متى يصير الجهاد فرض عين؟

الإسلام > الجنايات والحدود > أقسام الجهاد > متى يصير الجهاد فرض عين؟

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 21 دقيقة قراءة

متى يصير الجهاد فرض عين؟ - الأقوال والأدلة

وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: والجِهادُ من فُروضِ الكِفاياتِ في قَولِ عَوامِّ أهلِ العِلمِ.

ومَعنى الكِفايةِ في الجِهادِ: أنْ يَنهَضَ للجِهادِ قَومٌ يَكفُونَ في قِتالِهم، إمَّا أنْ يَكونوا جُندًا لهم دَواوينُ من أجلِ ذلك، أو يَكونوا قد أعَدُّوا أنفُسَهم له تَبرُّعًا بحيثُ إذا قصَدَهم العَدوُّ حصَلَت المَنَعةُ بهم، ويَكونُ في الثُّغورِ مَنْ يَدفَعُ العَدوَّ عنها، وفي كلِّ سَنةٍ يُبعَثَ جَيشٌ يُغيرونَ على العَدوِّ في بِلادِهم (١).

مَتى يَصيرُ الجِهادُ فَرضَ عَينٍ؟

اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الجِهادَ يَصيرُ فَرضَ عَينٍ في كلٍّ من الحالاتِ الآتيةِ:

١ - إذا هجَمَ العَدوُّ على بَلدٍ من بِلادِ المُسلِمينَ: يَتعيَّنُ عليهم الدَّفعُ ولو كانَ امرأةً، ولو بغيرِ إذْنِ زَوجِها، أو صَبيًّا، ولو بغيرِ إذْنِ أبَوَيْه.

٢ - أو هجَمَ على مَنْ بقُربِهم وليسَ لهم قُدرةٌ على دَفعِه، فيَتعيَّنُ على مَنْ كانَ بمَكانٍ مُقارِبٍ لهم أنْ يُقاتِلوا معهم إنْ عجَزَ مَنْ فَجَأهم العَدوُّ عن الدَّفعِ عن أنفُسِهم، فإنْ عجَزوا وجَبَ على مَنْ يَلونَهم من المُسلِمينَ أنْ يُشارِكوا بكل ما يَقدِرونَ عليه، فإنْ عجَزوا انتقَل إلى مَنْ يَلونَهم من المُسلِمينَ، ومَحلُّ التَّعيُّنِ على مَنْ بقُربِهم إنْ لم يَخشَوْا على نِسائِهم وبُيوتِهم مِنْ عَدوٍّ بتَشاغُلِهم بمُعاوَنةِ مَنْ فَجَأهم العَدوُّ، وإلا تَرَكوا إعانتَهم.

(١) «المغني» (٩/ ١٦٢).

وكذا إذا جبُنَ أهلُ البَلدِ وتَخاذَلوا عن عَدُوِّ اللهِ وعَدوِّهم، ففُرضَ على مَنْ وَراءَهم من المُسلِمينَ أنْ يَنهَضوا لصَدِّ الغَزوِ ومُقاوَمةِ العَدوِّ؛ لأنَّ كلَّ أرضٍ إِسلاميةٍ هي مِلكٌ لجَميعِ المُسلِمينَ، لا مِلكُ ساكِنيها وَحدَهم، فإذا فرَّطوا هم في الدِّفاعِ عنها لم يَسقُطْ عمَّن وَراءَهم من المُسلِمينَ واجِبُ الدِّفاعِ عن أرضِ الإسلامِ ودارِ الإسلامِ.

وقد نقَلَ الزَّيلعيُّ وابنُ عابدين وغيرُهما عن صاحِبِ «الذَّخيرة» من كُتُبِ الفِقهِ الحَنفيِّ قَولَه: إنَّ الجِهادَ إذا جاءَ النَّفيرُ إنَّما يَصيرُ فَرضَ عَينٍ على مَنْ يَقرُبُ من العَدوِّ، فأمَّا مَنْ وَراءَهم بِبُعدٍ من العَدوِّ فهو فَرضُ كِفايةٍ عليهم حتى يَسَعَهم تَركُه إذا لم يُحتَجْ إليهم.

