سادسا: إن أحرقه بالنار

الإسلام > الجنايات والحدود > أقسام الجناية > سادسا: إن أحرقه بالنار

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 8 دقيقة قراءة

سادسا: إن أحرقه بالنار - الأقوال والأدلة

ساعةً وسَبحَ ثم غَرقَ وماتَ فإنَّ أبا حَنيفةَ رحمة الله عليه قالَ: ليسَ عليهِ قِصاصٌ ولا دِيةٌ، وكذا جَيدُ السِّباحةِ فأخَذَ يَسبحُ ساعةً طُرحَ في البَحرِ ليَتخلصَ فلَم يَزلْ يَسبحُ حتَّى فتَرَ وغَرقَ وماتَ فلا قوَدَ ولا ديَةَ، ولو أنه حِينَ طُرحَ في الماءِ ولا يُدرَى ماتَ أو خرَجَ ولم يُرَ له أثَرٌ لا شيءَ عَليهِ …

ولو ألقَى رَجلًا في ماءٍ بارِدٍ في يَومِ الشِّتاءِ فكُزَّ ويَبسَ سَاعةَ ألقاهُ فعَليهِ الدِّيةُ، وكذلكَ لو جرَّدَه فجعَلَه في سَطحٍ في يَومٍ شَديدِ البَردِ ولم يَزلْ كذلكَ حتى ماتَ مِنْ البَردِ، وكذلكَ لو قَمطَه وجعَلَه في الثَّلجِ، كذا في «الظَّهيريَّة»، ولو أنَّ رَجلًا قَمطَ رَجلًا أو صَبيًّا ثمَّ وضَعَه في الشَّمسِ فلَم يَتخلصْ حتَّى ماتَ مِنْ حَرِّ الشمسِ فعَليهِ الديَةُ، كذا في «خِزانَة المُفتِين» (١).

سادِسًا: إنْ أحرَقَه بالنارِ:

اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ على أنَّ مَنْ أحرَقَ غيرَه بالنارِ فماتَ فعَليهِ القِصاصُ (٢).

قالَ الحَنفيةُ: إذا أحرَقَه بالنارِ فعَليهِ القِصاصِ، قالَ مُحمدٌ رحمة الله عليه في «الجَامِع الصَّغير»: إذا أحمَى تَنورًا فألقَى فيها إنسانًا أو ألقاهُ في نارٍ لا

(١) «الفتاوى الهندية» (٦/ ٥، ٦)، و «بدائع الصنائع» (٧/ ٢٣٤)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ١٩٤)، و «حاشية ابن عابدين» (٦/ ٥٤٣).
(٢) «بدائع الصنائع» (٧/ ٢٣٤)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ١٩٤)، و «حاشية ابن عابدين» (٦/ ٥٤٣) «الفتاوى الهندية» (٦/ ٥، ٦)، و «المعونة» (٢/ ٢٥٤)، و «التوضيح» (٨/ ٥٣)، و «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (٦/ ١٨٥)، و «البيان» (١١/ ٣٣٩)، و «المغني» (٨/ ٢١٠).

يَستطيعُ الخُروجَ منها فأحرَقَتْه النارُ يَجبُ القِصاصُ، ومَوضوعُ المَسألةِ يُشيرُ إلى أنَّ الإحماءَ يَكفِي وإنْ لم تَكنْ فيه نارٌ.

ولو ألقاهُ في النَّارِ ثمَّ أُخرجَ وبه رَمقٌ فمَكثَ أيامًا ولم يَزلْ صاحِبَ فِراشٍ حتَّى ماتَ قُتلَ، وإنْ كانَ يَجيءُ ويَذهبُ ثمَّ ماتَ لم يُقتلْ، كذا في «فتَاوى قاضِي خانْ».

ولو قَمطَ رَجلًا -أي: شَدَّ يَديهِ ورِجليهِ بحَبلٍ- ثمَّ أغلَى له ماءً في قِدرٍ ضَخمةٍ حتَّى إذا صارَ كأنَّه نارٌ ألقاهُ في الماءِ فسُلخَ ساعةَ ألقاهُ فماتَ قُتلَ به، وإنْ كانَ الماءُ حارًّا لا يَغلي غَليانًا شَديدًا فألقاهُ فيه ثمَّ مكَثَ سَاعةً ثمَّ ماتَ وقد تَنفَّطَ جَسدُه -أي صارَ بهِ نَفطةٌ- أو نضَّجَه الماءُ قُتلَ به، وإلا فَلا، وإنْ هو أُخرجَ مِنْ القِدرِ في هذهِ الوُجوهِ وقد انسَلخَ وماتَ مِنْ ساعَتِه أو مِنْ يَومِه أو مكَثَ أيامًا مَضَينَ يُخافُ عليهِ مِنْ ذلكَ قُتلَ به، وإنْ تَماثلَ حتَّى يَجيءَ ويَذهبَ ثم ماتَ مِنْ ذلكَ لم يُقتلْ وعليهِ الدِّيةُ، وهذا قِياسُ قولِ أبي حَنيفةَ (١).

