الإسلام > الجنايات والحدود > أقسام الجناية > صور هذا النوع من القتل عند الفقهاء الذين قالوا أنه عمد
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 10 دقيقة قراءةصور هذا النَّوعِ مِنْ القَتلِ عندَ الفُقهاءِ الَّذينَ قالُوا أنه عَمدٌ:
لهذا النَّوعِ مِنْ القَتلِ عِدَّةُ صُورٍ أدرَجَها الجُمهورُ في حُكمِ قَتلِ العَمدِ، ومِن هذهِ الصُّورِ ما يلي:
أحَدُها: أنْ يَضربَه بمُثقَّلٍ كَبيرٍ يَقتلُ مثلُه غالِبًا:
ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ وأبو يُوسفَ ومُحمدٌ مِنْ الحَنفيةِ إلى أنَّ الإنسانَ إذا ضرَبَ غيرَه بمُثقلٍ كَبيرٍ يَقتلُ مِثلُه غالبًا -سَواءٌ كانَ مِنْ حَديدٍ كاللَّتِ والسِّندانِ والمِطرقةِ، أو حَجرٍ ثَقيلَ أو خَشبةٍ كَبيرةٍ- فماتَ ففيهِ القِصاصُ وهو قَتلُ عَمدٍ؛ لِما رَوى أنسٌ رضي الله عنه «أنَّ يَهوديًّا قتَلَ جارِيةً على أوضَاحٍ لها فقتَلَها بحَجرٍ، فجِيءَ بها إلى النبيِّ ﷺ وبها رَمقٌ فقالَ: أقتَلَكِ فُلانٌ؟ فأشارَتْ برَأسِها أنْ لا، ثمَّ قالَ الثانِيةَ، فأشارَتْ برَأسِها أنْ لا، ثمَّ سَألَها الثالِثةَ، فأشارَتْ برَأسِها أنْ نَعمْ، فقتَلَه النبيُّ ﷺ بحَجرَينِ» (١)، ولأنه يَقتلُ غالِبًا، فأشبَهَ المُحدَّدَ.
وعن عَمرِو بنِ دِينارٍ أنه سَمعَ طاوُسًا عن ابن عبَّاسٍ عن عُمرَ أنه سَألَ عن قَضيةِ النبيِّ ﷺ في ذلكَ، فقامَ حمَلُ بنُ مالكِ بنِ النابِغةِ فقالَ: «كُنْتُ بينَ امرَأتينِ فضرَبَتْ إحداهُما الأُخرى بمِسطحٍ فقتَلَتْها وجَنينَها، فقَضَى رَسولُ اللهِ ﷺ في جَنينِها بغُرَّةٍ وأنْ تُقتلَ بها» (٢)، قالَ أبو عُبيدٍ:
(١) أخرجه البخاري (٦٤٨٥)، ومسلم (١٦٧٢).
(٢) صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٤٥٧٢)، والنسائي (٤٧٣٩)، وابن ماجه (٢٦٤١)، وأحمد (١٦٧٧٥).
المِسطحُ: عُودٌ مِنْ أعوَادِ الخِباءِ، أي: خَشبةٌ كَبيرةٌ تُركزُ في وَسطِ الخَيمةِ.
ولأنها آلةٌ يُقصدُ بها القَتلُ في الغالِبِ، فجازَ أنْ يَجبَ القَودَ بها، أصلُه المُحدَّدُ، ولأنه تَعمَّدَ قتْلَ مُكافِئٍ لدَمِه ظُلمًا، فأشبَهَ أنْ يَحرقَه بالنارِ، ولأنَّ في إسقاطِ ذلكَ ذَريعةً إلى التَّسرعِ إلى القَتلِ (١).
