كيفية القصاص في النفس: (قتل القاتل بما قتل به)

الإسلام > الجنايات والحدود > أقسام الجناية > كيفية القصاص في النفس: (قتل القاتل بما قتل به)

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 20 دقيقة قراءة

كيفية القصاص في النفس: (قتل القاتل بما قتل به) - الأقوال والأدلة

ولأنَّ مَحبَّةَ الوَلدِ لوالِدِه لمَّا كانَتْ لمَنافعَ تَصلُّ إليه مِنْ جِهتِه لا لعَينِه، فربَّما يَقتلُ الوالدَ ليَتعجَّلَ الوُصولَ إلى أملاكِه، لا سيَّما إذا كانَ لا يَصلُ النفعُ إليه مِنْ جِهتِه لعَوارضَ، ومثلُ هذا يَندرُ في جانبِ الأبِ (١).

كَيفيةُ القِصاصِ في النَّفسِ: (قَتلُ القاتِلِ بما قتَلَ به):

اختَلفَ الفُقهاءُ في كَيفيةِ القِصاصِ مِنْ القاتِلِ، هل يُقتَصُّ منه بمِثلِ ما قتَلَ به القتيلَ، فإذا قتَلَه حَرقًا فإنه يُحرقُ بالنارِ، وإذا قتَلَه غَرقًا فإنه يُغرقُ بالماءِ مَثلًا؟ أم لا قِصاصَ إلا بالسَّيفِ؟

بعدَ اتِّفاقِهم جَميعًا على أنَّ أهلَ القَتيلِ إذا قَتَلوهُ بالسَّيفِ جازَ، وأيضًا اتَّفقُوا على أنه إذا قتَلَه بالسَّيفِ لا يَجوزُ قَتلُه إلا بالسَّيفِ، لكنَّ الخِلافَ هل إذا قتَلَه بغيرِ السَّيفِ يُقتلُ بمِثلِ ما قتَلَه؟ أم لا بُدَّ مِنْ السَّيفِ؟

فذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه لا قِصاصَ إلا بالسَّيفِ، سَواءٌ قتَلَه به أو بغَيرِه مِنْ المُحدَّدِ أو النارِ؛ لقَولِ النبيِّ : «لا قَوَدَ إلا بالسَّيفِ» (٢)، وهذا تَنصيصٌ على نفيِ وُجوبِ القَودِ واستيفاءِ القَودِ بغيرِ السَّيفِ، والمُرادُ بالسَّيفِ السلاحُ؛ وذلكَ لأنَّ المُرادَ مِنْ السِّلاحِ في الاستِيفاءِ الحَديدُ المُحدَّدُ كالخِنجرِ والسكِّينِ، وإنما كَنَّى بالسَّيفِ عن السِّلاحِ لأنَّ المُعَدَّ للقِتالِ على الخُصوصِ مِنْ بينِ الأسلِحةِ السَّيفُ؛. فإنه لا يُرادُ به لشَيءٍ آخَرَ سِوى القِتالِ، وقد يُرادُ بسائرِ الأسلِحةِ مَنافعُ سِواهُ،

(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ٢٣٥).
(٢) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه ابن ماجه في «سننه» (٢٦٦٧، ٢٦٦٨).

وهو معنَى قولِه : «بُعثْتُ بالسَّيفِ بينَ يَدَيِ الساعةِ»، يعنِي السلاحَ الذي هو آلةُ القِتالِ.

ولأنَّ استِحقاقَ القَتلِ يَمنعُ مِنْ استِيفائِه بغَيرِ السَّيفِ كالمُرتدِّ وكالقاتِلِ بالسَّيفِ، ولأنَّ تَفويتَ النُّفوسِ المُباحةِ لا يَجوزُ إلا بالمُحدَّدِ كالذَّبائحِ، مع أنَّ نُفوسَ الآدميِّينَ أغلَظُ حُرمةً مِنْ نُفوسِ البَهائمِ.

ولأنَّ القِصاصَ أحَدُ بَدَلي النَّفسِ فدخَلَ الطَّرفُ في حُكمِ الجُملةِ كالدِّيةِ؛ فإنه لو صارَ الأمرُ إلى الدِّيةِ لم تَجبْ إلا دِيةُ النفسِ، ولأنَّ القَصدَ مِنْ القِصاصِ في النَّفسِ تَعطيلُ الكلِّ وإتلافُ الجُملةِ، وقد أمكَنَ هذا بضَربِ العُنقِ، فلا يَجوزُ تَعدِيتُه بإتلافِ أطرافِه، كما لو قتَلَه بسَيفٍ كالٍّ فإنه لا يُقتلُ بمِثلِه.

وإنْ أرادَ الوَليُّ أنْ يَقتلَ بغيرِ السَّيفِ لا يُمكَّنُ، ولو فعَلَ يُعزَّرُ، لكنْ لا ضَمانَ عليهِ، ويَصيرُ مُستوفِيًا بأيِّ طَريقٍ قتَلَه، سواءٌ قتَلَه بالعَصا أو بالحَجرِ أو ألقاهُ مِنْ السَّطحِ أو ألقاهُ في البئرِ أو ساقَ عليهِ دابَّةً حتى ماتَ ونحوَ ذلكَ؛ لأنَّ القتلَ حقُّه، فإذا قتَلَه فقدِ استَوفَى حقَّه بأيٍّ طَريقٍ كانَ، إلا أنه يَأثمُ بالاستِيفاءِ لا بطَريقٍ مَشروعٍ؛ لمُجاوَزتِه حَدَّ الشَّرعِ.

وله أنْ يَقتلَ بنَفسِه وبنائبِه بأنْ يَأمرَ غيرَه بالقَتلِ؛ لأنَّ كلَّ أحَدٍ لا يَقدرُ على الاستِيفاءِ بنَفسِه إما لضَعفِ بَدنِه أو لضَعفِ قَلبِه أو لقلَّةِ هِدايتِه إليه، فيَحتاجُ إلى الإنابةِ، إلا أنه لا بُدَّ مِنْ حُضورِه عندَ الاستِيفاءِ (١).

(١) «أحكام القرآن» (١/ ١٩٨، ٢٠٠)، و «المبسوط» (٢٦/ ١٢٢)، و «بدائع الصنائع» (٧/ ٢٤٥، ٢٤٦)، و «الهداية» (٤/ ١٦١)، و «البناية شرح الهداية» (١٣/ ٨٦، ٨٧)، و «الاختيار» (٥/ ٣٥)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٢١١)، و «المغني» (٨/ ٢٤٠)، و «الكافي» (٤/ ٤٢)، و «المبدع» (٨/ ٢٩٢)، و «الإنصاف» (٩/ ٤٩٠)، و «منار السبيل» (٣/ ٢٣٨، ٢٣٩).

وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في رِوايةٍ اختَارَها شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ إلى أنه يُقتلُ كلُّ قاتلٍ بما قتَلَ به، فمَن قتَلَ غيرَه بالتَّحريقِ حُرِّقَ بالنارِ حتى يَموتَ، ومَن قتَلَ غيرَه بسُمٍّ قُتِلَ به، ومَن قتَلَ غيرَه بضَربٍ بحَجرٍ قُتلَ بما ما قتَلَ به.

واستَدلُّوا على ذلكَ بالكِتابِ والسُّنةِ.

أمَّا الكِتابُ: فقَولُه تعالَى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وقولُه تعالَى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]، وقولُه تعالَى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠].

وأمَّا السُّنةُ: منها ما رَواهُ البَراءُ بنُ عازبٍ عن النبيِّ أنه قالَ: «مَنْ حرَّقَ حَرَّقناهُ، ومَن غرَّقَ غرَّقْناهُ» (١)، ولأنَّ القِصاصَ مُشعِرٌ بالمُماثَلةِ، فيَجبُ أنْ يُعملَ بمُقتضاهُ.