وقالَ الشافِعيةُ: وإنْ طرَحَه في نارٍ في حَفيرٍ فلم يُمكنْه الخُروجُ منها حتى ماتَ .. وجَبَ عليهِ القَودُ؛ لأنه قتَلَه بما يَقتلُ غالبًا.

وإنْ كانَتِ النارُ في بَسيطٍ مِنْ الأرضِ فإنْ كانَ لا يُمكنُه الخُروجُ منها لكَثرتِها أو لشِدةِ التِهابِها، أو بأنْ كتَفَه وألقاهُ فيها، أو بأنْ كانَ ضَعيفًا لا يَقدرُ

(١) «الجوهرة النيرة» (٥/ ١٩٤)، و «الفتاوى الهندية» (٦/ ٥، ٦)، و «الاختيار» (٥/ ٢٩)، و «البحر الرائق» (٥/ ٣٣٥)، و «اللباب» (٢/ ٢٣٥)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ٣٧٠).

على الخُروجِ .. وجَبَ عليهِ القَودُ؛ لأنه قتَلَه بما يَقتلُ غالبًا، وإنْ أمكَنَه الخُروجُ منها فلمْ يَخرجْ حتَّى ماتَ وهو يَعلمُ إمكانَ الخُروجِ بأنْ يَقولَ: «أنا أَقدرُ على الخُروجِ ولا أَخرجُ» .. لم يَجبِ القَودُ، وهل تَجبُ عليهِ الدِّيةُ؟ فيه قَولانِ:

أحَدُهما: تَجبُ عليهِ الدِّيةُ؛ لأنه ضَمِنَه بطَرحِه في النارِ، فلَم يَسقطْ عنه الضَّمانُ بتَركِه الخُروجَ مع قُدرتِه عليهِ، كما لو جرَحَه جِراحةً وأمكَنَه مُداواتُها، فلَم يُداوِها حتَّى ماتَ.

والثاني: لا تَجبُ عليهِ الدِّيةُ؛ لأنَّ النَّفسَ لم تَخرجْ بالطَّرحِ في النارِ، وإنما خرَجَتْ ببَقائِه فيها باختِيارِه، فهوَ كما لو خرَجَ منها ثمَّ عادَ إليها، ويُفارِقُ ترْكَ المُداواةِ؛ لأنه لم يُحدثْ أمرًا كانَ به التَّلفُ، بخِلافِ بَقائِه في النارِ؛ فإنه أحدَثَ أمرًا حصَلَ به التَّلفُ، ولأنَّ البُرءَ في الدَّواءِ أمرٌ مَظنونٌ، فلمْ تَسقطْ به الدِّيةُ، والسَّلامةُ بالخُروجِ أمرٌ مُتحقِّقٌ، فسقَطَ بتَركِه الضَّمانُ.

فإذا قُلنَا بهذا وجَبَ على الطارحِ أرشُ ما عَمِلتْ فيه النارُ مِنْ حينِ طرَحَه فيها إلى أنْ أمكَنَه الخُروجُ فلَم يَخرجْ (١).

وقالَ الحَنابلةُ: إنْ ألقاه في نار ولا يُمكنُه التَّخلصُ منهُ إما لكَثرةِ النارِ، وإمَّا لعَجزِه عن التَّخلصِ لمَرضٍ أو صِغَرٍ، أو كَونِه مَربوطًا، أو منَعَه الخُروجَ، أو كَونِه في حَفيرةٍ لا يَقدرُ على الصُّعودِ منها ونحوِ هذا فماتَ به عالِمًا بذلكَ فهذا كلُّه عَمدٌ؛ لأنه يَقتلُ غالبًا.

(١) «المهذب» (٢/ ١٧٦)، و «البيان» (١١/ ٣٣٩).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 164 - 166

ارجع إلى أقسام الجناية للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 5.7 / 29.5
الإضاءة 33%
البدر بعد 9 يوم
لا إله إلا الله