عقوبة العائن إذا قتل بعينه

الإسلام > الجنايات والحدود > أقسام الجناية > عقوبة العائن إذا قتل بعينه

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 12 دقيقة قراءة

عقوبة العائن إذا قتل بعينه - الأقوال والأدلة

وقالَ الحَنابلةُ: وإنْ وجَبَ قتلُه كانَ قتلُه حَدًّا، وقيلَ: يُقتلُ قِصاصًا.

وتَجبُ ديَةُ المَقتولِ في تَركةِ الساحرِ كما لو ماتَ أو قُتلَ بغيرِ السحر؟؛ لأنه يُقتلُ حَدًّا لا قِصاصًا على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ (١).

وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ الساحرَ إذا قتَلَ بسِحرِه ولا يَعتقدُ صِحةَ ذلكَ؛ فإنْ كانَ هو الفاعلَ بنَفسِه فقد قتَلَ بغيرِ الحَديدِ، فإنْ تكرَّرَ منه قُتلَ على وَجهِ الحَملِ لسَعيهِ في الأرضِ بالفسادِ، وإنْ لم يَتكرَّرْ فِعلُه فعَليهِ الدِّيةُ كقاتلٍ بغَيرِ الحَديدِ، وإنْ كانَ المَسحورُ يَتناولَ ذلكَ بنَفسِه فلا قوَدَ على عاقلِ السَّببِ، كما لو ناوَلَ غيرَه السمَّ فأكَلَه (٢).

عُقوبةُ العائِنِ إذا قتَلَ بعَينِه:

قالَ المالِكيةُ والحَنابلةُ: إذا أتلَفَ العائنُ شَيئًا فإنه يَضمنُه، أما إذا قتَلَ بعَينهِ فعَليهِ القصاصِ أو الدِّيةُ إذا تكرَّرَ منه ذلكَ بحَيثُ يَصيرُ عادةً.

وقالَ الدُّسوقيُّ رحمة الله عليه: يُقتصُّ مِنْ العائنِ القاتلِ عَمدًا بعَينِه إذا عُلمَ ذلكَ منه وتكرَّرَ (٣).

(١) «المغني» (٨/ ٢١٢، ٢١٣)، و «الكافي» (٤/ ١٦)، و «الإنصاف» (٩/ ٤٤١)، و «كشاف القناع» (٥/ ٦٠٠)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ١١)، و «مطالب أولي النهى» (٦/ ١٠)، و «المهذب» (٢/ ١٧٧)، و «البيان» (١١/ ٣٤٨، ٣٤٩)، و «شرح مختصر خليل» (٨/ ٣٠)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٢٦١)، و «شرح الزرقاني» (٤/ ٤٠٧).
(٢) «التجريد» للقدوري (١١/ ٥٨٢٥)، و «عمدة القاري» (٢١/ ٢٦٧).
(٣) «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (٦/ ١٨٩).

وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ رحمة الله عليه: لو أتلَفَ العائنُ شَيئًا ضَمِنَه، ولو قتَلَ فعَليهِ القصاصُ أو الدِّيةُ إذا تكرَّرَ ذلكَ منه بحَيثُ يكونُ عادةً، وهو في ذلكَ كالساحرِ عندَ مَنْ لا يَقتلُه كُفرًا. انتَهى (١).

وقالَ الحافظُ ابن حجر رحمة الله عليه: الإصابةُ بالعَينِ قد تَقتلُ، وقد اختُلفَ في جَرَيانِ القِصاصِ بذلكَ، فقالَ القُرطبيُّ: لو أتلَفَ العائنُ شَيئًا ضَمِنَه، ولو قتَلَ فعَليهِ القصاصُ أو الدِّيةُ إذا تكرَّرَ ذلكَ منه بحَيثُ يَصيرُ عادةً، وهو في ذلكَ كالساحِرِ عندَ مَنْ لا يَقتلُه كُفرًا. انتهى