فإنِ احتيجَ إليهم بأنْ عجَزَ مَنْ كانَ يَقرُبُ من العَدوِّ عن المُقاوَمةِ مع العَدوِّ أو لم يَعجِزوا عنها لكنَّهم تكاسَلوا ولم يُجاهِدوا فإنَّه يُفترَضُ على مَنْ يَليهم فَرضَ عَينٍ كالصَّلاةِ والصَّومِ، لا يَسعُهم تَركُه، ثم … وثم … (يَعني الأقرَبَ فالأقرَبَ)، إلى أنْ يُفترَضَ على جَميعِ أهلِ الإسلامِ شَرقًا وغَربًا على هذا التَّدريجِ.

ونَظيرُه الصَّلاةُ على المَيِّتِ، فإنَّ من ماتَ في ناحيةٍ من نَواحي البَلَدِ فعلى جِيرانِه وأهلِ مَحلَّتِه أنْ يَقوموا بأسبابِه، وليسَ على مَنْ كانَ يَبعدُ من المَيِّت أنْ يَقومَ بذلك، وإنْ كانَ الذي يَبعدُ من المَيِّتِ يَعلمُ أنَّ أهلَ مَحلَّتِه يُضيِّعون حُقوقَه أو يَعجِزونَ عنه، كانَ عليه أنْ يَقومَ بحُقوقِه، كذا هنا (١).

(١) «تبيين الحقائق» (٣/ ٢٤٢)، و «حاشية ابن عابدين» (٤/ ١٢٤).

وقالَ الكَمالُ بنُ الهُمامِ رحمة الله عليه: فإنْ هجَموا على بَلدةٍ من بِلادِ المُسلِمينَ يَصيرُ من فُروضِ الأعيانِ، سَواءٌ كانَ المُستنفِرُ عَدلًا أو فاسِقًا، فيَجبُ على جَميعِ أهلِ تلك البَلدةِ النَّفرُ، وكذا مَنْ يَقرُبُ منهم، إنْ لم يَكنْ بأهلِها كِفايةٌ، وكذا مَنْ يَقرُبُ ممَّن يَقرُبُ إنْ لم يَكنْ بمَن يَقرُبُ كِفايةٌ، أو تَكاسَلوا أو عَصَوْا، وهكذا إلى أنْ يَجبَ على جَميعِ أهلِ الإسلامِ شَرقًا وغَربًا كجَهازِ المَيِّتِ والصَّلاةِ عليه يَجبُ أوَّلًا على أهلِ مَحلَّتِه فإنْ لم يَفعَلوا عَجزًا وجَبَ على مَنْ ببلَدِهم على ما ذكَرْنا (١).

وجاء في «المُغني» لابنِ قُدامةَ رحمة الله عليه: مَسألةٌ: قالَ: «وواجِبٌ على الناسِ إذا جاءَ العَدوُّ أنْ يَنفِروا المُقِلُّ منهم والمُكثِرُ، ولا يَخرُجوا إلى العَدوِّ إلا بإذنِ الأميرِ إلا أنْ يَفجَأَهم عَدوٌّ غالِبٌ يَخافونَ كَلبَه فلا يُمكِنَهم أنْ يَستأذِنُوه».

قَولُه: «المُقِلُّ منهم والمُكثِرُ»، يَعني به -واللهُ أعلَمُ- الغَنيَّ والفَقيرَ، أي: المُقِلُّ من المالِ والمُكثِرُ منه. ومَعناه: أنَّ النَّفيرَ يَعُمُّ جَميعَ الناسِ ممَّن كانَ من أهلِ القِتالِ حينَ الحاجةِ إلى نَفيرِهم لمَجيءِ العَدوِّ إليهم، ولا يَجوزُ لأحدٍ التَّخلُّفُ إلا مَنْ يَحتاجُ إلى تَخلُّفِه لحِفظِ المَكانِ والأهلِ والمالِ، ومَن يَمنعُه الأميرُ من الخُروجِ أو مَنْ لا قُدرةَ له على الخُروجِ أو القِتالِ؛ وذلك لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١]، وقَولِ النَّبيِّ : «وإذا استُنفِرتم فانفِروا» (٢)، وقد ذَمَّ

(١) «شرح فتح القدير» (٥/ ٤٣٩).
(٢) رواه البخاري (٢٦٣١)، ومسلم (١٣٥٣).