ورَوى أنسٌ رضي الله عنه «أنَّ يَهوديًّا قتَلَ جارِيةً على أوضاحٍ لها فقتَلَها بحَجرٍ، فجِيءَ بها إلى النبيِّ وبها رمَقٌ، فقالَ أقَتلَكِ فُلانٌ؟ فأشارَتْ برَأسِها أنْ لا، ثمَّ قالَ الثانِيةَ، فأشارَتْ برَأسِها أنْ لا، ثمَّ سَألَها

(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه البيهقي في «السنن» (١٥٧٧١).

الثالِثةَ فأشارَتْ برَأسِها أنْ نَعمْ، فقتَلَه النبيُّ بحَجَرَينِ» (١).

ولأنَّ كلَّ آلةٍ قتَلَ مثلُها جازَ استِيفاءُ القِصاصِ بمِثلِها كالسيفِ، ولأنَّ القِصاصَ مَوضوعٌ للمُماثَلةِ، وهي مُعتبَرةٌ في النَّفسِ، فكانَ أَولى أنْ تُعتبَرَ في آلةِ القَتلِ، ولأنَّ القتلَ مُستحَقٌّ للهِ تعالَى تارةً وللآدميِّينَ تارةً، فلمَّا تَنوَّعَ في حَقِّ اللهِ تعالَى نَوعينِ بالحَديدِ تارةً وبالمُثقَّلِ في رَجمِ الزاني المَحصَنِ، وجَبَ أنْ يَتنوَّعَ في حُقوقِ الآدميِّينَ نَوعينِ بمُثقَّلٍ وغيرِ مُثقَّلٍ.

وتَحريرُه قِياسًا: أنه أحَدُ القَتلينِ، فوجَبَ أنْ يَتنوعَ استِيفاء نَوعينِ كالقتلِ في حُقوقِ اللهِ تعالى.

فأما الجَوابُ عن قَولِه : «لا قوَدَ إلا بالسَّيفِ» إنْ صَحَّ فمَحمولٌ على القَتلِ إذا كانَ بسَيفٍ أو حَديدةٍ.

ونَصَّ المالِكيةُ والشافِعيةُ -والحَنابلةُ هُنا- على أنه يُقتلُ بكُلِّ ما قتَلَ به، إلا بثَلاثةِ أشياءَ: أنْ يَقتلَ بالسِّحرِ، أو باللِّواطِ، أو بسَقيِ الخَمرِ، فلا يُقتلُ بالسِّحرِ وإنْ قتَلَ، ولا يُقتلُ باللِّواطِ وإنْ لاطَ به، ولا يُقتلُ بسَقيِ الخَمرِ وإنْ سَقاهُ، ويُعدَلُ إلى قَتلِه بالسيفِ؛ لأنَّ ذلكَ مُحرَّمٌ لعَينِه، فسقَطَ وبَقيَ القَتلُ (٢).

(١) أخرجه البخاري (٦٤٨٥)، ومسلم (١٦٧٢).
(٢) «تفسير القرطبي» (٢/ ٣٥٨)، و «الذخيرة» (١٢/ ٤٤٩، ٤٥٠)، و «الحاوي الكبير» (١٢/ ١٣٩، ١٤٠)، و «المهذب» (٢/ ١٨٦)، و «البيان» (١١/ ٤١٤، ٤١٦)، و «النجم الوهاج» (٨/ ٤٢٩، ٤٣١)، و «المغني» (٨/ ٢٤٠)، و «الكافي» (٤/ ٤٢)، و «شرح الزركشي» (٣/ ١٩)، و «المبدع» (٨/ ٢٩٢)، و «الإنصاف» (٩/ ٤٩٠)، و «منار السبيل» (٣/ ٢٣٨، ٢٣٩).

قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: قالَ كَثيرٌ مِنْ الفُقهاءِ: إذا قتَلَه بتَحريقٍ أو تَغريقٍ أو خَنقٍ أو نحوِ ذلكَ فإنه يُفعلُ به كما فعَلَ ما لم يَكنِ الفِعلُ مُحرَّمًا في نَفسِه كتَجريعِ الخَمرِ واللِّواطِ به، ومنهُم مَنْ قالَ: «لا قوَدَ عليهِ إلا بالسَّيفِ»، والأولُ أشبَهُ بالكِتابِ والسُّنةِ والعَدلِ (١).

وقالَ ابنُ القيِّمِ رحمة الله عليه: ومِن ذلكَ المُماثَلةُ في القِصاصِ في الجِناياتِ الثلاثِ: على النُّفوسِ والأموالِ والأعراضِ، فهذهِ ثلاثُ مَسائلَ:

الأُولى: هل يُفعلُ بالجاني كما يُفعلُ بالمَجنيِّ عليهِ؟ فإنْ كانَ الفِعلُ مُحرَّمًا لحَقِّ اللهِ كاللِّواطِ وتَجريعِه الخمرَ لم يُفعلْ به كما فعَلَ اتِّفاقاً.

وإنْ كانَ غيرَ ذلكَ كتَحريقِه بالنارِ وإلقائِه في الماءِ ورَضِّ رأسِه بالحَجرِ ومَنعِه مِنْ الطَّعامِ والشَّرابِ حتى يَموتَ فمالكٌ والشافِعيُّ وأحمَدُ في إحدَى الرِّواياتِ عَنهُ يَفعلونَ به كما فعَلَ، ولا فرْقَ بينَ الجُرحِ المُزهِقِ وغَيرِه.

وأبو حَنيفةَ وأحمَدُ في رِوايةٍ عنه يَقولانِ: لا يُقتلُ إلا بالسَّيفِ في العُنقِ خاصَّةً.

وأحمَدُ في رِوايةٍ ثالثةٍ يَقولُ: إنْ كانَ الجُرحُ مُزهِقًا فُعلَ به كما فعَلَ، وإلا قُتلَ بالسيفِ.

وفي رِوايةٍ رابعةٍ يقولُ: إنْ كانَ مُزهِقًا أو مُوجِبًا للقَودِ بنَفسِه لو انفرَدَ فُعلَ به كما فعَلَ، وإنْ كانَ غيرَ ذلكَ قُتلَ بالسيفِ.

(١) «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٣٨١).

والكِتابُ والمِيزانُ مع القَولِ الأولِ، وبه جاءَتِ السُّنةُ؛ فإنَّ النبيَّ «رَضَّ رأسَ اليَهوديِّ بينَ حَجَرينِ كما فعَلَ بالجارِيةِ»، وليسَ هذا قَتلًا لنَقضِه العَهدَ؛ لأنَّ ناقِضَ العَهدِ إنما يُقتلُ بالسَّيفِ في العُنقِ، وفي أثرٍ مَرفوعٍ: «مَنْ حرَّقَ حَرَّقناهُ، ومَن غرَّقَ غَرَّقناهُ»، وحديثُ: «لا قوَدَ إلا بالسَّيفِ» قالَ الإمامُ أحمَدُ: ليسَ إسنادُه بجَيدٍ، والثابتُ عن الصَّحابةِ أنه يُفعلُ به كما فعَلَ، فقدِ اتَّفقَ على ذلكَ الكِتابُ والسُّنةُ والقِياسُ وآثارُ الصَّحابةِ، واسمُ القِصاصِ يَقتضيهِ؛ لأنه يَستلزمُ المُماثَلةَ (١).

