الإسلام > الجنايات والحدود > أنواع الأشربة > حد شارب الخمر
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 11 دقيقة قراءةوقالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: أجمَعَ المُسلمونَ على تَحريمِ شُربِ الخَمرِ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وثبَتَ عن النبيِّ ﷺ تَحريمُ الخَمرِ بأخبارٍ تَبلغُ بمَجموعِها رُتبةَ التَّواتُرِ، وأجمَعَتِ الأمَّةُ على تَحريمِه (٢).
حَدُّ شارِبِ الخَمرِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ مَنْ شَربَ الخَمرَ وهو مُسلمٌ عاقِلٌ بالغٌ مُختارٌ أنَّ عليهِ الحَدَّ، سَواءٌ شَربَ منها قَليلًا أو كَثيرًا، سَكِرَ أو لم يَسكرْ؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ: «مَنْ شَربَ الخَمرَ فاجلِدُوهُ، ثمَّ إنْ شَربَ فاجلِدوهُ، ثمَّ إنْ شَربَ فاجلِدوهُ، ثمَّ إنْ شَربَ فاقتُلوهُ» (٣).
قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: أجمَعَ المُسلمونَ على تَحريمِ شُربِ الخَمرِ، وأجمَعُوا على وُجوبِ الحَدِّ على شارِبِها، سَواءٌ شَربَ قَليلًا أو كَثيرًا، وأجمَعُوا على أنه لا يُقتَلُ بشُربِها وإنْ تَكرَّرَ ذلك منه، هكذا حكَى الإجماعَ فيه التِّرمذيُّ وخَلائقُ، وحكَى القاضِي عِياضٌ رحمة الله عليه عن طائِفةٍ شاذَّةٍ أنهم قالوا: «يُقتلُ بعدَ جَلدِه أربَعَ مرَّاتٍ؛ للحَديثِ الوارِدِ في ذلكَ»، وهذا القَولُ باطلٌ مُخالِفٌ لإجماعِ الصَّحابةِ فمَن بعدَهم على أنه لا يُقتلُ وإنْ تكرَّرَ منه أكثَرَ مِنْ أربَعِ مرَّاتٍ، وهذا الحَديثُ مَنسوخٌ، قالَ جَماعةٌ: دَلَّ الإجماعُ
(١) «شرح صحيح مسلم» (١١/ ٢١٧).
(٢) «المغني» (٩/ ١٣٥).
(٣) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٤٤٨٤)، والترمذي (١٤٤٤)، والنسائي (٥٦٦١).
على نَسخِه، وقالَ بعضُهم: نسَخَه قَولُه ﷺ: «لا يَحِلُّ دَمُ امرِئٍ مُسلمٍ إلا بإحدَى ثَلاثٍ: النَّفسُ بالنفسِ والثَّيبُ الزَّاني والتارِكُ لدِينِه المُفارِقُ للجَماعةِ» (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: اتَّفقوا على أنَّ الخَمرَ حَرامٌ قَليلُها وكَثيرُها، وفيها الحَدُّ (٢).
وقالَ الإمامُ العَمرانِيُّ رحمة الله عليه: مَنْ شَربَ منها وهو مُسلمٌ عاقلٌ بالغٌ مُختارٌ .. وجَبَ عليه الحَدُّ، سواءٌ شَربَ منها قَليلًا أو كَثيرًا، سَكرَ أو لم يَسكرْ؛ لِما رَوى أبو هُريرةَ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «مَنْ شَربَ الخَمرَ .. فاجلِدُوهُ، فإنْ عادَ .. فاجلِدوهُ، فإنْ عادَ .. فاجلِدوهُ، ثمَّ إنْ عادَ .. فاقتُلوهُ»، والقَتلُ في الرابِعةِ مَنسوخٌ؛ لِما رَوى قَبيصةُ بنُ ذُؤيبٍ: «أنَّ النبيَّ ﷺ أُتِيَ برَجلٍ شَربَ الخَمرَ فجلَدَه، فأُتِيَ به ثانيًا وقد شَربَ فجلَدَه، فأُتِيَ به ثالِثًا وقد شَربَ فجلَدَه، فأُتِيَ به رابعًا وقد شَربَ فجلَدَه ولم يَقتلْه» (٣)، وأجمَعَتِ الأمَّةُ على ذلكَ أيضًا (٤).
وقالَ الإمامُ ابنُ عَبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: أجمَعُوا على أنَّ قَليلَ الخمرِ مِنْ العِنبِ فيه مِنْ الحَدِّ مثلُ ما في كَثيرِها، ولا يُراعَى السُّكرُ فيها (٥).
(١) «شرح صحيح مسلم» (١١/ ٢١٧).
(٢) «الإفصاح» (٢/ ٢٩١، ٢٩٢).
(٣) ضَعيفٌ مُرسَلٌ: رواه أبو داود (٤٤٨٥).
(٤) «البيان» (١٢/ ٥١٨).
(٥) «الاستذكار» (٨/ ٣).
وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: يُحَدُّ شارِبُها قَليلًا أو كَثيرًا؛ لإجماعِ الصَّحابةِ رضي الله عنهم على ذلكَ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: يَجبُ الحَدُّ على مَنْ شَربَ قَليلًا مِنْ المُسكِرِ أو كَثيرًا، ولا نَعلمُ بينَهُم خِلافًا في ذلكَ في عَصيرِ العِنبِ غيرِ المَطبوخِ، واختَلفوا في سائرِها، فذهَبَ إمامُنا إلى التَّسويةِ بينَ عصيرِ العِنبِ وكلِّ مُسكِرٍ، وهو قَولُ الحَسنِ وعُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ وقَتادةَ والأوزاعِيِّ ومالِكٍ والشافِعيِّ، وقالَتْ طائفةٌ: لا يُحَدُّ إلا أنْ يَسكرَ، منهُم أبو وائلٍ والنخَعيُّ وكَثيرٌ مِنْ أهلِ الكُوفةِ وأصحابُ الرأيِ، وقالَ أبو ثَورٍ: مَنْ شَربَه مُعتقِدًا تَحريمَه حُدَّ، ومَن شَربَه مُتأوِّلًا فلا حَدَّ عليهِ؛ لأنه مُختلَفٌ فيهِ، فأشبَهَ النكاحَ بلا وليٍّ.
ولنا: ما رُويَ عن النبيِّ ﷺ أنه قالَ: «مَنْ شَربَ الخَمرَ فاجلِدُوهُ» رَواهُ أبو داودَ وغيرُه، وقد ثبَتَ أنَّ كلَّ مُسكِرٍ خَمرٌ، فيَتناولُ الحَديثُ قَليلَه وكثيرَه، ولأنه شَرابٌ فيه شِدةٌ مُطرِبةٌ، فوجَبَ الحَدُّ بقليلِه كالخَمرِ، والاختِلافُ فيه لا يَمنعُ وُجوبَ الحَدِّ فيها؛ بدَليلِ ما لو اعتَقدَ تَحريمَها، وبهذا فارَقَ النكاحَ بلا وليٍّ ونحوَه مِنْ المُختلَفِ فيه، وقد حَدَّ عُمرُ قُدامةَ بنَ مَظعونٍ وأصحابَه مع اعتِقادِهم حِلَّ ما شَرِبوهُ، والفَرقُ بينَ هذا وبينَ سائرِ المُختلَفِ فيه مِنْ وَجهينِ:
(١) «بدائع الصنائع» (٥/ ١١٣).
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب القذف
باب في شرب الخمر
بَابٌ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ
ِ وَالْكَلَامِ فِي هَذِهِ الْجِنَايَةِ: فِي الْمُوجِبِ، وَالْوَاجِبِ، وَبِمَاذَا تَثْبُتُ هَذِهِ الْجِنَايَةُ؟
فَأَمَّا الْمُوجِبُ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ شُرْبُ الْخَمْرِ دُونَ إِكْرَاهٍ قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا. وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُسْكِرَاتِ مِنْ غَيْرِهَا، فَقَالَ أَهْلُ الْحِجَازِ: حُكْمُهَا حُكْمُ الْخَمْرِ فِي تَحْرِيمِهَا وَإِيجَابُ الْحَدِّ عَلَى مَنْ شَرِبَهَا قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا، أَسْكَرَ أَوْ لَمْ يُسْكِرْ. وَقَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ: الْمُحَرَّمُ مِنْهَا هُوَ السُّكْرُ، وَهُوَ الَّذِي يُوجِبُ الْحَدَّ. وَقَدْ ذَكَرْنَا عُمْدَةَ أَدِلَّةِ الْفَرِيقَيْنِ فِي كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ وَالْأَشْرِبَةِ.
وَأَمَّا الْوَاجِبُ فَهُوَ الْحَدُّ وَالتَّفْسِيقُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ التَّوْبَةُ، وَالتَّفْسِيقُ فِي شَارِبِ الْخَمْرِ بِاتِّفَاقٍ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ السُّكْرِ، وَفِيمَنْ بَلَغَ حَدَّ السُّكْرِ فِيمَا سِوَى الْخَمْرِ. وَاخْتَلَفَ الَّذِينَ رَأَوْا تَحْرِيمَ قَلِيلِ الْأَنْبِذَةِ فِي وُجُوبِ الْحَدِّ، وَأَكْثَرُ هَؤُلَاءِ عَلَى وُجُوبِهِ، إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ الْحَدِّ الْوَاجِبِ، فَقَالَ الْجُمْهُورُ: الْحَدُّ فِي ذَلِكَ ثَمَانُونَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَدَاوُدُ: الْحَدُّ فِي ذَلِكَ أَرْبَعُونَ.
هَذَا فِي حَدِّ الْحُرِّ، وَأَمَّا حَدُّ الْعَبْدِ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقَالَ الْجُمْهُورُ: هُوَ عَلَى النِّصْفِ مِنْ حَدِّ الْحُرِّ، وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ: حَدُّ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ سَوَاءٌ، وَهُوَ أَرْبَعُونَ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ عِشْرُونَ، وَعِنْدَ مَنْ قَالَ: ثَمَانُونَ - أَرْبَعُونَ.
ارجع إلى أنواع الأشربة للاطلاع على جميع المسائل.