اللهُ تَعالى الذين أرادوا الرُّجوعَ إلى مَنازِلِهم يَومَ الأحزابِ فقالَ تَعالى: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ [لقمان: ١٣].

ولأنَّهم إذا جاءَ العَدوُّ صارَ الجِهادُ عليهم فَرضَ عَينٍ وجَبَ على الجَميعِ، فلم يَجزْ لأحدٍ التَّخلُّفُ عنه (١).

وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رحمة الله عليه: وأمَّا قِتالُ الدَّفعِ فهو أشَدُّ أنواعِ دَفعِ الصائِلِ عن الحُرمةِ والدِّينِ، فواجِبٌ إجماعًا، فالعَدوُّ الصائِلُ الذي يُفسِدُ الدِّينَ والدُّنيا لا شَيءَ أوجَبَ بعدَ الإيمانِ من دَفعِه، فلا يُشترطُ له شَرطٌ بل يُدفَعُ بحسَبِ الإمكانِ (٢).

وقالَ في مَوضِعٍ آخَرَ: فأمَّا إذا أرادَ العَدوُّ الهُجومَ على المُسلِمينَ؛ فإنَّه يَصيرُ دَفعُه واجِبًا على المَقصودِينَ كلِّهم وعلى غيرِ المَقصودِينَ لإعانَتِهم، كما قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [الأنفال: ٧٢].

وكما أمَرَ النَّبيُّ بنَصرِ المُسلِمِ، وسَواءٌ أكانَ الرَّجلُ من المُرتزَقةِ للقِتالِ أو لم يَكنْ، وهذا يَجبُ بحسَبِ الإمكانِ على كل أحَدٍ بنَفسِه ومالِه مع القِلةِ والكَثرةِ والمَشيِ والرُّكوبِ، كما كانَ المُسلِمونَ لمَّا قصَدَهم العَدوُّ عامَ الخَندَقِ، ولم يَأذنِ اللهُ في تَركِه لأحدٍ كما

(١) «المغني» (٩/ ١٧٤)، و «الكافي» (٤/ ٢٥٤).
(٢) «الفتاوى الكبرى» (٤/ ٦٠٨).

أذِنَ في تَركِ الجِهادِ ابتِداءً لطَلبِ العَدوِّ الذي قسَّمَهم فيه إلى قاعِدٍ وخارِجٍ، بل ذَمَّ الذين يَستأذِنُون النَّبيَّ ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾ [لقمان: ١٣] (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: الجِهادُ يَنقَسِمُ أيضًا إلى قِسمَينِ:

أحدُهما: فَرضٌ عامٌّ مُتعيَّنٌ على كلِّ أحَدٍ ممَّن يَستطيعُ المُدافَعةَ والقِتالَ وحمْلَ السِّلاحِ من البالِغينَ الأحرارِ، وذلك أنْ يَحِلَّ العَدوُّ بدارِ الإسلامِ مُحارِبًا لهم، فإذا كانَ ذلك وجَبَ على جَميعِ أهلِ تلك الدارِ أنْ يَنفِروا ويَخرُجوا إليه خِفافًا وثِقالَا وشَبابًا وشُيوخًا، وألَّا يَتخلَّفَ أحَدٌ يَقدِرُ على الخُروجِ من مُقاتِلٍ أو مُكثِرٍ، وإنْ عجَزَ أهلُ تلك البَلدةِ عن القيامِ بعَدوِّهم كانَ على مَنْ قارَبهم وجاورَهم أنْ يَخرُجوا قَلُّوا أو كَثُروا على حسَبِ ما لزِمَ أهلَ تلك البَلدةِ حتى يَعلَموا أنَّ فيهم طاقةً على القيامِ بهم ومُدافَعتِهم، وكذلك كلُّ مَنْ علِمَ بضَعفِهم عن عَدوِّهم، وعلِمَ أنَّه يُدرِكُهم ويُمكِنُه غِياثُهم لزِمَه أيضًا الخُروجُ إليهم، فالمُسلِمونَ كلُّهم يَدٌ على مَنْ سِواهم حتى إذا قامَ بدَفعِ العَدوِّ أهلُ الناحيةِ التي نزَلَ العَدوُّ عليها واحتَلَّ بها سقَطَ الفَرضُ عن الآخَرينَ، ولو قارَبَ العَدوُّ دارَ الإسلامِ ولم يَدخُلوها لزِمَهم أيضًا الخُروجُ إليه (٢).

وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ رحمة الله عليه: وإذا تَعيَّنَ الجِهادُ بغَلبةِ العَدوِّ على قُطرٍ من الأقطارِ … وجَبَ على جَميعِ أهلِ تلك الدارِ أنْ يَنفِروا، ويَخرُجوا إليه

(١) «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٤٥٨، ٤٥٩)، و «السياسة الشرعية» ص (١٠٨).
(٢) «الكافي» ص (٢٠٥).

خِفافًا وثِقالَا، شَبابًا وشُيوخًا، كلٌّ على قَدرِ طاقَتِه … ؛ فإنْ عجَزَ أهلُ تلك البَلدةِ عن القيامِ بعَدوِّهم كانَ على مَنْ قارَبَهم وجاوَرَهم أنْ يَخرُجوا على حسَبِ ما لزِمَ أهلَ تلك البَلدةِ حتى يَعلَموا أنَّ منهم طاقةً على القيامِ بهم ومُدافَعتِهم. وكذلك كلُّ مَنْ علِمَ بضَعفِهم عن عَدوِّهم، وعلِمَ أنَّه يُدرِكُهم ويُمكِنُه غِياثُهم لزِمَه أيضًا الخُروجُ إليهم، فالمُسلِمونَ كلُّهم يَدٌ على مَنْ سِواهم حتى إذا قامَ بدَفعِ العَدوِّ أهلُ الناحيةِ التي نزَلَ العَدوُّ عليها واحتَلَّ بها سقَطَ الفَرضُ عن الآخَرينَ، ولو قارَبَ العَدوُّ دارَ الإسلامِ ولم يَدخلوها لزِمَهم أيضًا الخُروجُ إليه حتى يَظهَرَ دِينُ اللهِ وتُحمَى البَيضةُ وتُحفظَ الحَوزةُ ويُخزَى العَدوُّ، ولا خِلافَ في هذا (١).

٣ - إذا استَنفرَ الإمامُ فَردًا أو فِئةً مُعيَّنةً: لزِمَهم النَّفيرُ معه ويَتعيَّنُ عليهم الجِهادُ بذلك، ولا يَحِلُّ لهم التَّخلُّفُ إلا مَنْ له عُذرٌ قاطِعٌ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)[التوبة: ٣٨، ٣٩] فدلَّت هذه الآيةُ على وُجوبِ النَّفيرِ على كلِّ مَنْ استَنفرَه الإمامُ أو نائِبُه، وأنَّ مَنْ تَخلَّفَ عن النَّفيرِ هنا مُهدَّدٌ بالعَذابِ الأليمِ واستِبدالِ غيرِه به.

(١) «تفسير القرطبي» (٨/ ١٥١).

وقالَ النَّبيُّ : «لا هِجرةَ بعدَ الفَتحِ، ولكنْ جِهادٌ ونِيةٌ، وإذا استُنفِرتُم فانفِروا» (١). وذلك لأنَّ أمرَ الجِهادِ مَوكولٌ إلى الإمامِ واجتِهادِه، ويَلزمُ الرَّعيةَ طاعَتُه فيما يَراه مِنْ ذلك.