(١) «إعلام الموقعين» (١/ ٣٢٧).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الجنايات
فصل في كيفية وجوب القصاص

هَذَا إذَا كَانَ الْقَطْعُ قَبْلَ الْكِتَابَةِ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَهَا فَمَاتَ فَإِنْ كَانَ الْقَطْعُ عَمْدًا يُنْظَرُ إنْ مَاتَ عَاجِزًا فَلِلْمَوْلَى أَنْ يَقْتَصَّ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ عَبْدًا، وَإِنْ مَاتَ عَنْ وَفَاءٍ فَإِنْ كَانَ مَعَ الْمَوْلَى وَارِثٌ آخَرَ أَوْ غَيْرُهُ يُشَارِكُهُ فِي الْمِيرَاثِ فَلَا قِصَاصَ لِاشْتِبَاهِ الْوَلِيِّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ غَيْرَ الْمَوْلَى فَعَلَى الِاخْتِلَافِ الَّذِي ذَكَرْنَا، وَإِنْ كَانَ الْقَطْعُ خَطَأً فَإِنْ مَاتَ عَاجِزًا فَالْقِيمَةُ لِلْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ مَاتَ عَبْدًا، وَإِنْ مَاتَ عَنْ وَفَاءٍ فَالْقِيمَةُ لِلْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ حُرًّا، وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ فِي كَيْفِيَّةُ وُجُوبِ الْقِصَاصِ

(فَصْلٌ) :

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب القصاص
القسم الثاني النظر في الواجب في القصاص

وَالْجُمْهُورُ إِنَّمَا عَلَّلُوا دَرْءَ الْحَدِّ عَنِ الْأَبِ لِمَكَانِ حَقِّهِ عَلَى الِابْنِ، وَالَّذِي يَجِيءُ عَلَى أُصُولِ أَهْلِ الظَّاهِرِ أَنْ يُقَادَ، فَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ فِي الْمُوجِبِ.

الْقِسْمُ الثَّانِي النَّظَرُ فِي الْوَاجِبِ فِي الْقِصَاصِ

وَأَمَّا الْقَوْلُ فِي الْوَاجِبِ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ لِوَلِيِّ الدَّمِ أَحَدَ شَيْئَيْنِ: الْقِصَاصُ، أَوِ الْعَفْوُ إِمَّا عَلَى الدِّيَةِ وَإِمَّا عَلَى غَيْرِ الدِّيَةِ.

وَاخْتَلَفُوا هَلِ الِانْتِقَالُ مِنَ الْقِصَاصِ إِلَى الْعَفْوِ عَلَى أَخْذِ الدِّيَةِ هُوَ حَقٌّ وَاجِبٌ لِوَلِيِّ الدَّمِ دُونَ أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ خِيَارٌ لِلْمُقْتَصِّ مِنْهُ، أَمْ لَا تَثْبُتُ الدِّيَةُ إِلَّا بِتَرَاضِي الْفَرِيقَيْنِ (أَعْنِي: الْوَلِيَّ وَالْقَاتِلَ) ، وَأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُرِدِ الْمُقْتَصُّ مِنْهُ أَنْ يُؤَدِّيَ الدِّيَةَ لَمْ يَكُنْ لِوَلِيِّ الدَّمِ إِلَّا الْقِصَاصُ مُطْلَقًا أَوِ الْعَفْوُ.

فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَجِبُ لِلْوَلِيِّ إِلَّا أَنْ يَقْتَصَّ أَوْ يَعْفُوَ عَنْ غَيْرِ دِيَةٍ إِلَّا أَنْ يَرْضَى بِإِعْطَاءِ الدِّيَةِ لِلْقَاتِلِ، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْهُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَجَمَاعَةٌ.

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَدَاوُدُ وَأَكْثَرُ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ: وَلِيُّ الدَّمِ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ اقْتَصَّ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الدِّيَةَ، رَضِيَ الْقَاتِلُ أَوْ لَمْ يَرْضَ، وَرَوَى ذَلِكَ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ، إِلَّا أَنَّ الْمَشْهُورَ عَنْهُ هِيَ الرِّوَايَةُ الْأُولَى.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 286 - 291

ارجع إلى أقسام الجناية للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
الله أكبر