ولم يَتعرَّضِ الشافِعيةُ للقصاصِ في ذلكَ، بل مَنَعوهُ وقالَوا: إنه لا يَقتلُ غالبًا ولا يُعَدُّ مُهلِكًا، وقالَ النَّوويُّ في «الرَّوضَة»: ولا ديَةَ فيه ولا كفَّارةَ؛ لأنَّ الحُكمَ إنما يَترتبُ على مُنضبطٍ عامٍّ دونَ ما يَختصُّ ببَعضِ الناسِ في بَعضِ الأحوالِ ممَّا لا انضِباطَ له، كَيفَ ولم يَقعْ منه فِعلٌ أصلًا؟ وإنما غايَتُه حَسدٌ وتَمنٍّ لزَوالِ نِعمةٍ، وأيضًا فالذي يَنشأُ عن الإصابةِ بالعَينِ حُصولُ مَكروهٍ لذلكَ الشَّخصِ، ولا يتعيَّنُ ذلكَ المَكروهُ في زَوالِ الحَياةِ، فقدْ يَحصلُ له مَكروهٌ بغَيرِ ذلكَ مِنْ أثَرِ العَينِ. اه

ولا يُعكِّرُ على ذلكَ إلا الحُكمُ بقَتلِ الساحرِ؛ فإنه في مَعناهُ، والفَرقُ بينَهُما فيه عُسرٌ، ونقَلَ ابنُ بطَّالٍ عن بَعضِ أهلِ العِلمِ: فإنه يَنبغي للإمامِ مَنعُ العائنِ إذا عُرِفَ بذلكَ مِنْ مُداخَلةِ الناسِ وأنْ يَلزمَ بَيتَه، فإنْ كانَ فَقيرًا رزَقَه

(١) نقلًا من «فتح الباري» (١٠/ ٢١٥)، وانظُرْ: «الزرقاني على الموطأ» (٤/ ١٥٠)، و «الدسوقي» (٤/ ٢٤٥).

ما يَقومُ به، فإنَّ ضرَرَه أشَدُّ مِنْ ضَررِ المَجذومِ الذي أمَرَ عُمرُ رضي الله عنه بمَنعِه مِنْ مُخالَطةِ الناسِ كمَا تقدَّمَ واضِحًا في بابِه، وأشَدُّ مِنْ ضَررِ الثومُ الذي منَعَ الشارعُ آكِلَه مِنْ حُضورِ الجَماعةِ، قالَ النَّوويُّ: وهذا القَولِ صَحيحٌ مُتعيِّنٌ لا يُعرَفُ عن غيرِه تَصريحٌ بخِلافِه (١).

وقالَ الإمامُ البُهوتيُّ رحمة الله عليه: والمِعيانُ الذي يَقتلُ بعَينِه، قالَ ابنُ نَصرِ اللهِ في «حَواشِي الفُروعِ»: يَنبغِي أنْ يُلحَقَ بالساحرِ الذي يَقتلُ بسِحرِه غالبًا، فإذا كانَتْ عَينُه يَستطيعُ القتلَ بها ويَفعلُه باختيارِه وجَبَ به القِصاصُ؛ لأنه فعَلَ به ما يَقتلُ غالبًا.

وإنْ فعَلَ ذلكَ بغيرِ قَصدِ الجِنايةِ فيَتوجَّهُ أنه خَطأٌ يَجبُ فيه ما يَجبُ في القتلِ الخَطأِ، وكذا ما أتلَفَه بعَينِه يَتوجَّهُ فيه القَولُ بضَمانِه، إلا أنْ يقَعَ بغيرِ قَصدٍ فيَتوجَّهُ عَدمُ الضَّمانِ. انتَهى

وقالَ ابنُ القيِّمِ في «شَرح مَنازلِ السائرِينَ»: إنْ كانَ ذلكَ بغيرِ اختيارِه بل غلبَ على نَفسِه لم يُقتصَّ منه وعليهِ الدِّيةُ، وإنْ عَمدَ ذلكَ وقدَرَ على رَدِّه وعَلِمَ أنه يَقتلُ به ساغَ للوالِي أنْ يَقتلَه بمِثلِ ما قتَلَ به، فيُعِينُه إنْ شاءَ كما أعانَ هو المَقتولَ، وأما قَتلُه قِصاصًا بالسيفِ فلا؛ لأنه غَيرُ مُماثلٍ للجِنايةِ، قالَ: وسألتُ شَيخَنا عن القتلِ بالحالِ هل يُوجِبُ القصاصَ؟ فقالَ: للوليِّ أنْ يَقتلَه بالحالِ التي قتَلَ به.

(١) «فتح الباري» (١٠/ ٢٠٥)، و «شرح الزرقاني» (٤/ ٤٠٧).

وفرَّقَ ابنُ القيِّمِ في المَشهدِ الثاني مِنْ المَشاهدِ بينَ العائنِ والساحِرِ مِنْ وَجهينِ.