ونَصَّ المالِكيةُ على أنَّه يَتعيَّنُ الجِهادُ بتَعيينِ الإمامِ ولو لصَبيٍّ مُطيقٍ للقِتالِ أو امرأةٍ، وتَعيينُ الإمامِ هو إلجاؤُه إليه وجبْرُه عليه، كما يُلزَمُ بما فيه صَلاحُ حالِه، لا بمَعنى عِقابِه على تَركِه، فلا يُقالُ: إنَّ تَوجُّهَ الوُجوبِ للصَّبيِّ خَرقٌ للإجماعِ.

قالَ خَليلٌ رحمة الله عليه: وتَعيَّنَ بفَجْءِ العَدوِّ، وإنْ على امرأةٍ أو عَبدٍ وعلى مَنْ بقُربِهم إنْ عجَزوا أو بتَعيينِ الإمامِ (٢).

قالَ الدُّسوقيُّ رحمة الله عليه: «قَولُه: وبتَعيينِ الإمامِ» أي أنَّ كلَّ مَنْ عيَّنَه الإمامُ للجِهادِ؛ فإنَّه يَتعيَّنُ عليه، ولو كانَ صَبيًّا مُطيقًا للقِتالِ أو امرأةً أو عَبدًا أو وَلدًا أو مَدينًا، ويَخرُجونَ ولو منَعَهم الوَليُّ والزَّوجُ والسَّيدُ ورَبُّ الدِّينِ، والمُرادُ بتَعيينِه على الصَّبيِّ بفَجْءِ العَدوِّ، وبتَعيينِ الإمامِ إلجاؤُه عليه وجبْرُه عليه كما يُلزَمُ بما فيه إصلاحُ حالِه، لا بمَعنى عِقابِه على تَركِه … ، فلا يُقالُ: إنَّ تَوجُّهَ الوُجوبِ للصَّبيِّ خَرقٌ للإجماعِ (٣).

(١) رواه البخاري (٢٦٣١)، ومسلم (١٣٥٣).
(٢) «مختصر خليل» (١/ ١٠١).
(٣) «حاشية الدسوقي» (٢/ ١٧٥).

وقالَ ابنُ قُدامةَ (١): إذا استَنفرَ الإمامُ قَومًا لزِمَهم النَّفيرُ معه؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [التوبة: ٣٨] الآيةَ، والتي بعدَها، وقالَ النَّبيُّ : «وإذا استُنفِرتم فانفِروا» (٢).

٤ - إذا التَقى الزَّحفانِ وتَقابلَ الصَّفانِ: حرُمَ على مَنْ حضَرَ الانصِرافُ، وتَعيَّنَ عليه المُقامُ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال: ١٥، ١٦].

وقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦)[الأنفال: ٤٥، ٤٦].

قالَ الإمامُ الشِّيرازيُّ رحمة الله عليه: وإذا التَقى الزَّحفانِ ولم يَزدْ عَددُ الكُفارِ على مِثلَيْ عَددِ المُسلِمينَ ولم يَخافُوا الهَلاكَ تَعيَّنَ عليهم فَرضُ الجِهادِ (٣).

وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: واتَّفَقوا على أنَّه إذا التَقى الزَّحفانِ وجَبَ على المُسلِمينَ الحاضِرين الثَّباتُ وحرُمَ عليهم الانصِرافُ والفِرارُ؛

(١) «المغني» (٩/ ١٦٣)، و «الروض المربع» (٢/ ٤)، و «شرح منتهى الإرادات» (١/ ٦١٨).
(٢) رواه البخاري (٢٦٣١)، ومسلم (١٣٥٣).
(٣) «المهذب» (٢/ ٢٣٢)، وانظر: «الحاوي الكبير» (١٤/ ١٨٠).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 31 - 38

ارجع إلى أقسام الجهاد للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 37%
البدر بعد 9 يوم
الحمد لله