عفو الأولياء عن قتل الغيلة

الإسلام > الجنايات والحدود > أقسام الجناية > عفو الأولياء عن قتل الغيلة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 9 دقيقة قراءة

عفو الأولياء عن قتل الغيلة - الأقوال والأدلة

وعنِ الشعبيِّ قالَ: قالَ عُبادةُ بنُ الصامِتِ: سَمعتُ رَسولَ اللهِ يَقولُ: «مَنْ جُرحَ في جَسدِه جِراحةً فتَصدَّقَ بها كفَّرَ اللهُ ﷿ عنه بمِثلِ ما تَصدَّقَ بهِ» (١).

وأمَّا الإجماعُ: فقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على إجازةِ العَفوِ عن القِصاصِ، وأنه أفضَلُ (٢).

وقالَ الزَّركشيُّ رحمة الله عليه: العَفوُ عن القِصاصِ … إجماعٌ وللهِ الحَمدُ، بل هو أفضَلُ (٣).

عَفوُ الأولياءِ عن قَتلِ الغِيلةِ:

لا فرْقَ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ الحَنفيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ بيْنَ قَتلِ الغِيلةِ وغَيرِه في القِصاصِ والعَفوِ، وأنَّ ذلكَ لِلوَليِّ دُونَ السُّلطانِ؛ لعُمومِ قَولِه تعالَى: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣].

وقَولِ النبيِّ : «ومَن قُتِلَ لهُ قَتيلٍ فهوَ بخَيرِ النَّظرَينِ: إمَّا يُؤْدِي، وإمَّا أنْ يُقادَ» (٤)، ولأنَّه قَتيلٌ في غَيرِ المُحارَبةِ فكانَ أمْرُه إلى وَليِّه كسائِرِ القتْلَى (٥).

(١) رواه الإمام أحمد في «مسنده» (٢٢٨٤٤).
(٢) «المغني» (٨/ ٢٧٨).
(٣) «شرح الزركشي» (٣/ ٢٧).
(٤) أخرجه البخاري (١١٢)، ومسلم (١٣٥٥).
(٥) «المغني» (٨/ ٢١٥).

قالَ الإمامُ محمَّدُ بنُ الحَسنِ الشَّيباني رحمة الله عليه: قالَ أبو حَنيفةَ رضي الله عنه: مَنْ قتَلَ رَجلًا عَمدًا قتْلَ غِيلةٍ أو غيرَ غيلةٍ فذلكَ إلى أولياءِ القَتيلِ، فإنْ شاؤُوا قتَلَوا، وإنْ شاؤُوا عَفَوا، وقالَ أهلُ المَدينةِ: إذا قتَلَه قتْلَ غِيلةٍ مِنْ غيرِ نائِرةٍ ولا عَداوةٍ فإنه يُقتلُ، وليسَ لوُلاةِ المَقتولِ أنْ يَعفُوا عنه، وذلكَ إلى السُّلطانِ يَقتلُ فيه القاتلَ.

وقالَ مُحمدُ بنُ الحَسنِ: قَولُ اللهِ ﷿ أصدَقُ مِنْ غَيرِه؛ قالَ اللهُ ﷿: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣)[الإسراء: ٣٣]، وقالَ ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: ١٧٨] إلى قَولِه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾، فلَم يُسَمِّ في ذلكَ قتْلَ الغِيلةِ ولا غيْرَها.

فمَن قُتلَ وَليُّه فهو وَليُّه في دَمِه دُونَ السُّلطانِ، إنْ شاءَ قتَلَ وإنْ شاءَ عفَا، وليسَ إلى السُّلطانِ مِنْ ذلكَ شَيءٌ (١).

وقالَ الإمامُ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: كلُّ مَنْ قُتِلَ في حِرابةٍ أو صَحراءَ أو مِصرٍ أو مُكابَرةٍ، أو قُتِلَ غِيلةً على مالٍ أو غَيرِه، أو قُتِلَ نائِرةً فالقِصاصُ والعَفوُ إلى الأَولياءِ، وليسَ إلى السُّلطانِ مِنْ ذلكَ شَيءٌ، إلَّا الأدبُ إذا عفَا الوَليُّ (٢).

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وقَتلُ الغِيلةِ وغيرُه سَواءٌ في القِصاصِ والعَفوِ، وذلكَ للوليِّ دونَ السُّلطانِ، وبه قالَ أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ وابنُ المُنذرِ.

(١) «الحجة على أهل المدينة» (٤/ ٣٨٢، ٣٨٣).
(٢) «الأم» (٧/ ٣٢٩).