والعَينُ: نَظرٌ باستِحسانٍ مَشوبٌ بحَسدٍ مِنْ خَبيثِ الطَّبعِ يَحصلُ للمَنظورِ منه ضَررٌ، قالَ بعضُهم: وإنما يَحصلُ ذلكَ مِنْ سُمٍّ يَصلُ مِنْ عينِ العائِنِ مِنْ الهَواءِ إلى بَدنِ المَعيونِ، ونَظيرُ ذلكَ أنَّ الحائضَ تَضعُ يَدَها في إناءِ اللَّبنِ يُفسِدُه، ولو وَضعَتْه بعدَ طُهرِها لم يَفسدْ، وأنَّ الصَّحيحَ يَنظرُ في عَينِ الأرمَدِ فيَرمَدُ، ويَتثاءَبُ واحدٌ بحَضرتِه فيَتثاءبُ، قالَه الحافِظُ في «فَتح البارِي» (١).

وذهَبَ الشافِعيةُ وكذا الحَنفيةُ إلى أنَّ مَنْ أصابَ غيرَه بالعَينِ واعتَرفَ بأنه قتَلَه بالعَينِ فلا قِصاصَ وإنْ كانَتِ العَينُ حقًّا؛ لأنه لا يُفضِي إلى القتلِ غالبًا ولا يُعَدُّ مُهلِكًا.

ولا دِيةَ فيه أيضًا ولا كفَّارةَ، ويُستحبُّ للعائِنِ أنْ يَدعوَ للمَعِينِ بالبَركةِ فيَقولَ: «اللهُمَّ بارِكْ فيه ولا تَضرَّهُ، وأنْ يَقولَ: ما شاءُ اللهُ لا قوَّةَ إلا باللهِ»، وفي «صَحيح مُسلمٍ»: أنَّ رَسولَ اللهِ قالَ: «العَينُ حَقٌّ، وإذا استُغسِلْتُم فاغسِلُوا» (٢).

قالَ العُلماءُ: الاستِغسالُ أنْ يُقالَ للعائنُ: «اغسِلْ داخِلةَ إزارِكَ ممَّا يَلي الجِلدَ بماءٍ»، ثم يَصبُّ على المَعينِ.

(١) «كشاف القناع» (٥/ ٦٠٠)، و «مدارج السالكين» (١/ ٤٠٢)، و «فتح الباري» (١٠/ ٢١٠، ٢١٥).
(٢) أخرجه مسلم (٢١٨٨).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الحدود
كتاب السرقة

أَبُو يُوسُفَ: أَقْطَعُهُمَا جَمِيعًا.

(أَمَّا) عَدَمُ وُجُوبِ الْقَطْعِ عَلَى الدَّاخِلِ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رحمة الله عليه ؛ فَلِعَدَمِ الْإِخْرَاجِ مِنْ الْحِرْزِ، يُحَقِّقُهُ أَنَّهُ لَوْ أَخْرَجَ يَدَهُ، وَنَاوَلَ صَاحِبًا لَهُ لَمْ يُقْطَعْ، فَعِنْدَ عَدَمِ الْإِخْرَاجِ أَوْلَى، وَالْوُجُوبُ عَلَيْهِ عَلَى أَصْلِ أَبِي يُوسُفَ رحمة الله عليه لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ.

(وَأَمَّا) الْكَلَامُ فِي الْخَارِجِ فَمَبْنِيٌّ عَلَى مَسْأَلَةٍ أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّ السَّارِقَ إذَا نَقَبَ مَنْزِلًا، وَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ، وَأَخْرَجَ الْمَتَاعَ، وَلَمْ يَدْخُلْ فِيهِ هَلْ يُقْطَعُ؟ ذَكَرَ فِي الْأَصْلِ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ، وَلَمْ يَحْكِ خِلَافًا، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ فِي الْإِمْلَاءِ: " أَقْطَعُ وَلَا أُبَالِي دَخَلَ الْحِرْزَ، أَوْ لَمْ يَدْخُلْ " ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا نَقَبَ وَدَخَلَ، وَجَمَعَ الْمَتَاعَ عِنْدَ النَّقْبِ، ثُمَّ خَرَجَ، وَأَدْخَلَ يَدَهُ فَرَفَعَ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 192 - 195

ارجع إلى أقسام الجناية للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله