصاحِبانِ مِنْ الحَنفيةِ إلى أنَّ مَنْ رمَى غيرَه مِنْ شاهقٍ أو مَكانٍ مُرتفعٍ أو مِنْ على سَطحِ جَبلٍ أنَّ فيه القِصاصَ.
وذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ رحمة الله عليه إلى أنَّ مَنْ رَمَى غيرَه مِنْ شاهقٍ أو مِنْ سَطحِ جَبلٍ أنه شِبهُ عَمدٍ وفيهِ الدِّيةُ (١).
خامِسًا: إنْ أغرَقَه في الماءِ حتَّى ماتَ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيمَن رَمَى غيرَه في الماءِ فغَرقَ حتى ماتَ، هل عليهِ القِصاصُ؟ أم فيه الدِّيةُ؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ والصاحِبانِ مِنْ الحَنفيةِ إلى أنَّ مَنْ رَمى غيرَه في الماءِ فغَرقَ فماتَ وجَبَ فيه القِصاصُ، وذلكَ على تَفصيلٍ عندَهم.
قالَ الصاحِبانِ: إذا ألقاهُ في الماءِ فغَرقَ فعَليهِ القِصاصُ إذا كانَ الماءُ لا يتخلَّصُ منه في الغالِبِ؛ لأنه كالقَتلِ بالنارِ، فيُشترطُ أنْ يَكونَ الماءُ عَظيمًا بحَيثُ لا تُمكنُه النَّجاةُ ليَكونَ عندَهُما عَمدًا مُوجِبًا للقِصاصِ، فلو قَليلًا لا
(١) المَصادِر السابقَة.
يَقتلُ غالبًا أو عَظيمًا تُمكنُ النَّجاةُ منه بالسِّباحةِ بأنْ كانَ غيرَ مَشدودٍ وهو يُحسِنُ السِّباحةَ فهو شِبهُ عَمدٍ (١).
وقالَ المالِكيةُ: مَنْ طرَحَ شَخصًا في نهرٍ وهو لا يُحسِنُ العَومَ في نَفسِ الأمرِ على وَجهِ العَداوةِ والقَتلِ فإنه يُقتلُ به، ولا قَسامةَ، خِلافًا لابنِ الحاجِبِ، وسَواءٌ عَلِمَ الطارحُ أنَّ المَطروحَ يُحسنُ العَومَ أم لا، ومِثلُه مَنْ يُحسِنُه وكانَ الغالِبُ عَدمُ النَّجاةِ لشِّدةِ بَردٍ أو طُولِ مَسافةٍ فغَرقَ فإنه يُقتلُ به، ولا يَكونُ الطَّرحُ في هذهِ الحالةِ إلا عَداوةً.
وإلا بأنْ كانَ يُحسنُ العَومَ وكانَ الغالِبُ نَجاتَه ولم يَكنِ الطرحُ عَداوةً بل كانَ على وَجهِ اللَّعبِ وشبهِهِ وهو لا يُحسنُ العَومَ أو كانَ يُحسِنُه -سَواءٌ كانَ على وَجهِ العَداوةِ أو اللَّعبِ- فلا يُقتلُ به، وله عليهِ دِيةٌ مُخمَّسةٌ لا مُغلَّظةٌ (٢).
وقالَ الشافِعيةُ: إذا ألقاهُ في الماءِ فغَرقَ فيه فهذا على ضَربينِ:
أحَدُهما: أنْ يُلقيَه في لُجةِ بَحرٍ يَبعدُ ساحِلُه، فهذا قاتِلُ عَمدٍ وعليهِ القَودُ، سَواءٌ كانَ يُحسنُ العَومَ أو لا يُحسنُ؛ لأنه بالعَومِ لا يَصلُ إلى الساحِلِ مع بُعدِه.
(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ٢٣٤)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ١٩٤)، و «حاشية ابن عابدين» (٦/ ٥٤٣).
(٢) «التاج والإكليل» (٥/ ٢٢٢)، و «شرح مختصر خليل» (٨/ ٨)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ١٨٦)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٢٢٧، ٢٢٨)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (١٠/ ٤٥).
