الإسلام > الجنايات والحدود > أقسام الجناية > قتل المسلم بالكافر
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 11 دقيقة قراءةإلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا في مَسألةٍ وهي:
قَتلُ المُسلمِ بالكافِرِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو قتَلَ مُسلمٌ ذِميًّا مَعصومَ الدمِ، هل يُقتلُ به مُطلَقًا؟ أم لا يُقتلُ به مُطلَقًا؟ أم يُقتلُ به إذا قتَلَه غِيلةً ولا يُقتلُ به إذا لم يَقتلْه غِيلًة؟ على ثَلاثةِ أقوالٍ للفُقهاءِ:
القَولُ الأولُ: أنَّ المُسلمَ إذا قتَلَ كافِرًا ذِميًّا مَعصومَ الدمِ لا يقتلُ به، وهو مَذهبُ الشافِعيةِ والحَنابلةِ وأكثَرِ أهلِ العِلمِ؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ: «المُسلمُونَ تَتكافأُ دِماؤُهم، يَسعَى بذِمَّتِهم أدناهُمْ، ويُجيرُ عليهِم أقصَاهُم، وهُم يَدٌ على مَنْ سِواهُم، يَردُّ مُشدُّهُم على مُضعفِهم، ومُتسرِّعُهم على قاعدِهِم، لا يُقتلُ مُؤمنٌ بكافِرٍ ولا ذو عَهدٍ في عَهدِهِ» (١).
وعن أبي جُحيفةَ قالَ: سَألتُ عَليًّا رضي الله عنه: هل عِندكُم شَيءٌ ما ليسَ في القُرآنِ؟ -وقالَ مرَّةً: ما ليسَ عندَ الناسِ؟ - فقالَ: «والذِي فلَقَ الحَبَّةَ وبرَأَ النَّسمةَ ما عِندَنا إلا ما في القُرآنِ إلا فَهمًا يُعطَى رَجلٌ في كِتابِه وما في الصَّحيفةِ، قلتُ: وما في الصَّحيفةِ؟ قالَ: العَقلُ وفِكَاكُ الأسِيرِ وأنْ لا يُقتلَ مُسلِمٌ بكافرٍ» (٢)، ولأنه مَنقوصٌ بالكُفرِ، فلا يُقتلُ به المُسلمُ كالمُستأمنِ؛
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢٧٥١، ٤٥٣٠)، والنسائي (٤٧٣٥، ٤٧٤٦)، وابن ماجه (٢٦٦٠)، وأحمد (٦٩٧٠).
(٢) أخرجه البخاري (٦٥٠٧).
لأنه ناقِصٌ بالكُفرِ كالحَربيِّ والمُستأمنِ، ولأنه حَدٌّ لا يَجبُ استِيفاؤُه إلا بالمُطالَبةِ، فلَم يَجبْ لكافرٍ على مُسلمٍ كحَدِّ القذفِ (١).
ولأنهم أجمَعُوا أنه لا يُقادُ الكافرُ مِنْ المُسلمِ فيما دُونَ النفسِ مِنْ الجِراحِ، فالنَّفسُ بذلكَ أحرَى (٢).
القَولُ الثانِي: ذهَبَ الإمامُ مالكٌ إلى نَفسِ قَولِ الشافِعيةِ والحَنابلةِ أنَّ المُسلمَ إذا قتَلَ كافِرًا -أيَّ كافرٍ كانَ- لا يُقتلُ به إلا إذا قتَلَ المُسلمُ الذِّميَّ غِيلةً فإنه يُقتلُ به، وقَتلُ الغِيلةِ أنْ يَقتلَه ليَأخذَ مالَه كما يَصنعُ قاطعُ الطَّريقِ، لا يَقتلُه لثائرةٍ ولا عَداوةٍ، سَواءٌ كانَ القتلُ خِفيةً كما لو خدَعَه فذهَبَ به لمَحلٍّ فقتَلَه فيه لأخذِ المالِ، أو كانَ ظاهِرًا على وَجهٍ يَتعذرُ معَه الغَوثُ، وإنْ كانَ الثاني يُسمَّى حِرابةً، ولا يُقتلُ به قِصاصًا، بل للفَسادِ، ولذا قالَ الإمامُ مالكٌ: لا عفْوَ فيه ولا صُلحَ، وصُلحُ الوليِّ مَردودٌ، والحُكمُ فيه للإمامِ (٣).
القَولُ الثالِثُ: وهو قَولُ الحَنفيةِ: أنَّ المُسلمَ إذا قتَلَ ذِميًّا يُؤدِّي الجِزيةَ وتَجرِي عليهِ أحكامُ الإسلامِ فإنه يُقتلُ به قِصاصًا؛ لعُموماتِ القِصاصِ مِنْ
(١) «البيان» (١١/ ٣٠٥، ٣٠٧)، و «المغني» (٨/ ٢١٨)، و «كشاف القناع» (٦/ ٦١٨)، و «منار السبيل» (٣/ ٢٢٦، ٢٢٨).
(٢) «الاستذكار» (٨/ ١٢٤).
(٣) «شرح صحيح البخاري» (٨/ ٥٦٥)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٤/ ٨١، ٨٢)، و «التاج والإكليل» (٥/ ٢١٧)، و «شرح مختصر خليل» (٨/ ٣)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ١٧٧، ١٧٨)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٢٢٢).
نَحوِ قولِه تبارك وتعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨]، وقَولِه ﷾: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، وقَولِه جَلَّتْ عَظمَتُه: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣] مِنْ غيرِ فَصلٍ بينَ قَتيلٍ وقَتيلٍ ونَفسٍ ونَفسٍ ومَظلومٍ ومَظلومٍ، فمَن ادَّعَى التَّخصيصَ والتقييدَ فعَليهِ الدليلُ.