وقالَ مالكٌ: الأمرُ عِندَنا أنْ يُقتلَ به، وليسَ لوليِّ الدمِّ أنْ يَعفوَ عنه، وذلكَ إلى السُّلطانِ، والغيلةُ عندَه أنْ يُخدعَ الإنسانُ فيُدخلَ بيتًا أو نحوَه فيُقتلَ أو يُؤخذُ مالُه، ولَعلَّه يَحتجُّ بقَولِ عُمرَ في الذي قُتلَ غيلةً: «لو تَمالأَ عليهِ أهلُ صَنعاءَ لَأقدْتُهم بهِ»، وبقِياسِه على المُحارِبِ.

ولنا: عُمومِ قولِه تعالَى: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣]، وقُولُ النبيِّ : «فأهلُه بينَ خِيرَتينِ»، ولأنه قَتيلٌ في غيرِ المُحارَبةِ، فكانَ أمرُه إلى وَليِّه كسائرِ القتلَى، وقَولُ عُمرَ: «لَأقدْتُهم به» أي: أمكَنْتُ الوليَّ مِنْ استِيفاءِ القَودِ منهُم (١).

وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنه ليسَ لوليِّ المَقتولِ العَفوُ في قتلِ الغيلةِ، ويُقتلُ به، وليسَ ذلكَ قِصاصًا وإنما لفَسادِه في الأرضِ.

وقَتلُ الغِيلةِ أنْ يَقتلَه ليَأخذَ مالَه كما يَصنعُ قاطعُ الطَّريقِ، لا يَقتلُه لثَائرةٍ ولا عَداوةٍ، سَواءٌ كانَ القَتلُ خِفيةً -كما لو خدَعَه فذهَبَ به لمَحلٍّ فقتَلَه فيه لأخذِ المالِ- أو كانَ ظاهِرًا على وَجهٍ يَتعذرُ معه الغَوثُ -وإنْ كانَ الثاني يُسمَّى حِرابةً-، ولا يُقتلُ به قِصاصًا، بل للفَسادِ، ولذا قالَ الإمامُ مالكٌ: لا عفْوَ فيه ولا صُلحَ، وصُلحُ الوليِّ مَردودٌ والحُكمُ فيه للإمامِ (٢).

(١) «المغني» (٨/ ٢١٥).
(٢) «شرح صحيح البخاري» (٨/ ٥٦٥)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٤/ ٨١، ٨٢)، و «التاج والإكليل» (٥/ ٢١٧)، و «شرح مختصر خليل» (٨/ ٣)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ١٧٧، ١٧٨)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٢٢٢).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المجموع شرح المهذب · النووي · كتاب الجنايات
باب العفو عن القصاص

(مسألة) قوله من وجب عليه قتل بكفر أو ردة الخ، فجملة ذلك أنه إذا وجب عليه قتل بقصاص أو كفر أو زنا أو التجأ إلى الحرم قتل ولم يمنع الحرم منه.

وقال أبو حنيفة.

لا يستوفى منه القصاص ولا الرجم في الحرم، ولكن لا يباع ولا يشترى ولا يكلم حتى يخرج من الحرم ويستوفى منه القصاص والحد دليلنا قوله تعالى " وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس " ولم يفرق، وقوله تعالى " فاقتلوهم حيث ثقفتموهم " وهذا عام لانه قتل لا يوجب الحرم ضمانه فلم يمنع منه كقتل الحية والعقرب فيه احتراز من قتل الصيد (فرع)

إذا قتل رجل رجلا عمدا فمات القاتل قبل أن يقتص منه ولى المقتول أو قتله رجل غير ولى المقتول وجبت دية المقتول في مال القاتل، وبه قال أحمد.

وقال أبو حنيفة يسقط حقه، دليلنا قوله صلى الله عليه وسلم " فمن قتل بعده قتيلا فأهله بين خيرتين إن أحبوا قتلوا وان أحبوا أخذوا الدية " وقوله " بين خيرتين " أي شيئين إذا تعذر أحدهما تعين له الآخر، كما قلنا في كفارة اليمين.

وان وجب له القصاص في طرف فزال الطرف قبل استيفاء القصاص كان له أرش الطرف في مال الجاني لما ذكرناه في النفس وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:

باب العفو عن القصاص

ومن وجب عليه القصاص وهو جائز التصرف فله أن يقتص وله أن يعفو على المال، لما روى أبو شريح الكعبي " إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ثم أنتم يا خزاعة قد قتلم هذا القتيل من هذيل، وأنا والله عاقله، فمن قتل بعده قتيلا فأهله بين خيرتين، ان أحبوا قتلوا وان أحبوا أخذوا الدية " فإن عفا مطلقا بنينا على ما يجب بقتل العمد.

وفيه قولان

(أحدهما)

أن موجب قتل العمد القصاص وحده، لا تجب الدية الا بالاخپتيار.

والدليل عليه قوله عز وجل " كتب عليكم القصاص في القتلى، الحر بالحر والعبد بالعبد " ولان ما ضمن بالبدل في حق الآدمى ضمن ببدل معين كالمال

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 218 - 220

ارجع إلى أقسام الجناية للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
الله أكبر