والضَّربُ الثاني: أنْ يُلقيَه في نَهرٍ أو بَحرٍ يَقربُ مِنْ الساحِلِ، فهذا على ضَربينِ:
أحَدُهما: أنْ يَربطَه أو يُثقلَه حتَّى لا يَقدرَ على الخَلاصِ مِنْ الماءِ غًريقٌ فعَليهِ القَودُ أيضًا، كالمُلقَى في لُجةِ البَحرِ.
والضَّربُ الثاني: أنْ يَكونَ مُطلَقًا غيرَ مَربوطٍ ولا مُثقلٍ، فهذا على ضَربينِ:
أحَدُهما: أنْ لا يُحسنَ العَومَ، فعَليهِ القَودُ أيضًا؛ لأنه لا يَقدرُ على الخَلاصِ.
والضَّربُ الثاني: أنْ يُحسِنَ العومَ فلا يَعومَ، فلا قوَدَ فيهِ؛ لأنه قدَرَ على خَلاصِ نَفسِه، فصارَ مُتلِفًا لها، وهل عليهِ دِيةٌ أم لا؟ فيه قَولانِ: الصَّحيحُ ليسَ عليهِ دِيةٌ.
فلو ألقاهُ في الماءِ فالتَقمَه الحُوتُ فهَذا على ضَربينِ:
أحَدُهما: أنْ يَكونَ الإلقاءُ في ذلكَ الماءِ غيرَ مُوجِبٍ للقَودِ على ما فصَّلْنا، فلا قوَدَ فيه إذا التَقمَه الحُوتُ؛ لأنه تَلفَ مِنْ غيرِه عليهِ، وعليهِ الدِّيةُ؛ لأنه سَببٌ مِنْ جِهتِه أفضَى إلى تَلفِه.
والضَّربُ الثاني: أنْ يكونَ الإلقاءُ في ذلكَ الماءِ مُوجِبًا للقَودِ فالتَقمَه الحُوتُ قبلَ التَلفِ، ففي وُجوبِ القَودِ قَولانِ:
أحَدُهما وهو ظاهِرُ مَنصوصِ الشافِعيِّ: عليهِ القَودُ؛ لأنه لو لم يَلتقمْه الحُوتُ لَوجَبَ، فلمْ يَسقطْ بالتِقامِه.
والقَولُ الثاني حَكاهُ الرَّبيعِ: أنه لا قوَدَ عليهِ؛ لأنَّ مُباشَرةَ تَلفِه حصَلَتْ بغَيرِ فِعلِه، وتَلزمُه الدِّيةُ.
قالَ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: ومِن أصحابِنا مَنْ حمَلَ القَولينِ على اختِلافِ حالَينِ، فالقَولُ الذي أُوجِبَ فيه القَودُ مَحمولٌ على نِيلِ مِصرَ الذي يَغلبُ عليهِ التَّماسيحُ فلا يَسلمُ منها أحَدٌ، والقَولُ الذي أُسقِطَ فيه القَودُ مَحمولٌ على غيرِه مِنْ البِحارِ والأنهارِ التي تَخلو غالبًا مِنْ مِثلِه (١).
وقالَ الحَنابلةُ: إنْ ألقاهُ في ماءٍ يُغرقُه ولا يُمكنُه التَّخلصُ منهُ إما لكَثرةِ الماءِ، وإمَّا لعَجزِه عن التَّخلصِ لمَرضٍ أو صِغَرٍ، أو كَونِه مَربوطًا، أو منَعَه الخُروجَ ونحوَ هذا، أو ألقاهُ في بِئرٍ ذاتِ نَفسٍ فماتَ به عالِمًا بذلكَ فهذا كلُّه عَمدٌ؛ لأنه يَقتلُ غالبًا.
وإنْ ألقاهُ في ماءٍ يَسيرٍ يَقدرُ على الخُروجِ منهُ فلَبثَ فيه اختيارًا حتى ماتَ فلا قَودَ فيه ولا دِيةَ؛ لأنَّ هذا الفِعلَ لم يَقتلْه، وإنما حصَلَ مَوتُه بلُبثِه فيهِ وهو فِعلُ نَفسِه، فلَم يَضمنْه غيرُه.