وحَدَّ الخِرقيُّ مِنْ الحَنابلةِ الخَشبةَ الكَبيرةَ بما فَوقَ عَمودِ الفُسطاطِ، يَعني العُمدَ التي يَتخذُها الأعرابُ لبُيوتِها وفيها دِقةٌ، فأما عُمدُ الخِيامِ فكَبيرةٌ تَقتلُ غالبًا، فلم يُرِدْها الخِرقيُّ، وإنما حَدُّ المُوجِبَ للقِصاصِ ما فَوقَ عَمودِ الفُسطاطِ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ «لمَّا سُئلَ عن المَرأةِ التي ضرَبَتْ ضَرَّتَها بعَمودِ فُسطاطٍ فقتَلَتْها وجَنينَها، قَضَى النبيُّ ﷺ في الجَنينِ بغُرَّةٍ، وقَضَى بالديَةِ على عاقِلتِها»، فعَن المُغيرةِ بنِ شُعبةَ «أنَّ امرَأةً قتَلَتْ ضرَّتَهَا بعَمودِ فُسطاطٍ، فأُتِيَ فيه رَسولُ اللهِ ﷺ، فقَضَى على
(١) «شرح مشكل الآثار» (١٢/ ٤٦٦، ٤٧٠)، و «بدائع الصنائع» (٧/ ٢٣٤)، و «الهداية» (٤/ ١٥٨، ١٥٩)، و «الاختيار» (٥/ ٣١)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ١٩٥، ١٩٧)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ٣٧٠)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٤/ ٩١)، و «شرح مختصر خليل» (٨/ ٧)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ١٨٣، ١٨٥)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٢٢٧)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (١٠/ ٤٣)، و «الحاوي الكبير» (١٢/ ٣٥، ٣٧)، و «المهذب» (٢/ ١٧٦)، و «البيان» (١١/ ٣٣٥، ٣٣٦)، و «شرح صحيح مسلم» (١١/ ١٥٧، ١٥٨)، و «روضة الطالبين» (٦/ ١٣٤)، و «النجم الوهاج» (٨/ ٣٢٨)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٢١٣)، و «تحفة المحتاج» (٩/ ٢٩٢)، و «نهاية المحتاج» (٧/ ٢٨٩)، و «الديباج» (٤/ ٩، ١٠)، و «المغني» (٨/ ٢٠٩، ٢١٠)، و «الكافي» (٤/ ١٢).
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب القصاص
القسم الثاني النظر في الواجب في القصاص
وَالْجُمْهُورُ إِنَّمَا عَلَّلُوا دَرْءَ الْحَدِّ عَنِ الْأَبِ لِمَكَانِ حَقِّهِ عَلَى الِابْنِ، وَالَّذِي يَجِيءُ عَلَى أُصُولِ أَهْلِ الظَّاهِرِ أَنْ يُقَادَ، فَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ فِي الْمُوجِبِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي النَّظَرُ فِي الْوَاجِبِ فِي الْقِصَاصِ
وَأَمَّا الْقَوْلُ فِي الْوَاجِبِ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ لِوَلِيِّ الدَّمِ أَحَدَ شَيْئَيْنِ: الْقِصَاصُ، أَوِ الْعَفْوُ إِمَّا عَلَى الدِّيَةِ وَإِمَّا عَلَى غَيْرِ الدِّيَةِ.
وَاخْتَلَفُوا هَلِ الِانْتِقَالُ مِنَ الْقِصَاصِ إِلَى الْعَفْوِ عَلَى أَخْذِ الدِّيَةِ هُوَ حَقٌّ وَاجِبٌ لِوَلِيِّ الدَّمِ دُونَ أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ خِيَارٌ لِلْمُقْتَصِّ مِنْهُ، أَمْ لَا تَثْبُتُ الدِّيَةُ إِلَّا بِتَرَاضِي الْفَرِيقَيْنِ (أَعْنِي: الْوَلِيَّ وَالْقَاتِلَ) ، وَأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُرِدِ الْمُقْتَصُّ مِنْهُ أَنْ يُؤَدِّيَ الدِّيَةَ لَمْ يَكُنْ لِوَلِيِّ الدَّمِ إِلَّا الْقِصَاصُ مُطْلَقًا أَوِ الْعَفْوُ.
فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَجِبُ لِلْوَلِيِّ إِلَّا أَنْ يَقْتَصَّ أَوْ يَعْفُوَ عَنْ غَيْرِ دِيَةٍ إِلَّا أَنْ يَرْضَى بِإِعْطَاءِ الدِّيَةِ لِلْقَاتِلِ، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْهُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَجَمَاعَةٌ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَدَاوُدُ وَأَكْثَرُ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ: وَلِيُّ الدَّمِ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ اقْتَصَّ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الدِّيَةَ، رَضِيَ الْقَاتِلُ أَوْ لَمْ يَرْضَ، وَرَوَى ذَلِكَ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ، إِلَّا أَنَّ الْمَشْهُورَ عَنْهُ هِيَ الرِّوَايَةُ الْأُولَى.
ارجع إلى أقسام الجناية للاطلاع على جميع المسائل.