وقَوله ﷾ عَزَّ مِنْ قائلٍ: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]، وتَحقيقُ معنَى الحَياةِ في قَتلِ المُسلمِ بالذِّميِّ أبلَغُ منه في قَتلِ المُسلمِ بالمُسلمِ؛ لأنَّ العَداوةَ الدِّينيةَ تَحملُه على القَتلِ، خُصوصًا عندَ الغَضبِ، ويَجبُ عليهِ قَتلُه لغُرمائِه، فكانَتِ الحاجَةُ إلى الزاجِرِ أمَسَّ، فكانَ في شَرعِ القِصاصِ فيه في تَحقيقِ معنَى الحَياةِ أبلَغَ.
ولِما رَواهُ ابنُ عُمرَ «أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ قتَلَ مُسلِمًا بمُعاهَدٍ، وقالَ: أنَا أكرَمُ مَنْ وَفَى بذِمَّتِه» (١)، ولأنَّ المُساواةَ في العِصمةِ ثابتةٌ نَظرًا إلى التَّكليفِ والدارِ، والمُبيحُ كُفرُ المُحارِبِ دونَ المُسالِمِ، ولأنهُم إنما أعطَوُا الجِزيةَ لتَكونَ أموالُهم كأموالِنا ودِماؤُهم كدِمائِنا، ولاستِوائِهما في العِصمةِ المُؤبَّدةِ، ولأنَّ عدَمَ القِصاصِ تَنفيرٌ لهم عن قَبولِ عَقدِ الذمَّةِ، وفيه مِنْ الفَسادِ ما لا يَخفَى.
ولأنه لا خِلافَ في أنَّ المُسلمَ إذا سرَقَ مِنْ الذميِّ فإنه يُقطعُ، فكذا إذا قتَلَه.
(١) ضَعِيفٌ: رواه الدارقطني (٣٢٥٩)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١٥٦٩٥).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الحدود
١٥٧٥ - مسألة؛ قال: (ومن قذف أم النبي -صلى الله عليه وسلم- قتل، مسلما كان أو كافرا)
مَيِّتَةً، ولأنَّ معنى هذا أنَّ أُمَّكَ زَنَتْ، فأتَتْ بِكَ من الزِّنَى، فإذا كان الزِّنَى مَنْسُوبًا إليها، كانتْ هي المقذُوفةَ دُونَ ولدِها. ولَنا، ما ذكرْناه، ولأنَّه لو كان القَذْفُ لها، لم يجبِ الحَدُّ؛ لأنَّ الكافِرَ لا يَرِثُ المسلمَ، والعبدَ لا يرِثُ الحُرَّ، ولأنَّهم لا يُوجِبُونَ الحَدَّ بقَذْفِ مَيِّتَةٍ بحالٍ، فيَثْبُتُ أنَّ القذفَ له، فيُعْتَبَرُ إحْصانُه دونَ إحْصانِها. واللهُ أعلمُ.
فصل: وإن قُذِفَتْ جَدَّتُه، فقياسُ قولِ الْخِرَقِىِّ، أنَّه كَقَذْفِ أُمِّه، إن كانتْ حَيَّةً، فالحَقُّ لها، ويُعْتَبَرُ إحْصانُها ، وليس لغيرِها المُطالَبَةُ عنها. وإن كانتْ مَيِّتَةً، فلَه المُطالَبَةُ إذا كان مُحْصَنًا؛ لأنَّ ذلك قَدْحٌ في نَسَبِه. فأمَّا إن قَذَفَ أباه، أو جَدَّه، أو أحدًا من أقاربِه غيرَ أمهاتِه بعدَ مَوْتِه، لم يجبِ الحَدُّ بقَذْفِه، في ظاهِرِ كلامِ الْخِرَقِىِّ؛ لأنَّه إنَّما أوجَبَ الحَدَّ بقَذْفِ أُمِّه حقًّا له، لِنَفْىِ نَسَبِه، لا حَقًّا للمَيِّتِ، ولهذا لم يُعْتَبَرْ إحْصانُ المَقْذوفَةِ، واعْتُبِرَ إحْصانُ الولَدِ، ومتى كان المَقْذُوفُ من غيرِ أُمَّهاتِه، لم يتضَمَّنْ نَفْىَ نَسَبِه، فلم يجبِ الحَدُّ. وهذا قولُ أبي بكرٍ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. وقال الشافعيُّ: إنْ كانَ الميِّتُ مُحْصَنًا، فَلِوَلِيِّه المُطالَبَةُ به، وينقَسِمُ انْقِسامَ الميراثِ؛ لأنَّه قَذَفَ مُحْصَنًا، فيجبُ الحَدُّ على قاذِفِه، كالحَىِّ. ولَنا، أنَّه قَذْفُ من لا يُتَصَوَّرُ منه المُطالَبَةُ، فلم يجبِ الحَدُّ بَقْذَفِهِ، كالمجنونِ، أو نقولُ: قَذف مَنْ لا يَجِبُ الحَدُّ له، فلم يجبْ، كقَذْفِ غيرِ المُحْصَنِ، وفارَقَ قَذْفَ الحَىِّ، فإنَّ الحَدَّ يجبُ له.
١٥٧٥ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ قَذَفَ أُمَّ النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قُتِلَ، مُسْلِمًا كَانَ أو كَافِرًا)
ارجع إلى أقسام الجناية للاطلاع على جميع المسائل.