وإنْ ألقاهُ في لُجةٍ لا يُمكنُه التَّخلصُ منها فالتَقمَه حُوتٌ ففيهِ وَجهانِ:
أحَدُهما: عليهِ القَودُ؛ لأنَّه ألقاهُ في مَهلكةٍ فهلَكَ، فأشبَهَ ما لو غَرقَ فيها.
والثاني: لا قوَدَ عليهِ؛ لأنه لم يَهلكْ بها، أشبَهَ ما لو قتَلَه آدَميٌّ آخَرُ.
(١) «الحاوي الكبير» (١٢/ ٤٢، ٤٣)، و «البيان» (١١/ ٣٣٩، ٣٤٠).
وإنْ ألقاهُ في ماءٍ يَسيرٍ فأكَلَه سَبعٌ أو التَقمَه حُوتٌ أو تِمساحٌ فلا قوَدَ عليهِ؛ لأنَّ الذي فعَلَه لا يَقتلُ غالبًا، وعليهِ ضَمانُه؛ لأنه هلَكَ بفِعلِه (١).
وذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ رحمة الله عليه إلى أنَّ مَنْ ألقَى غيرَه في الماءِ فغَرقَ فماتَ فلا قِصاصَ عليهِ، وتَجبُ الدِّيةُ على العاقِلةِ، وقيلَ: إنْ سبَحَ ذلكَ ساعةً ثم غَرقَ بعدَ ذلكَ لم تَجبِ الدِّيةُ.
وجاءَ في «الفَتاوَى الهِنديَّة»: ذكَرَ شَيخُ الإسلامِ في «شَرح زِياداتِ الأصلِ» أنَّ مَنْ غرَّقَ إنسانًا بالماءِ إنْ كانَ الماءُ قَليلًا لا يَقتلُ مثلُه غالبًا وتُرجَى منه النَّجاةُ بالسِّباحةِ في الغالِبِ فماتَ مِنْ ذلكَ فهو خَطأُ العَمدِ عندَهُم جَميعًا، وأمَّا إذا كانَ الماءُ عَظيمًا إنْ كانَ بحيثُ تُمكنُه النَّجاةُ منه بالسِّباحةِ بأنْ كانَ غيرَ مَشدودٍ ولا مُثقلٍ وهو يُحسنُ السِّباحةَ فماتَ يَكونُ خَطأَ العَمدِ أيضًا، وإنْ كانَ بحَيثُ لا تُمكنُه النَّجاةُ فعَلى قَولِ أبي حَنيفةَ رحمة الله عليه هو خَطأُ العَمدِ ولا قِصاصَ، وعلى قَولهِما هو عَمدُ مَحضٍ ويَجبُ القِصاصُ، كَذا في «المُحِيط».
ولو أخَذَ رَجلٌ رَجلًا فقَمطَه -أي شَدَّ يَديهِ ورِجليهِ بحَبلٍ- ثمَّ ألقاهُ في البَحرِ فرَسبَ في الماءِ وماتَ ثمَّ طَفَا مَيتًا لا يُقتلُ به، وعليهِ الدِّيةُ مُغلَّظةً، وكذا لو غَطَّه في البَحرِ أو في الفُراتِ فلَم يَزلْ يَفعلُ به كذلكَ حتَّى ماتَ.
ولو أنَّ رَجلًا طرَحَ رَجلًا مِنْ سَفينةٍ في البَحرِ أو في دِجلةَ وهو لا يُحسنُ السِّباحةَ فرسَبَ لا يُقتلُ به عندَ أبي حَنيفةَ رحمة الله عليه، وعليهِ الدِّيةُ، وإنِ ارتَفعَ
(١) «المغني» (٨/ ٢١٠، ٢١١)، و «المبدع» (٨/ ٢٤٥)، و «الإنصاف» (٩/ ٤٣٨)، و «كشاف القناع» (٥/ ٥٩٧)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ٩).
ارجع إلى أقسام الجناية للاطلاع على جميع المسائل.